الفكر السياسي في صوماليلاند منقسم إلى أكثر من اتجاه وتيار، وتتسع روافد هذا الاتجاه أكثر مع الرجوع إلى الوراء، وتضيق كلما تقدمت إلى الأمام زمنيًّا. والخط الزمني الفاصل بين الاتجاهين هو بداية عهد الانفصال الأحادي من الصومال عام 1991م. وهناك ثلاثة عناصر مؤثرة في وجود تيار سياسي محدّد في قضية هرجيسا، أولها: الفئة العمرية التي ينتمي إليها الفرد؛ هل هو من الجيل الذي عاش راشداً قبل الانفصال بحيث تكون عنده من الذاكرة ما يتيح له الموازنة بين الفترتين أم هو من الذين ولدوا بعد ذلك أو تعقّلوا بعدها، حتى وإن كان قد ولد قبله بسنوات، والدرجة التي تضرّر بها من المآسي المعروفة المواقع والزمن، وثانيها: المنطقة التي يعيش فيها والفصيل القبلي الذي ينتمي إليه، وثالثها: صلة قرابة هذا التيار بالجناح المتشدد للحركة الوطنية الصومالية المعروفة بـ SNM أو بعده عنها.
ولا توجد دراسات مفصّلة أو مستقلة تناولت الاتجاهات المختلفة للتيارات السياسية في هرجيسا (تستخدم هرجيسا بدلاً من صوماليلاند باعتبارها رمز الشمال)، وتحدّد الكثرة العددية لكل تيار معين عن الآخر والمسائل الثابتة والمتغيرة عند كل تيار محددّ. ويبدو أن العامل الزمني يقوم بدور بالغ الأهمية في قوة تيار معين عن الآخر؛ حيث إن الاعتدال أو الانقسام في الرأي يكثر مع الجيل المخضرم الذي عاش في الفترتين المتمايزتين، ويقلّ مع الجيل الجديد الذي ينعدم عنده أي وجه للمقارنة بين مرحلة جديدة وأخرى سابقة، والسبب في ذلك ليس التطرف بعينه بقدر ما هو ناجم عن البيئة السياسية التي عاش فيها هذا التيار أوذاك، والصورة النمطية التي انطبعت في ذهنه منذ العقود. ويختلف أهل الشمال عن غيرهم من الصوماليين في أن قاعدة التنوع في منظومتهم الفكرية معروفة الركائز وعمودية الطابع في الغالب، والسمة الغالبة فيهم هي الوضوح في المواقف والبيان في التعبير، وتوجد عندهم مرجعيات عشائرية قادرة على فرض الموقف حين انسداد الأمور، وتحول الاختلاف بين القوى السياسية إلى عراكات مسلحة، وذلك على العكس من الجنوب الذي تسود فيه التعددية في الأفكار والهشاشة في المرجعيات العشائرية بسبب عوامل تاريخية محدّدة. وتكاد تترادف المعاني السياسية بين التيارات والنخب السياسية في قضية هرجيسا، وقد يكون من الصعب التمييز بينهما، خصوصًا في مجال العدد ومناطق النفوذ والقاعدة الشعبية؛ ولذلك من الأدق وصف تلك التيارات بالنخبة بدلاً من التيارات الفكرية نتيجة غلبة الطابع العمودي (القبلي) على الأفقي (الفكري).
