تحليلات

عودة القرصنة إلى السواحل الصومالية: هل هي صدفة أم بداية لمشهد جديد؟

القرصنة مهنة لا تموت؛ تختفي حيناً، وتعود حيناً آخر بثوب جديد.

لكن القرصنة في السواحل الصومالية لم تبدأ، كما صُوّرت في كثير من الدراسات، بمجرد ردة فعل غاضبة من صيادين محليين تجاه سفن أجنبية دخلت بمياههم. وقد كنت، قبل أكثر من عقد، واحداً ممن تناولوا الظاهرة من هذه الزاوية، حين بدت لي القصة في ظاهرها ببساطة بأن صيادون قُطعت شباكهم، وتعرض بعضهم لممارسات قاسية من سفن أجنبية ضخمة، فانتقلوا من الدفاع عن شباكهم ومياههم إلى اعتراض السفن، ثم إلى الاستيلاء عليها.

لكن خلف هذه الصورة البسيطة كانت تختبئ قصة أكثر تعقيداً. فمع انهيار الدولة الصومالية وغياب سلطة قادرة على حماية سواحلها، لم يعد البحر مجرد مساحة للصيد، بل أصبح فراغاً مفتوحاً تتقاطع فيه مصالح الصيد غير القانوني، والتجارة، والأمن، وشبكات المال، والمنافسة على الممرات البحرية. وما أثير الدهشة علي مدي تلك السنوات تلك التقارير الفاضحة بشأن التخلص غير المشروع من النفايات في المياه الصومالي، والتي نتجت عنها ويلات من الاوبة التي لم يسجل بدول المطلة علي السواحل الافريقية. وأشهرها جائحة ” كدودي وهكذا قد تحولت القرصنة، تدريجياً، من فعل محلي محدود إلى اقتصاد بحري له مستفيدون وشبكات ومصالح تتجاوز القارب الصغير الذي يظهر على سطح المشهد.

ومع اتساع الظاهرة وتحولها من حوادث متفرقة إلى تهديد للملاحة الدولية، لم يعد البحر الصومالي شأناً محلياً. فقد دخلت القوى الدولية على خط الأزمة تحت عنوان حماية الملاحة ومكافحة القرصنة، وبدأت تتشكل حول السواحل الصومالية منظومة أمنية بحرية متعددة الأطراف. ولم تعد القرصنة مجرد جريمة ترتكبها مجموعات مسلحة في البحر، بل أصبحت أيضاً مدخلاً لبناء حضور عسكري دولي في واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في العالم، وكان القرصنة كانت فرصة لخلق تحالف عسكري بحري يعطي الشرعية بتواجدهم في المنطقة.

وفي 8 ديسمبر/كانون الأول 2008، أطلق الاتحاد الأوروبي عملية أتلانتا، وهي أول عملية بحرية عسكرية للاتحاد الأوروبي، وكان هدفها الأساسي مكافحة القرصنة والسطو المسلح قبالة السواحل الصومالية، إلى جانب حماية السفن التي تنقل المساعدات الإنسانية إلى الصومال. ومع مرور الوقت، اتسع نطاق مهمتها ليشمل جوانب أخرى من الأمن البحري

، تم تمديد عملية أتلانتا (EUNAVFOR ATALANTA) وتم تمديدها وجددت الاتفاقية 28فبراير/شباط 2027، وفق قرار مجلس للاتحاد الأوروبي كما جرى تحديث مهامها لتشمل جوانب إضافية من الأمن البحري، إلى جانب استمرار مكافحة القرصنة.

لكن السؤال الذي يتجدد لماذا عادت القرصنة من جديد رغم هذا التواجد الأوروبي؟ 

لقد أصبح القراصنة كالمرتزقة يمكن التفاوض معهم وقد أصبحوا مثل الدمية في ايادي اللاعبين الدوليين ويمكن تفعيلهم اوقات الضرورة، وقد ظهرت القرصنة بعد وصول السفينة التركية. تشاغري باي. المتخصصة بتنقيب البترول في الصومال.

 

ايضا لقد صادف توقيت ظهور القراصنة بتوقيت قرب انتهاء مهلة تواجد قوات اتلانتا في السواحل الصومالية وحسب الجدول الزمني عملية أتلانتا سوف تنتهي 28 فبراير/شباط 2027 ولن يتم تجديدها حسب مصادر مطلعة لسياسات مقديشوا، وان الحكومة الصومالية تعاقدت مع حكومة انقرة لحماية سواحل الصومال ومياهها الاقليمي.

فعودة القرصنة ربما هي رسالة بان انقرة وحدها لا يمكن حمايتها للسواحل الصومالية, وان امن السفن والملاحة البحرية قضية دولية وبالتالي يجب علي الصومال ان تجدد تواجد عملية أتلانتا التابع للاتحاد الأوروبي , ولا تكتفي بالأتراك وحدهم .

