يمثل تجدد القتال بين “تنظيم الدولة الإسلامية ولاية الساحل” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” وهي الفرع الرئيسي لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل تصعيداً كبيراً في صراعهما على النفوذ في الساحل وتحديدا مثلث ليبتاكو غورما. وتشير الاشتباكات التي وقعت عنها في مطلع شهري سبتمبر وأكتوبر 2026التنافس الذي لا يقتصر على الخلافات الأيديولوجية فحسب، بل يمتد ليشمل التنافس على الأراضي، والمقاتلين، والموارد الاقتصادية، والشبكات المحلية.
ويعد مقتل “سادو ساماهونا” وهو قيادي سابق في “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” فرع بوركينافاسو يقال إنه انشق وانضم إلى “تنظيم الدولة الإسلامية” أحد أبرز أسباب هذا التصعيد. ويبدو أن مقتله في شهر جويلية الماضي قد فاقم التوترات بين التنظيمين، وشكّل حلقة وصل بين الصراع حول الانشقاقات والمواجهات التي تلت ذلك.
وتشير التقديرات الرئيسية إلى أن التنافس بين الطرفين قد اتخذ طابعا أكثر صدامية، لكن الأدلة المتاحة لا تشير إلى تحقيق أي منهما نصرا استراتيجيا حاسما.
مقتل ساماهونا: محفز للتصعيد
يبدو أن مقتل “سادو ساماهونا” في جويلية 2026 كان حدثا بارزا في نهاية الهدنة الغير المعلنة بين “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” و”تنظيم الدولة الإسلامية” في منطقة الساحل. فقد كان ساماهونا قيادياً بارزاً سابقاً في “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” في بوركينا فاسو، ويُذكر أنه انضم إلى “تنظيم الدولة الإسلامية” في جانفي 2026، حاملا معه خبراته وعلاقاته إلى التنظيم المنافس.
وتكمن أهمية انشقاقه في أن القادة ذوي الخبرة لا يمثلون مجرد إضافة عددية للمقاتلين؛ إذ يمتلكون غالبا معرفة بالشبكات المحلية، والممارسات العملياتية، والعلاقات التي تضمن استمرارية وجود أي تنظيم مسلح. ومن ثم، فإن فقدان شخصية كهذه لا يمثل خسارة بشرية فحسب، بل يشكل أيضاً تحديا للسلطة القيادية.
وقد أعلنت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” مسؤوليتها عن مقتل ساماهونا، وقدمت مبرراتها لهذه العملية؛ حيث أكدت الجماعة أن ساماهونا وقادة آخرين من “تنظيم الدولة الإسلامية” كانوا يخططون لشن هجوم على مواقع تابعة لها، مشيرة إلى حشد قوة كبيرة بالقرب من الحدود بين بنين والنيجر.
وتكمن الأهمية الأوسع في التفاعل بين الانشقاق والانتقام؛ إذ كان لدى تنظيم “الدولة الإسلامية” دافع للرد على مقتل أحد القادة الذين انضموا إلى صفوفه، في حين كان لدى “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” مصلحة في ثني الآخرين عن الانشقاق، وإظهار أن تغيير الولاء لصالح المنافس ينطوي على مخاطر جسيمة.
ولا ينبغي اعتبار مقتل “سماهونا” السبب الوحيد لتجدد القتال؛ فالتنافس بين التنظيمين يعود إلى عام 2019، كما استمر الصراع بينهما على النفوذ والموارد لسنوات. ومع ذلك، فإن هذه الواقعة تُقدّم رابطا ملموسا بين التنافس التنظيمي الداخلي وتصاعد الأعمال العدائية المباشرة.
اشتباكات شهري سبتمبر وأكتوبر
تشير المواجهات التي أُبلغ عنها في شهري سبتمبر وأكتوبر إلى أن التنافس قد دخل مرحلة أكثر حدة.
فقد وقع اشتباك بالقرب من “كاتشام” في الثاني من سبتمبر، تلاه مواجهة كبيرة بالقرب من “غاناداوري” في مقاطعة “أودالان” ببوركينا فاسو في التاسع من أكتوبر. وبحسب التقارير، شارك في القتال عدد كبير من المقاتلين، مما يسلط الضوء على أهمية المناطق الحدودية التي تربط بين شرق مالي، وشمال بوركينا فاسو، وغرب النيجر.