وبصفة عامة، يمكن تقسيم النخب السياسية في هرجيسا إلى المجموعات الآتية:
1. التيار المعتدل – الحمائم
تتميز هذه النخبة بالواقعية في التفكير والاعتدال في ممارسة العمل السياسي، وتعرف جيدًا أن قرار الانفصال كان غير توافقيٍّ من بين القوى السياسية والشعبية في هرجيسا بقدر ما كان ملأً للفراغ الناجم عن انهيار الدولة، وبناء نظام إداري محلي يقوم بالحفاظ على النظام العام، ويعطي لهرجيسا فرصة لترتيب بيتها الداخلي، وذلك بعد الحكم العسكري المفروض عليها منذ سنوات. وتدرك هذه النخبة أن الأزمة القائمة بين مقديشو وهرجيسا هي ماضٍ تاريخي يمكن تصحيحه، وينبغي ألاّ يمنع ذلك من العودة التوافقية إلى خيار الوحدة المنصفة من خلال إيجاد آليات معالجة لمعاناة الماضي وضامنة لعدم العودة إلى الحكم الفردي، وبالإضافة إلى ذلك، يفهمون جيدًا طبيعة التأثير المتبادل بين التطورات الناتجة من مسألة لاسعانود وتدافع المعطيات الإقليمية على قضيتها من جهة وتزايد نفوذ مؤسسات الدولة الفيدرالية في مقديشو باطراد من جهة أخرى. وتعلم تلك النخبة أكثر من غيرها أن الذي تقوم به هرجيسا هو خلق مكاسب ميدانية تحقق لهم مصالح آنية على المدى القريب وتضمن لهم مستقبلاً سياسيًّا أكثر براعة عند التوصل إلى تسوية سياسية مقبلة مع مقديشو على المدى البعيد.
وبالطبع، يفضل هذا التيار نهج المفاوضات على التقوقع للوصول إلى تلك التسوية المرضية، ويعرفون طبيعة المصير المترابط الموحد فيما بين الصوماليين وحقيقة تشابك المصالح المتداخلة على امتداد البلاد وعرضها، كما أنهم يرون أن مستقبل الصوماليين كامن في التعاون المستقبلي فيما بينهم في مواجهة التحديات الوجودية الكبيرة التي تحدق بهم من كل الاتجاهات. ويمكن وصف هؤلاء بأنهم الحمائم أو المجموعة البراغماتية في قضية هرجيسا، وبعضهم يأتون إلى مقديشو للعمل الرسمي والمستقل حين يكون متوافرًا، ويعودون إلى هرجيسا عند اللزوم، وقد يكونون موجودين في مقديشو باستمرار لبناء الجسور مع الآخر وتوثيق الروابط المشتركة، والبعض الآخر منهم مستمرون في العمل على قضاياهم السياسية بالطرق المتاحة أمامهم في هرجيسا إلى حين وصول القطار إلى محطة يلتقون فيها مع شركائهم في الرأي والموقف .
2. التيار المتشدد- الصقور
هذه النخبة هي عكس النخبة الأولى تمامًا، وتمثل التيار المتشدد والصقور في القضية برمتها، وأغلب هؤلاء هم العساكر الذين خدموا في الجيش النظامي السابق قبل الانفصال، وكبارهم كانوا أعضاء في الجناح العسكري للحركة الوطنية الصومالية المعروفة باسم جبهة SNM، أو هم من ذرية المجموعات التي تضرّرت من فعل الآلة العسكرية غير المنضبطة للنظام العسكري المنهار، وأغلبهم شاهدوا المآسي التي ألحقها النظام العسكري بالمدنيين والأبرياء في بعض مدن الشمال. والغريب في هذه النخبة أن المعلومات عندهم حقائق، والحقائق عندهم لا نسبية فيها، خاصة في الجزئية المتصلة بالمآسي والأضرار التي لحقت بالمنطقة الشمالية، وهم مستعدون للتمسك بروايتهم إلى مالانهاية بغض النظر عن نيل الاعتراف من عدمه، ولا يرون أي أفق مشرق لخيار الوحدة أو إمكانية الوصول إلى تسوية مرضية أو منصفة بين مقديشو وهرجيسا سوى الاتفاق معها على الطلاق البائن أو الانفصال النهائي منها، ولا يعيرون مسألة المفاوضات أي اهتمام يذكر، سواء مع الصومال أو مع المختلفين معهم في الموقف السياسي أو الرواية في السردية السياسية الأحادية الطابع في الغالب، مثل: قضية لاسعانود