كما ان هناك جهات ودل اخري بدأت تطمع لأن تصبح جزاء من عمليات حماية السواحل الصومالية من القرصنة.

إثيوبيا ليست بعيدة عن هذا المشهد. 

إثيوبيا دولة حبيسة لا تملك منفذاً بحرياً، لكنها بدأت خلال السنوات الأخيرة تنظر إلى البحر باعتباره جزءاً من حساباتها الاستراتيجية، وليس مجرد اطماع اقتصادية. ومع تصاعد أهمية الأمن البحري في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، أصبح الحصول على منفذ بحري هدفاً معلناً في السياسة الإثيوبية.

وبلغ هذا التوجه ذروته في يناير/كانون الثاني 2024، عندما وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال لتحظي إثيوبيا، بإمكانية استئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومتراً ولأغراض تشمل إنشاء قاعدة بحرية ويصبح استخداماً تجارياً، مقابل وعد إثيوبي بالاعتراف بأرض الصومال.

ومن هذه الزاوية يمكن ان نفهم التنافس المتزايد حول السواحل الصومالية وصلت ذروته، فالميناء ليس مجرد مكان ترسو فيه السفن، والقاعدة البحرية ليست مجرد منشأة عسكرية، والمياه الإقليمية ليست مجرد مساحة جغرافية؛ إنها أوراق استراتيجية تتداخل فيها التجارة والأمن والطاقة والنفوذ السياسي.

ومن هنا يمكن للدول ان تساهم في صناعة الاحداث المتجددة في اعالي البحار لتصبح جزاء من الحلول. وبالتالي فعدم استقرار السواحل الصومالية وظهور القرصنة ربما سيعطي مجالا لأديس ابابا بتواجدها في المياه الاقليمية الصومالية وانها سوف تسوق نفسها عبر المؤسسات الدولية بإنها مستعدة للمشاركة في حماية المصالح الدولية في المياه الاقليمية، وبالتالي ستبرر بان من الضرورة ان تجد موطئ قدم في اقليم الشمال الصومالي والمستقل ذاتياً وبالأخص منطقة “زيلع ” لتشارك عمليات محاربة القرصنة.

 دخول لاعب آخر في المشهد، وربما الأكثر حساسية ” إسرائيل”

اسرائيل كان لها اطماع معلنة في المنطقة منذ عهد بن غوريون وتزايدت أهميتها للبحر الأحمر وباب المندب بعد اعلان مشروع اسرائيل الكبري، ولم تعد السواحل اليمنية مجرد خطوط على الخريطة، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن القوم الإسرائيلي، فإن باب المندب يمثل بوابة استراتيجية إلى البحر الأحمر، ومنه إلى ميناء إيلات وقناة السويس وشبكة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا.

لذا فقد اعترفت إسرائيل رسمياً بأرض الصومال كدولةً مستقلة في ديسمبر/كانون الأول 2025، لتصبح أول دولة تقوم بهذه الخطوة. وأعلنت إسرائيل أن التعاون مع أرض الصومال ضرورة للأمن القومي الاسرائيلي، وان ظهور القرصنة سوف يسبب الشلل في المنفذ الجنوبي للبحر الاحمر وعلي تل أبيب إظهار وجودها ليتسع مفهوم الأمن البحري ليشمل مراقبة الممرات البحرية، وحماية السفن، وجمع المعلومات، ومواجهة التهديدات القادمة من البحر. وهنا أصبحت السواحل الصومالية، بطولها وموقعها المقابل لليمن، جزءاً من حسابات أمنية تتجاوز حدود الصومال نفسها. وقد يدرك الجميع بان الدول الكبري تلجأ احيانا الي صناعة الاحداث لتجد المبررات وتنخرط في مشروع محاربة القرصنة,  ومما يضع التساؤل هنا هل القرصنة بدأت من تلقاء نفسها ام انها عملية محدثة وتتطلب محاربتها .