وقد نشر تنظيم “الدولة الإسلامية” في 15 أكتوبر عبر ذرعها الإعلامي صحيفة النبأ تحدثت فيه عن مقتل نحو 400 مقاتل من “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) خلال مواجهة أكتوبر، كما نشرت صور لأسلحة ودراجات نارية قامت بالاستيلاء عليها خلال المعارك. لم يتم التحقق من هذه الأرقام من مصادر مستقلة، كما أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم تصدر أي تعليق على هذه الأرقام.
ورغم هذه التحفظات، فإن حدة القتال المُبلغ عنها تشير إلى أن هذه المواجهة لا يمكن اعتبارها مجرد نزاع محلي بسيط. وتتمثل الأسئلة الجوهرية هنا في: هل تعرض أي من التنظيمين لأضرار عملياتية طويلة الأمد؟ وهل انتقلت السيطرة على المناطق المتنازع عليها من طرف إلى آخر؟ وهل أدى القتال إلى تغيير ميزان النفوذ في المنطقة الحدودية؟
يساعد مقتل “ساماهونا” في تفسير البعد التنظيمي لهذا التصعيد، بينما تُظهر الاشتباكات اللاحقة كيف يمكن لمثل هذه النزاعات أن تصبح جزءاً من صراع أوسع حول السيطرة على الأراضي والمواقع العسكرية.
الدوافع العميقة للتنافس
هناك ثلاثة عوامل لا تزال تغذي هذا الصراع:
أولاً: الشرعية الأيديولوجية والعقائدية: يتشكل هذا التنافس في جوهره من خلال ادعاءات متضاربة حول الشرعية الدينية والحق في تحديد السلوك القويم للجهاد. تصف جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين في بيانتها الرسمية” مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” بـ “الخوارج”، وتصورهم كمنحرفين دينيا، معتبرة أن ممارساتهم العنيفة ضد جهاديين آخرين تقوض شرعيتهم. وفي المقابل، يصف تنظيم “الدولة الإسلامية” كلا من تنظيم “القاعدة” وفروعه بما في ذلك جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في بيانته الرسمية بالمليشيات المرتدة للقاعدة متهما إياهم بالتخلي عن مبادئ الجهاد أو خيانتها ودخول في تحالفات مع جماعات ذات مرجعيات غير إسلامية، ويطرح مشروعه الخاص باعتباره البديل الشرعي الوحيد. ولا تقتصر هذه الاتهامات المتبادلة على الجانب الخطابي فحسب، بل حولت المواجهة إلى “واجب ديني” بدلا من كونها مجرد تنافس بين جماعات مسلحة، مما يجعل التعايش أو المصالحة أمرا بالغ الصعوبة بين الطرفيين.
ثانيا: الولاء التنظيمي والتنافس على المقاتلين: تؤدي عمليات الانشقاق إلى انتقال قادة ذوي خبرة وشبكات محلية ومعارف عملياتية من تنظيم إلى آخر. كما تشكل هذه الانشقاقات تحدياً لسلطة كل جماعة ولادعاءاتها الأيديولوجية. وتُعد حادثة مقتل القيادي السابق في جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، سادو ساماهونا -الذي يُقال إنه انضم إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”- مثالاً على تداخل الانشقاقات مع أعمال الانتقام، وجهود منع المزيد من الانشقاقات.
ثالثا: التنافس على الموارد الاقتصادية: يسعى كلا التنظيمين للسيطرة على الأنشطة المُدرّة للدخل والشبكات الاستراتيجية، بما في ذلك فرض الضرائب، والثروة الحيوانية، ومناطق التعدين الحرفي للذهب، ومسارات التهريب. وتساعد السيطرة على هذه الموارد في استدامة العمليات، ومكافأة المقاتلين، وتعزيز النفوذ على المجتمعات المحلية.
رابعا: التنافس على السلطة المحلية: يسعى كلا الطرفين إلى فرض قواعدهما الخاصة، وتجنيد المقاتلين، وجباية الإيرادات، والحد من نفوذ الطرف المنافس. وتؤثر قدرة كل منهما على الحفاظ على علاقاته مع المجتمعات المحلية على عمليات التجنيد، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وحرية الحركة. ومع ذلك، تختلف استجابات المجتمعات المحلية؛ لذا لا ينبغي اعتبار الامتثال للأوامر دليلا تلقائيا على وجود دعم شعبي.
وخلاصة القول، تُظهر هذه الأبعاد الأربعة أن الصراع ليس أيديولوجيا بحتا، ولا هو مجرد تنافس على الأراضي والموارد؛ فبينما تُصنِّف العداوةُ الأيديولوجيةُ الطرفَ المنافسَ كطرفٍ “غير شرعي”، فإن التنافس التنظيمي والاقتصادي والمحلي يمنح هذه العداوة تجسيدا ملموسا على أرض الواقع.
هل اكتسب تنظيم “الدولة الإسلامية” الأفضلية؟
تُثير الاشتباكات التي وقعت في أكتوبر احتمال أن يكون تنظيم “الدولة الإسلامية” قد تحدى “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) بشكل أكثر شراسة في المناطق المتنازع عليها. وإذا كانت التقارير التي تتحدث عن تكبّد “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” خسائر فادحة وفقدانها لمعدات عسكرية غير دقيقة إلى حد كبير، فقد يكون تنظيم “الدولة الإسلامية” قد حقق نجاحا تكتيكيا.
ومع ذلك، لا يعني النجاح التكتيكي تحقيق انتصار استراتيجي؛ فالمزاعم المتعلقة بحجم الخسائر البشرية لم تُؤكَّد بعد، كما أن التداعيات طويلة المدى لهذه المواجهات لا تزال غامضة. وعلاوة على ذلك، فإن النطاق الإقليمي الواسع لانتشار “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” يعني أن تعرضها لانتكاسات في موقعٍ ما لا يؤدي بالضرورة إلى تقويض قدرتها على العمل في مناطق أخرى.
ينبغي أن يركز أي تقييم موضوعي على عدة مؤشرات: هل يحتفظ أي من الطرفين بالسيطرة على المناطق المتنازع عليها؟ وهل يواصلان عملياتهما رغم تكبّد الخسائر؟ وهل لديهما القدرة على تعويض الأفراد والمعدات والحفاظ على نفوذهما داخل المجتمعات المحلية؟ إن رصد مؤشرات مثل شن هجمات مضادة مستمرة، أو حدوث المزيد من الانشقاقات، أو تغيرات دائمة في السيطرة على الأراضي، سيكون أكثر دلالة من الأرقام غير المؤكدة حول خسائر المعارك.
وفي الوقت الراهن، تشير الأدلة المتاحة إلى وجود منافسة محتدمة، وليس بالضرورة تحولاً استراتيجياً مؤكداً.
التداعيات على المدنيين وحكومات المنطقة
تتفاقم هذه المنافسة في ظل بيئة أوسع تتسم بانعدام الأمن. ففي 20 أكتوبر، أفادت وكالة “أسوشيتد برس” بمقتل 48 شخصاً في هجوم بمنطقة “ميناكا” في مالي، ونقلت عن مسؤول محلي قوله إن تنظيم “الدولة الإسلامية” هو المسؤول عن الهجوم، رغم أن التنظيم لم يعلن مسؤوليته عنه وقت صدور التقرير. ومع أنه لا توجد أدلة كافية لربط هذا الحادث مباشرةً بالاشتباكات مع “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، إلا أنه يعكس المخاطر التي تواجهها المجتمعات المحلية في المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة.
ومع تصاعد حدة التنافس، قد يواجه المدنيون ضغوطاً متزايدة، تشمل التجنيد القسري، وتقييد حرية التنقل، وتعطيل الأنشطة الاقتصادية، فضلاً عن أعمال انتقامية تستهدف من يُتهمون بدعم أحد الطرفين. كما أن تغير السيطرة على الأراضي لا يعني بالضرورة تحسناً في الوضع الأمني إذا ما حلّ تنظيم مسلح محل آخر.
وبالنسبة لحكومات مالي وبوركينا فاسو والنيجر، قد توفر هذه المواجهات فرصة مؤقتة لاستغلال الانقسامات بين التنظيمين. لكن هذه الفرصة لن تترجم تلقائيا إلى تحسن في الأمن؛ فإذا عجزت قوات الدولة عن الحفاظ على وجودها، وحماية السكان، واستعادة الوصول إلى الأسواق والخدمات المحلية، فإن أي مكسب عسكري قد يظل مؤقتاً.
كما أن الطبيعة الإقليمية لهذا النزاع تفرض تحدياً إضافياً. تنتقل العناصر المقاتلة والموارد عبر الحدود، مما يعني أن التطورات في منطقة ما قد تؤثر على الأمن في البلدان المجاورة. وعليه، فإن التوصل إلى استجابة مستدامة يتطلب ما هو أكثر من مجرد استغلال الخسائر المباشرة التي تتكبدها أي من المنظمتين.
سيناريوهات محتملة
تبدو هناك ثلاث نتائج ممكنة:
حالة استنزاف طويلة الأمد: يستمر كلا التنظيمين في القتال دون تحقيق نصر حاسم. ومع استنزاف مواردهما، لا يفقد أي منهما قدرته على العمل، مما يترك المجتمعات المحلية عرضة لعنف مستمر.
مكاسب تكتيكية تليها عمليات انتقامية: يُرسّخ تنظيم “الدولة الإسلامية” مكاسب محدودة، مما يدفع “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) إلى إعادة تنظيم صفوفها ومحاولة استعادة المواقع المتنازع عليها. وقد يؤدي هذا إلى دورات متتالية من الهجمات والهجمات المضادة، دون حل جذور التنافس القائم بينهما.
توسع جغرافي: يمتد الصراع إلى مناطق إضافية في مالي أو بوركينا فاسو أو النيجر، حيث يسعى كلا التنظيمين إلى تعطيل شبكات الخصم والانتقام ممن يُنظر إليهم كداعمين له.
هذه السيناريوهات ليست بالضرورة منفصلة عن بعضها؛ إذ سيعتمد المسار المستقبلي على قدرة التنظيمين على تعويض خسائرهما، والحفاظ على شبكاتهما المحلية، والاحتفاظ بالمناطق المتنازع عليها بعد توقف القتال المباشر.
خاتمة
تعكس الاشتباكات المتجددة بين “تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” تنافساً قديماً ازداد حدة وعنفاً. ويُعد مقتل “سادو ساماهونا” جزءاً مهماً من هذا التطور؛ إذ يوضح كيف يمكن لعمليات الانشقاق، والاغتيالات الموجهة، والمخاوف بشأن الولاء التنظيمي، أن تغذي دائرة أوسع من المواجهة.
تشير المعارك التي دارت في شهري سبتمبر وأكتوبر إلى تصاعد حدة التنافس، لكن الأدلة المتاحة لا تؤكد وجود منتصر استراتيجي حاسم. فمزاعم تنظيم “الدولة الإسلامية” حول تكبيد “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” خسائر بشرية فادحة تظل غير مؤكدة، كما أن استدامة أي مكاسب ميدانية تظل أمراً مشكوكاً فيه.
بالنسبة لحكومات المنطقة، قد يوفر هذا الصراع فرصة مؤقتة للحد من قدرات كلا التنظيمين. أما بالنسبة للمدنيين، فقد يعني اشتداد التنافس مزيداً من القسر والتهجير وانعدام الأمن.
لذا، ينبغي تقييم المرحلة المقبلة من خلال رصد تغيرات ملموسة وموثوقة في السيطرة الميدانية، والقدرات العملياتية، وحالات الانشقاق، وأمن المدنيين. ورغم أن مقتل “ساماهونا” يساعد في تفسير هذا التصعيد، إلا أن النتيجة الاستراتيجية ستعتمد على ما يمكن لكل من التنظيمين الحفاظ عليه بعد انتهاء القتال، وليس على ما يزعمانه من خسائر في صفوف الطرف الآخر.
مراجع
La guerre entre l’Etat islamique et Al-Qaida prend de l’ampleur au Sahel
Au Sahel, de sanglants affrontements entre les branches rivales d’Al-Qaïda et de l’Etat islamique
Could this be the deadliest battle yet between ISSP and JNIM