3. التيار الوحدوي
النخبة الوحدوية هي تلك المجموعة المؤمنة بالوحدة الوطنية للصومال كدولة، وبناءها الهرمي أفقي أكثر مما هو عمودي، وهم غير منقسمين بين المعتدل والمتشدد من حيث التصنيف مثل التيارين السابقين، وموقفهم مبدئي من البداية، ويرفضون الانفصال والانقسام المجتمعي للصومال نهائيًّا، وفكرة الانفصال عندهم مفهومة السياق من بداياتها ولكنها غير مبررّة في نهاياتها، ولا ينكرون وقوع المآسي وحجم المساوئ التي حدثت في الشمال، ولكنهم يرون أن الفاعل محدّد برأس النظام العسكري، وأنه ليس جهويًّا ولا قبليًّا، وتم فعل ذلك نفسه في أكثر من منطقة بصيغة مقاربة للنمط نفسه في الشمال دون أن يكون مماثلاً. وينبغي الإشارة إلى أن رغبة الوحدة متجذرة بعمق في المناطق الثائرة سابقًا ضد الاستعمار البريطاني أو المهمشة في عهده، وتتقوى مشاعرها أكثر عند الاقتراب من المناطق الحدودية مع الدول المجاورة والمتداخلة مع القبائل الأخرى الصومالية غير الساكنة في الحيز الجغرافي الخاص بالشمال، وتتضاءل بشكل ملحوظ في المناطق المهادنة للوجود الاستعماري والمستفيدة من حكمه بطريقة أو بأخرى. ويرى الوحدويون أنفسهم مكبوتي الحرية في فكرهم السياسي من السلطات المحلية، وأن السردية الأحادية السائدة في هرجيسا يوجد فيها كثير من أسئلة بلا أجوبة عن تماسك خيوطها وترابط جزئياتها، ويطمحون إلى توافر أجواء تكون فيها الوحدة والانفصال حقًّا محفوظًا بالتساوي للمؤمنين به أيًّا كانوا. والجمهور والعامة هم الواقفون بين تلك التيارات والنخب السياسية، وموجودون للاحتكام إليهم عند الانتخابات العامة أو الاستقواء بهم طرف ضد آخر عند اللزوم، ويقومون بالتصفيق للفائز منهم في السباق والتدافع السياسي بين تلك التيارات.
مغالطات أم حجج
والأساس الفكري الذي تقوم عليه فكرة الانفصال عن الصومال في جانبيها الاعتدالي والتطرفي، هو:
1. أن الطريقة التي أديرت بها الوحدة من قبل القائمين عليها في مقديشو لم تنصف هرجيساعند تقاسم السلطة، ولم تقدّر المشاعر الطيبة التي جاءوا بها.
2. أن سوء التقدير السياسي الناتج عن فترة الحكم المدني (1960-1969) والأضرار البالغة التي لحقت بالشمال من الحكم العسكري (1969-1991م) من الشمال بالغة بحيث أصبح الانفصال عن الصومال أيسر من العودة إليها.
3. أن ميثاق الوحدة التي تمّ الاعتماد عليه في هرجيسا لم تتم مصادقته في البرلمان الموحد، وبالتالي يوفّر لنا ذلك خيار الانفصال من الوحدة.
4. أن محاولة الانقلاب الفاشلة من قبل بعض الضباط في هرجيسا والنسبة المئوية (52.17%) في التصويت بـ”لا”على الاستفتاء للدستور عام 1961 هما من المؤشرات المؤكدة على التذمر المبكر من الوحدة.
ورغم صحة بعض من تلك الحجج، فإن مسألة عدم مراعاة الحصص السياسية في قضايا تقاسم السلطة لم يكن سببها فقط سوء تقدير القيادة لحسن نوايا هرجيسا بقدر ما يعود إلى الرغبة في التجاوز لفكرة الانقسام القائم على الموروث الاستعماري، وانتهاء التباين الجغرافي في الدولة بين الشمال والجنوب بعد الوحدة، واختفاء دور الحكومات الإقليمية نهائيا، ولم يكن هناك سياسات ثابتة في طريقة التشكيلات الحكومية السبعة في عهد الحكم المدني ولا في صيغة التوازنات العشائرية في توزيع الحقائب الوزراية في العهود التي بعدها. وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك انقسام ظاهر بين أعضاء القوى السياسية فيما بينهم على طريقة التعامل مع المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الوحدة وطريقة التوفيق بين المحدّد الجغرافي الجامع والتركيبة العشائرية المتنوعة فضلاً عن تغير اهتمامات القادة السياسيين بعد الوحدة إلى تحقيق وحدة قومية أكثر طموحًا من التوقف عند التحديات العامة من عملية الاندماج بين المنطقتين، ومن ثمّ دخلت قضايا هرجيسا ضمن فلك مشاكل عامة يقلّ فيها التحيز المتعمد ضد جهة جغرافية معينة بقدر ما كان هناك عجز كلي في القدرة على الاستجابة لطموحات بعيدة عن نمط التوازنات العشائرية ومعطيات الحقائق الجغرافية والقوانين المعتمدة. والحكومة كلها كانت تئن من صعوبات هيكلية مزمنة جعلها تعتمد بنسبة أكثر من 31% من ميزانيتها السنوية على الدعم الذي تتلقاه من دولتي الاستعمار (إيطاليا وبريطانيا) وتجنح إلى سياسة الاستدانة والقروض من بعض الدول الصديقة وأخذ منح مالية متأثرة بالتوجه السياسي للحكومة.
وميثاق الوحدة الذي تمّ الاعتماد عليه في هرجيسا قبل الوحدة حاز على التصويت في البرلمان الموحد في أول جلسة مشتركة بين البرلمان، وتمّت المصادقة عليه في يناير 1961-على عكس ما تقوله هرجيسا-، وارتفاع النسبة المصوته بـ “لا” في بعض مدن هرجيسا حول الاستفتاء الدستوري للبلاد عام 1961م تؤكد غياب إجماع سياسي في الموقف، ووجود تباين في وجهات النظر بين مكوناتها المختلفة، وتصويت بعض المدن في الشمال بـ “لا” كان رسالة تعبير عن التنمر السياسي أكثر مما يشير إلى الرغبة في الانفصال المبكر عن مقديشو، حيث توجد مدنا أخرى تابعة لهرجيسا وصوتت بـ نعم بأغلبية ساحقة مثل بورما (96.09%) . ومن الأصل، لا وجود لتاريخ سياسات حكومية متبعه تدل على الإقصاء السياسي المتعمد لهرجيسا والمجازفة في معيار الشمولية عند التوقف على منحنى الحقائب الوزراية التي حصلتها هرجيسا في عهود الحكومات المختلفة المتعاقبة بشقيها المدني والعسكري وما بعدها من الفترات الانتقالية والفيدرالية؛ وتميز مبدأ المحاصصة بالتموج والتذبذب، حيث تجد أنها مرتفعة في بعض المراّت ومنخفضة في المرة الأخرى، وهو أمر كان يرجع إلى الاعتبارات الحزبية والعشائرية وصلاحيات صانع القرار السياسي والنظام البرلماني المراهن على الأغلبية في حسم اختلاف وجهات النظر بين القوى الحزبية المختلفة بدلاً من المحدّد الجغرافي والتقسيمات الاستعمارية المنتهية مع تحقيق الوحدة. و الزعيم “عقال” منح قبيلته أربع حقائب وزراية في عهد رئاسته للمجلس الوزاري (1967-1969) واستثأر بنفسه بحقيبة الخارجية، مما يثبت قدرة المسؤل في التصرف المطلق على معادلة التوازن العشائري التي كانت قبله في بناء المجلس الوزاري، ناهيك عن فترة الحكم العسكري التي كان فيها الولاء للثورة، وقائدها هو الفيصل الحاسم في توزيع الحقائب والاستفادة من الامتيازات الحكومية العامة. ومن النادر وجود توافق سياسي مستقر أو رضاء مستمر بآليات تقاسم السلطة المعتمدة بالطريقة المهجنة بين الحزبية والعشائرية، خصوصًا مع غياب معلومات جغرافية موثوقة وبيانات ديموغرافية دقيقة يمكن البناء عليها في اتخاذ القرار السياسي، ومن المألوف جدًّا في البيئة المحتكمة إلى النظام العشائري في بناء نظامها السياسي أن تأخذ قبيلة صاحب القرار امتيازات أكثر من القبائل الأخرى بطرق وأسباب مختلفة، وما كانت تتهم به هرجيسا مقديشو من عدم مراعاة التوازنات العشائرية في تقاسم السلطة في عهود سابقة تجده حاليًا سائدًا بينها وبين المكونات العشائرية التي تتقاسم الحصص السياسية تحت سقف مجالسها المشتركة في عام 2025 وما قبله، والظاهرة نفسها يمكن رؤيتها حاليًا بوضوح في معظم السلطات المحلية في أنحاء البلاد قبل النظر إلى السلطة الفيدرالية والتتابع على التشكيلات الحكومية السابقة.
الزوايا المخفية في سردية هرجيسا
تبرّر هرجيسا انفصالها عن الوحدة الطوعية بالأحقية لنفسها في مبدأ حق تقرير المصير المقرّر في القانون الدولي وتضررها من سياسة الإقصاء والتهميش السياسي الممنهج ضدها منذ تحقيق الوحدة عام 1960م وممارسة سياسة العنف والقتل المروع ضد مدنها في أواخر الثمانينيات، وكذلك منجزاتها الديموقراطية التي تحققت منذ التأسيس. ويغلب في هذه السردية اجتزاء الحقائق الصحيحة وتحميل الجزء الآخر من الحقيقة فوق ما يمكن أن يحتمله. وفي موقف مبدأ حق تقرير المصير المقرّر في القانون الدولي وفق المادة 55 من ميثاق الأمم المتحدة عام 1948م، تجد أنها تركز على جوانب وجود الأرض الثابتة والسكان الدائمين وتوافر الرغبة المحلية والقدرة على تصريف الشؤون المحلية للسكان، ولكنها تفرغ المبدأ من سياقه القانوني والتاريخي حيث إن ممارسة ذلك الحق مقيدة بوجود قوى أجنبية احتلالية مسيطرة على السكان بالقوة وتمايزات متنافضة بين المستعمِر والمستعمَر، وممارسة تهميش واضطهادات ممنهجة أثبتت وجودها جهات دولية مستقلة؛ وهو أمر لم يكن موجودًا في هرجيسا.
وهرجيسا عند تمسكها بهذا المبدأ لنفسها تجد أنها تضرب به عرض الحائط عند مطالبة جزء من سكان الإقليم بالمبدأ نفسه في ظروف شبيهة مثل “قضية لاسعانود” وفي وجود الدوافع نفسها. وقضية تفريغ الحقيقة تراها بوضوح عند تشبثها بالجانب المتعلق بفعل القتل الوحشي والدمار والظلم الواسع الذي تعرضت له من قبل النظام العسكري، ولكن حين الوصول إلى نقطة تحديد الفاعل تجدها متسامحة مع العناصر البشرية الموالية للنظام العسكري والضالعة في صناعة الفعل نفسه على اعتبار أنهم ينحدرون من عندها، ناهيك عن سكوتها عن مجازر برعو من قبل بريطانيا 1939، ومدينتي بورما ودلا من قبل جبهة SNM في 1991، وتساهلها فيما كان يفعله الزعيم موسى بيحي من القتل الوحشي والتدمير المفزع قرابة عامين في لاسعانود، وصولاً إلى تخوين ممثليها في الدولة الفيدرالية وتجريم ممارسة حقوقهم الفردية وشرعنة الذين ينحدرون في مناطق تعلن الانفصال عنها، وتثبت عدم المشاركة معها من البداية في الرغبة على موضوع الانفصال، وهو أمر مخفي من سردية هرجيسا.
أسهم هرجيسا في الوحدة
يبدو أن نزعة الانفصال مناقضة تمامًا لحجم استثمار هرجيسا الهائل في تحقيق الوحدة وأسهمها في بناء الدولة الصومالية منذ الاستقلال إلى اليوم. وهرجيسا لها عضو مؤسس في نادي الشباب الصومالي المعروف بـ SYL المؤسس عام 1943م في مقديشو (محمود عبدالله-Xayesi )، وهي المبادرة إلى الوحدة ومبتكرة بأغنية العلم الوطني (حسين أوفارح)، ومبدعة في النشيد الوطني (عبدالله سلطان–Timacade)، ورصيدها مشهود في مجال الفن والشعر وصناعة الوعي الجمعي بالتعليم (محمود أحمد علي 1900- 1980) والإعلام (مصطفي اسماعيل)، وكان لها قامات تركت بصماتها الخالدة في قيادة الرأي العام الوطني مثل محمد ابراهيم ورسمي المعروف بـ هدراوي) (1943-2022، وحماية المكاسب الوطنية بعد الاستقلال في الجبهات القتالية وغير القتالية، وساهمت بقوة على تحديد السمة القومية للصومال عن طريق كتابة اللغة الصومالية مثل موسي حاج اسماعيل المعروف بـ موسي جلال (1917-1980) ، وقدمت تضحيات جسيمة تشمل الأرواح (شيخ بشير1905-1945) والمال (اسماعيل نحر) والمعرفة (محامي ظحل) في تحقيق الوحدة والاستقلال، وكتبت سطورا مشرفة في النضال الوطني لنيل الاستقلال (فارح أومار1879-1949 )، والأداء الجيد في الخدمة العامة (مايكل ماريام1914-1987) وتعرض أبنائها إلى جميع أنوع المصائب الاستعمارية بما في ذلك النفي والقتل والدمار والقصف المروع من الوجود البريطاني العابر. وتحرك هرجيسا باتجاه مقديشو كان من باب إدراكها المسبق بالمخاطر الوشيكة لبقائها منفردة في لحظة التكتلات القومية والاحتماء بها وسط التهديدات الإقليمية الآخذة في التصاعد في حينها، واحتضان مقديشو لقدومها كان نهائيًّا ومسعدا، ومن بعدها، أصبحت هرجيسا حامية الوحدة، ومقديشو رمز الوحدة، وتحولت العلاقة فيما بينهما إلى علاقة مصير وارتباط أبدي، مما يعني أن التوافق السياسي يحقق لهما قوة الاستقرار والسلم الأهلي ويؤمن لهرجيسا على عمقها الذاتي ويعطي لمقديشو قوة الاتزان في المعادلة السياسية لديها.
التفاوض بدلاً من الانفصال
تأثرت المفاوضات بين هرجيسا ومقديشو بالتطور الجديد في لاسعانود منذ 2024م، وبسببه أعلنت هرجيسا يوم 16 من هذا الشهر وقف خط المفاوضات مع مقديشو بسبب موقفها الداعم لقضية لاسعانود. ولقد كانت المفاوضات بين الجانبين متوقفة منذ توقيع هرجيسا مذكرة التفاهم مع إثيوبيا غرة عام 2024 في أديس أبابا قبل إعلان هرجيسا، واتخاذ مقديشو من جانبها كافة التدابير اللازمة التي تحافظ على مسؤوليتها السيادية، وذلك بعد يومين فقط من الاتفاق بينهما على الدخول في المسائل المصيرية وتنفيذ الاتفاقيات السابقة الـ 10 التي مرّت بينهما منذ 2012م في جيبوتي. ومقديشو مدركة أن مسيرة بناء الدولة الموحدة لن تكون مكتملة مع غياب حلقة هرجيسا عن الدائرة، وهرجيسا من جانبها ترى التباين العكسي بين المسافة التي قطعتها في مسعى الاعتراف وبداية الإعلان عن الانفصال، وطرقها كل الأبواب غير الاعتيادية بما في ذلك تقديم التعازي في بابا الفاتيكان المتوفي منذ أيام، وأصبحت مستوعبة أكثر من أي وقت مضى طبيعة الارتباط بين تحقيق تطلعاتها الواقعية وبين الاتفاق مع مقديشو. والانفصال، حقق تقدمًا مشهودًا في مجالات أساسية للحياة تتضمن الاستقرار والأمن ولكنه يخدم لنخبة خاصة أو فئات محددّة أكثر مما يحقق توافقا مجتمعيا وتنمية مستدامة، ولايعالج معدلات البطالة المقنعة (70%) والفقر المدقع السائد هناك (50%) والأمية (45%)، ولم يوقف موجات هجرة القوى المنتجة الآحذة في التصاعد وزحف القوى البشرية الإثيوبية، بل، أنه قيّد حرية الحركة للمجتمع المدني، وحدّ عن التعاون الطبيعي بين أصحاب المصلحة المشتركة في البلاد وحجّم طموحات الطبقة المتعلمة التي تبحث عن تحقيق اعتزاز قومي أكثر وسعًا وقلّص إيجاد الفرص والوظائف، وإلى جانب ذلك لا يحافظ على الحقوق السياسية لبعض القطاعات في المجتمع المحلي جماعية، ويضيع اسهامات هرجيسا الكبيرة في الاستقلال والوحدة، وفيه الكثير من الافتئات على الحقائق التاريخية والمزايدات على الثوابت القانونية. وهرجيسا تكون كبيرة بمقديشو، وتكون عرضة لكثير من العواصف العاتية بدونها، والزعيم عبد الرحمن محمد عبد الله المعروف بـ “عرّو” هو من بين الزعماء الأكثر فهمًا لطبيعة هذا الارتباط العضوي والمصيري بين مقديشو وهرجيسا، فهو شخصية مدنية استثنائية الطابع بالنظر إلى سلفه السابقين، وينتمي إلى التيار المعتدل غير البراجماتي، وله خبرة طويلة في العمل التنموي (3 سنوات) والديبلوماسي (15 سنة) والبرلماني (12 سنة)، وسجله التاريخي معروف باعتدال سلوكه السياسي وحسه الوطني المرهف والتوازن في خطاباته العامة، وتغلب عليه صفة الاعتدال على براجماتية الزعيم عقال المفرطة وتشدّد الزعيم موسى بيحي اليمينية، ولم ينخرط في أي نشاطات جبهوية وأعمال تحريضية مضّرة تذكر في سجل حياته العملية.
خاتمة
يكثر في الفكر السياسي في هرجيسا صفة التنوع، ويغيب عنه التعدّد الذي هو سائد أكثر في الجنوب مقارنة بالشمال، ويتأثر هذا التنوع بالفئة العمرية والفصيل الذي ينتمي إليه الفرد، وكذلك الخلفية التاريخية لمسيرة حياته العملية ومدى تضرر محيطه العائلي بمأساة فعل حكم العسكر. ويكثر الاعتدال في النخبة الوحدوية والفئة العمرية التي عاشت في عهدي الوحدة والانفصال، بينما يكثر التطرف في النخب العسكرية والفئة العمرية التي ولدت في فترة ما بعد إعلان الانفصال عام 1991م، أو شبّت بعده وليس عندها صورة ذهنية مغايرة غير المنطبعة في ذهنه. والطابع البنائي للوحدويين أفقي على عكس طابع النخب الأخرى بشقيها الاعتدالي والتشددي، فهو عمودي أكثر مما هو أفقي. وغالبًا ما يختلط التنمر بمركزية الخدمات في العاصمة بعد الاستقلال، ومصاعب عمليات الاندماج في العهد المدني، والضرّر الناتج من سوء استخدام السلطة في عهد حكم العسكر مع استغلال قضية هرجيسا لصالح أجندة الانفصال ولتحقيق المآرب السياسية الخاصة.