ماذا حدث بعد وصول سفينة “تشاغري باي”. سفينة تنقيب النفط الي الصومال

وهنا تظهر نقطة تستحق التوقف، باعتبارها دليلاً على ان القرصنة لم تعد من فراغ وتطرح أسئلة استراتيجية لماذا عادت القرصنة في وقت بدأت فيه الصومال مرحلة جديدة من استكشاف الموارد النفطية والغازية في المياها الاقليمي؟

وصلت السفينة التركية تشاغري باي الي المياه الصومالية 10 ابريل 2026، فعمّ الفرح، وهتف الشعب، وابتهج الساسة بوصول سفينة تحمل معها آمالاً جديدة في ثروات البحر الصومالي. ومكثت السفينة ليلتين في ميناء مقديشو، وكانت أضواؤها تملأ ظلمة البحر، حتى بدا وهجها من مرتفعات ضواحي العاصمة، وكأنها لم تكن مجرد سفينة تنقيب، بل رسالة مضيئة في قلب الليل: نحن معكم يا شعب الصومال، وثروات بحركم ستعود إليكم لكن نحن من يحدد نصيبكم,  وما إن هدأت الفرحة وغادرا السفينة الي موقع الحفر, فجأة ظهرت القرصنة من جديد ( تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ) وكأن البحر أراد أن يبعث برسالة مختلفة لست ادري هل كانت صدفة عابرة؟ أم أن وراء هذا التزامن حكاية أخرى لم تُروَ بعد؟

لقد تم اختطاف اول ناقلة نفط  والتي كانت ترفع علم “بالاو” في المياه الصومالية وقبالة سواحل بونت لاند بتاريخ 21 ابريل , اي بعد عشرة ايام من تاريخ وصول تشاغري باي  وقد أكدت عملية اتلانتا بان الحادث وقع في المياه الاقليمية الصومالية

MT Honour 25

وايضا بعد اربعة ايام من تلك الحادثة وبتاريخ 25 ابريل 2026 تم اختطاف قارب شحن أصغر من سفن التجارية وهو قارب تقليدي شائع في سواحل المحيط الهندي والقرن الأفريقي، وكانت ترفع علم الامارات ويُستخدم للصيد وللشحن. تم اختطافها على بعد 10 اميال في منطقة ” دنودا”.

وبعد يوم من تلك الحادث بتاريخ 26 ابريل 2026 تم اختطاف سفينة شحن في منطقة غاراعد. وكانت تحمل علم سانت كيتس ونيفيس . وكانت مسجلة من قبل شركة مسجلة في جزيرة مارشال. لكنها تدار من قبل شركة تركية.

واختطاف سفينة شحن أخرى MV LUTUF  

وكانت أكثر حساسية اذ تم اختطاف بتاريخ 17 اغسطس 2026 هذه  السفينة كانت تحمل العلم الكاميرون , وكان علي متنها معدات واجهزة حساسة تابعة  لقوات التركية المتواجدة في الصومال , اذ ان الاتراك يستعدون لتجربة اطلاق صواريخ عابرة القارات والقمر الصناعي في المجال الفضاء الصومالي . لقد سبب اختطاف هذه السفينة ذعرا، وقد سببت تحرير تلك المعدات ارواحا وممتلكات, وقد تدخل القوات الجوية التركية وقوات البحرية الصومالية والتركية لتحرير تلك السفينة , وكادت الجهات التي استولت ان تغرق السفينة .

لكن السؤال الاهم هنا, كيف ادرك القراصنة سر هذه السفينة وحمولتها ؟ رغم ان جهات الاستخبارات التركية شددت بعدم تسريب المعلومات المتعلقة بهذه الحمولة وسير السفينة ومعلوماتها ,وقد استأجر الاتراك سفينة تعود ملكيتها الي دولة افريقية للتوهيم , وتم اخفاء الحمولات العسكرية .

ختاما:

 الحاجة الي إعادة قراءة القرصنة بطريقة مختلفة 

فالقصة لم تعد بين شبان في عقدهم الثالث يطاردون السفن من أجل الفدية، ولا صيادين يواجهون سفن الصيد الأجنبية؛ بل أصبحت ازمة ترتبط بسؤال اكبر واكثر عمقا، من يملك حق استغلال ثرواته، ومن يملك القوة لحماية تلك الثروات والساحل الطويل؟

وفي الأيام المقبلة، ربما تطلق تركيا عشرات سفن الصيد في المياه الصومالية، وقد يدخل المشهد البحري مرحلة جديدة من الاختبار. وسوف تتعرض هذه السفن لهجمات أو حوادث أمنية، سواء عبر أسلحة تقليدية أو طائرات مسيّرة، وحينها سيعيد إلى الواجهة سؤالاً ظل معلقاً منذ سنوات: هل كانت القرصنة الصومالية مجرد رد فعل عفوي من صيادين محليين على السفن الأجنبية، أم أن وراء الظاهرة حسابات ومصالح وشبكات أكبر من ذلك؟

وبعد تلك الاحداث القادمة حينها سيدرك المواطن الصومالي ان القراصنة لم يكونوا مجرد شبانا ثاروا باحتكاك الصيادين مع السفن الأجنبية، وأنها كانت منذ البداية جزءاً من معادلة بحرية أكثر تعقيداً وإيلاما, والايام ستثبت ما ذهبنا إليه.

يحيي عبد الرحمن طحلو

باحث في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى