يمثل الإعلان عن انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة الانتقالية للمساعدة في الصومال محطة مهمة في مسار العلاقة بين الحكومة الصومالية والمنظومة الدولية، وخطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إدارة ملفات بناء الدولة والاستقرار السياسي والأمني. ولا تقتصر دلالة هذه الخطوة على إنهاء مهمة أممية ذات طابع سياسي، بل تمتد إلى اختبار قدرة المؤسسات الصومالية على تولي المسؤوليات التي كانت تضطلع بها البعثة، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالخلافات الدستورية والانتخابية، وتعثر التوافق بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات، واستمرار التهديد الذي تمثله حركة الشباب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بالنظر إلى الترابط بين الاستقرار السياسي ومتطلبات مكافحة الإرهاب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز التعاون الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي. وبينما قد يتيح انتهاء البعثة توسيع نطاق المسؤولية الوطنية وتقليص الاعتماد على الوساطة الدولية المباشرة، فإنه يثير في المقابل تساؤلات بشأن استمرارية الدعم السياسي والفني، وقدرة الجهات البديلة على سد أي فجوات مؤسسية محتملة. ومن ثم، ينطلق هذا التقدير من فرضية أن الأثر الاستراتيجي لانتهاء البعثة لن يتحدد بإنهاء ولايتها في حد ذاته، وإنما بكيفية إدارة المرحلة الانتقالية، ومدى قدرة الحكومة الصومالية وشركائها الدوليين على ضمان استمرارية الوظائف الأساسية ودعم تسوية الخلافات الداخلية، بما يحول دون انعكاسها سلباً على أمن الصومال واستقرار القرن الإفريقي.
خلفيات القرار وسياقاته
أنهت بعثة الأمم المتحدة الانتقالية للمساعدة في الصومال (UNTMIS) مسارها الانتقالي الذي استمر عامين، بعد أن خلفت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في الصومال (UNSOM) في نوفمبر 2024 وجاء الإنهاء استجابة لطلب الحكومة الفيدرالية الصومالية، وبموجب قراري مجلس الأمن 2753 لعام 2024 و2809 لعام 2025 وأعلنت الأمم المتحدة نقل المهام الموكلة إلى البعثة إلى المؤسسات الصومالية ووكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها.
وتكتسب الخطوة أهميتها من أن البعثة لم تكن مجرد مكتب إداري، بل مثّلت إطاراً سياسياً دولياً لدعم بناء الدولة، والحوار بين الحكومة الفيدرالية والولايات، والإصلاح الدستوري والانتخابي، والمصالحة الوطنية، وتعزيز سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان.
وعليه، فإن إنهاء البعثة يعكس تحولاً في صيغة الشراكة بين الصومال والأمم المتحدة، من وجود سياسي أممي مخصص إلى نموذج يعتمد بدرجة أكبر على المؤسسات الوطنية والوكالات الأممية القائمة. لكن نجاح هذا التحول سيظل مرهوناً بقدرة الدولة الصومالية على إدارة الخلافات السياسية والأمنية دون الاعتماد على الوساطة الدولية المباشرة.
الدوافع والأسباب
يمكن تفسير إنهاء البعثة من خلال أربع اعتبارات رئيسية:
- تعزيز السيادة الوطنية وتقليص الوصاية الدولية
يمثل إنهاء البعثة استجابة لتوجه الحكومة الصومالية نحو توسيع ملكيتها الوطنية لملفات بناء الدولة، وتولي المؤسسات المحلية مسؤوليات كانت تضطلع بها البعثة. وقد أكدت الأمم المتحدة أن نقل المهام يهدف إلى ترسيخ المسؤولية الصومالية عن مسار بناء الدولة والسلام.
غير أن توسيع السيادة المؤسسية لا يعني بالضرورة تعزيز القدرة الفعلية على الحكم، إذ يتطلب ذلك توافقاً سياسياً داخلياً، ومؤسسات مستقرة، وقدرة على تنفيذ القرارات في مختلف الولايات الفيدرالية.
- إعادة تنظيم الوجود الدولي في الصومال
لا يعني انتهاء البعثة انسحاب الأمم المتحدة من البلاد. فمن المقرر استمرار عمل وكالاتها وبرامجها وصناديقها، إلى جانب استمرار مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS) في تقديم الدعم اللوجستي للبعثة الإفريقية للدعم والاستقرار في الصومال (AUSSOM) والقوات الصومالية وفق الترتيبات المعتمدة.
وهذا يعني أن التحول يتعلق أساساً بإنهاء الوجود السياسي المخصص للبعثة، وليس إنهاء الوجود الأممي الإنساني والتنموي واللوجستي.
- إعادة توزيع المسؤوليات والتكاليف
يتيح إنهاء البعثة إعادة توزيع المهام بين الحكومة الصومالية والوكالات الأممية القائمة، بما قد يقلص الازدواجية الإدارية ويوجه الموارد نحو برامج محددة. لكن نجاح ذلك يتوقف على توافر التمويل والخبرات والكوادر الوطنية، وعلى قدرة الجهات التي ستتسلم الملفات على الحفاظ على مستوى الدعم السابق.
- اختبار قدرة الدولة الصومالية على إدارة المرحلة الانتقالية
يمثل إنهاء البعثة اختباراً سياسياً ومؤسسياً للحكومة الفيدرالية، خصوصاً في إدارة العلاقة مع الولايات، وتسوية الخلافات الدستورية والانتخابية، وتوسيع المشاركة السياسية. وتزداد أهمية هذا الاختبار في ظل استمرار تهديد حركة الشباب والتحديات الإنسانية والاقتصادية.
التداعيات السياسية والأمنية
- احتمالات اتساع فجوة الوساطة السياسية
من أبرز المخاطر المحتملة تراجع دور الوساطة الأممية المباشرة بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة والولايات، ولا سيما في الملفات الانتخابية والدستورية.
وقد أشارتا تقرير عديدة في الفترة الأخيرة إلى انتهاء المهمة السياسية في ظل غياب اتفاق على آلية بديلة متفق عليها للوساطة في الخلافات الانتخابية. ويتزامن ذلك مع خلاف بشأن التعديلات الدستورية ومدد الولايات الرئاسية والبرلمانية، ومع دعوة رئاسية إلى إجراء حوار سياسي في نوفمبر.
ومن شأن استمرار هذه الخلافات دون آلية وساطة مقبولة أن يزيد احتمالات التصعيد السياسي، ويضعف الثقة بين مقديشو وبعض الولايات والقوى المعارضة.
- انعكاسات محتملة على مكافحة حركة الشباب
لا يعني إغلاق البعثة السياسية توقف الدعم الأممي للجهود الأمنية، إذ يستمر مكتب الدعم الأممي في تقديم المساندة اللوجستية للقوات الإفريقية والصومالية ضمن ولاياته المعتمدة.
لكن الأثر غير المباشر قد يظهر إذا أدى الاستقطاب السياسي إلى تعطيل التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والولايات، أو إلى تحويل الموارد والاهتمام عن العمليات الأمنية. فمكافحة حركة الشباب لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسات شرعية وتعاون محلي وتسويات سياسية تحد من الفراغات الأمنية.
- تحديات الإصلاح الدستوري والانتخابي
دعمت البعثة الأممية خلال سنوات عملها المؤسسات الانتخابية، وتطوير الأطر القانونية، والحوار بشأن الترتيبات الانتخابية.
وبعد انتهاء البعثة، ستتحمل المؤسسات الصومالية والجهات الأممية التي تسلمت المهام مسؤولية مواصلة هذا المسار. ويظل التحدي الأكبر هو التوصل إلى ترتيبات انتخابية تحظى بقبول سياسي واسع، وتجنب استخدام التعديلات الدستورية لتكريس الخلافات أو إضعاف شرعية المؤسسات.
- التأثير في حماية حقوق الإنسان والمصالحة
قد يخلق الانتقال تحديات تتعلق باستمرارية الرصد والتوثيق والمناصرة في ملفات حقوق الإنسان، وسيادة القانون، وحماية المدنيين. إلا أن نقل المهام إلى مؤسسات وطنية ووكالات أممية أخرى يمكن أن يحافظ على هذه الوظائف إذا توفرت الموارد والاستقلالية المؤسسية والتنسيق الفعال.
وبالتالي، فإن الخطر لا يكمن في انتهاء البعثة بحد ذاته، وإنما في احتمال حدوث فجوة بين إنهاء مسؤولياتها واكتمال قدرة الجهات البديلة على أدائها.
الانعكاسات الإقليمية والدولية
يمتد تأثير القرار إلى القرن الإفريقي بالنظر إلى الترابط بين الاستقرار الصومالي وأمن خليج عدن والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
- الاتحاد الإفريقي: تزداد أهمية دور بعثة الدعم والاستقرار الإفريقية في الصومال، بالتوازي مع ضرورة استمرار التنسيق مع الحكومة الصومالية والأمم المتحدة والشركاء الدوليين، خصوصاً في التمويل والدعم اللوجستي.
- القوى الدولية: قد تتسع مساحة التحرك أمام الشركاء الثنائيين لتقديم الدعم الأمني والسياسي والاقتصادي، لكن تعدد الشركاء قد يؤدي أيضاً إلى تباين الأولويات إذا غابت آليات التنسيق.
- دول الجوار: تظل إثيوبيا وكينيا وجيبوتي معنية مباشرة باستقرار الصومال، سواء بسبب التهديدات العابرة للحدود أو المصالح الأمنية والاقتصادية. وقد يؤدي أي تراجع في التوافق السياسي الصومالي إلى تعقيد التعاون الإقليمي.
- أمن البحر الأحمر وخليج عدن: لا توجد علاقة تلقائية بين إنهاء البعثة وتدهور الأمن البحري، لكن ضعف مؤسسات الدولة أو اتساع نشاط الجماعات المسلحة قد ينعكس على البيئة الأمنية الأوسع في القرن الإفريقي.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: انتقال مؤسسي منظم
نجاح الحكومة الفيدرالية والوكالات الأممية في استيعاب المهام، ويُستكمل الحوار السياسي بشأن الانتخابات والدستور، مع استمرار الدعم الأمني والإنساني. ويؤدي ذلك إلى تعزيز المسؤولية الوطنية دون خسارة المكاسب المؤسسية المتراكمة.
السيناريو الثاني: انتقال متعثر واستقطاب سياسي
تعثر التسوية بين الحكومة والمعارضة وبعض الولايات، وتتراجع فاعلية الوساطة، دون انهيار كامل للترتيبات الأمنية أو الإنسانية. ويظل الدعم الدولي قائماً، لكنه يصبح أقل قدرة على معالجة الأزمات السياسية بصورة مباشرة.
السيناريو الثالث: تصاعد الأزمة السياسية والأمنية
تفاقم الخلافات الانتخابية والدستورية، وتراجع التنسيق الفيدرالي، وفي هذه الحالة تستغل حركة الشباب الانقسامات لتوسيع نشاطها. وقد يترافق ذلك مع تراجع الثقة في المؤسسات وتزايد الضغوط الإنسانية. ويتطلب هذا السيناريو تدهوراً فعلياً في الأوضاع، وليس مجرد انتهاء البعثة.
المؤشرات الواجب مراقبتها
لتحديد المسار الذي ستتجه إليه الصومال بعد انتهاء البعثة، ينبغي متابعة المؤشرات التالية:
- مدى مشاركة المعارضة والولايات الفيدرالية في الحوار السياسي المرتقب بشأن الانتخابات.
- التوصل إلى تفاهمات واضحة بشأن الدستور ومواعيد الانتخابات وآليات تنفيذها.
- انتظام الدعم اللوجستي والمالي للقوات الصومالية وبعثة الاتحاد الإفريقي.
- قدرة المؤسسات الوطنية والوكالات الأممية على مواصلة وظائف البعثة دون فجوات تشغيلية.
- تطور العمليات الأمنية لحركة الشباب، ومدى تأثير الخلافات السياسية على التنسيق العسكري.
- استمرار تمويل البرامج الإنسانية والتنموية في ظل المخاطر المناخية وتراجع الموارد المتاحة.
الخلاصة والتوصيات
يمثل انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة الانتقالية للمساعدة في الصومال تحولاً مهماً في علاقة الدولة الصومالية بالمؤسسات الدولية، لكنه لا يرقى في حد ذاته إلى انسحاب أممي شامل. فالوكالات الأممية ومكتب الدعم اللوجستي والبعثة الإفريقية تواصل أدوارها ضمن اختصاصاتها.
وتكمن المسألة الاستراتيجية الأساسية في قدرة الصومال على تحويل إنهاء البعثة من خطوة إدارية نحو تعزيز السيادة إلى انتقال سياسي ومؤسسي مستدام. فإذا نجحت الحكومة في بناء توافق بشأن الانتخابات والدستور، وتعزيز العلاقة مع الولايات الفيدرالية، وضمان استمرار الدعم الأمني والإنساني، فقد يشكل القرار خطوة نحو توسيع الملكية الوطنية لعملية بناء الدولة. أما إذا اتسعت الخلافات السياسية في غياب وسيط مقبول، فقد تتراجع القدرة على إدارة الأزمات، بما ينعكس على الاستقرار الداخلي والأمن الإقليمي.
وبناءً على ذلك، نرى التوصيات التالية:
- إنشاء آلية وطنية شاملة للحوار السياسي، بمشاركة الحكومة والمعارضة والولايات الفيدرالية.
- وضع ترتيبات معلنة لمواصلة وظائف الوساطة والدعم الفني التي كانت تضطلع بها البعثة.
- ضمان استمرار التنسيق بين الحكومة الصومالية والأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بشأن مكافحة حركة الشباب.
- متابعة انتقال المهام بمؤشرات قابلة للقياس، لا بمجرد اكتمال الإجراءات الإدارية.
- الحفاظ على استقلالية وظائف حماية حقوق الإنسان، وضمان استمرار التمويل الإنساني والتنموي.
وأخيراً: لا يتمثل التحدي الرئيسي في غياب البعثة الأممية، بقدر ما يتمثل في احتمال اتساع الفجوة بين المسؤوليات التي انتقلت إلى المؤسسات الصومالية والقدرات الفعلية المتاحة لها. وستحدد إدارة الخلافات السياسية والانتخابية خلال المرحلة المقبلة ما إذا كان انتهاء البعثة سيعزز السيادة الوطنية أم سيزيد هشاشة التوازنات الداخلية.