وهناك افتئات على الحقائق التاريخية التي بنيت عليها سردية الانفصال، وتحديدًا في مسائل الارتباط بين الاستقلال والوحدة، ومبدأ تقاسم السلطة، والمصادقة على ميثاق الوحدة 1961، ومزايدات في مسألتي الانقلاب واستفتاء دستور 1961، ومبالغة في التوظيف السياسي لقضية المآسي المخزية من قبل الحكم العسكري. وهناك إزدواجية ظاهرة في سلوك بعض النخب السياسية في هرجيسا سواء على مستوى المعتدلين منها أوالمتشددين، وتجد هذ السلوك المزدوج واضح بشدة بالنظر إلى المسيرة السياسية لـلزعيم “عقال”؛ حيث إنه عارض تولية جامع غالب 1960 لرئاسة البرلمان وقت الوحدة، وصارع هو لاحقا في المنصب نفسه عام 1966م ضد شيخ مختار، وذلك بعد سحب الثقة من رئيس أحمد شيخ محمد عبسيى. وفي عهد رئاسته للوزراء، مارس أقصى درجة من العسف في معادلة التوازن العشائري في عهد رئاسته للمجلس الوزراي بعد أن منح قبيلته أربع حقائب وزراية غير منصبه الرئاسي في المجلس والاستئثار بنفسه بحقيبة الخارجية، وعمل مع حكم العسكر بمنصب السفير في الهند ورئيس غرفة التجارة والصناعة، وشارك في مؤتمري جيبوتي 1991 و1992 للمصالحة وإعادة بناء الدولة الموحدة ولاحقا، تبنى بفكرة الانفصال من 1993م عندما أصبح رئيس السلطة في هرجيسا، ولم يكن عند الزعيم بيحي أي مانع في مقايضة قضاياه برئاسة البلاد، وذلك في اللقاء الجامع بينه وبين فرماجو في أديس أبابا بإشراف أبي أحمد عام 2020. وتعمل مقديشو على الجمع بين حلحة تحدياتها السياسية الحالية قبل الأمنية والاستمرار في مدّ الجسور بينها وبين هرجيسا وجعلها مستمرة، ومن أجلها وضعت مقديشو على طاولة المفاوضات لاتفاقات الـ 10 المتوقفة حاليًا إلى أي عرض عملي يصون قضايا الوحدة ويضمد جروح هرجيسا السياسية، وقدمت الكثير من الخطوات التي أرادت من خلالها ردم الفراغ الناجم عن التأخر في معالجة السوابق الماضية بما في ذلك تقديم الاعتذار الرسمي لها من الضرّر الذي لحق هرجيسا من أعلى سلطة الهرم عام 2020م.
ويعد عرض نهاية ديسمبر الأخير عام 2023 الأكثر إثباتا لهذ الاتجاه، وكلما كان هناك تقدم في المفاوضات تزايدت فرص الاستقرار في البلاد وانحسر أثر موجة المؤامرات الخارجية المستهدفة للوحدة القومية للصومال، ولا يوجد زعيم أنسب من “عرّو” وفريقه الجديد لخفض التوتر السياسي المرتفع حاليًا بين هرجيسا ومقديشو، كما أنه لا يوجد طريق أقرب من طريق المفاوضات للوصول إلى التسوية المرضية، وأكثر ضررًا من تشويه الحقائق وتضليل العامة وتبني نهج التطرف في قضية هرجيسا، وإن تحقيق نتائج مرضية في المفاوضات المقبلة بين مقديشو وهرجيسا هو مفتاح استقرار الإقليم وضمان لتماسك الخرائط السياسية لدول المنطقة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تعكس بالضرورة موقف مركز Afropolicy.
صوماليلاند ومساعي البحث عن الاعتراف (1)
المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات





