تحليلات

جبهة النيل الأزرق دلالات ومخاطر التحول إلى تصعيد إقليمي

ظلت ولاية النيل الأزرق على هامش مركز الحرب والمواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية شمال إلا من بعض الاضطرابات التي صاحبت الأزمة، والارتدادات الناشئة عنها، ولكن ومنذ يناير الماضي تشهد المنطقة تطورات متسارعة، كان أكبر شواهدها الاتهامات السودانية لإثيوبيا بفتح جبهة جديدة عبر تسهيلات ودعم من الإمارات العربية المتحدة، رافقتها تقارير من وكالة رويترز للأنباء تؤكد المزاعم السودانية. وفي 11 يناير 2026 نفذ الجيش السوداني غارات جوية استهدفت قافلة في منطقة يابوس بولاية النيل الأزرق، في أول رد عسكري مباشر على تلك الاتهامات، تكررت الغارات في 22 يناير لتشمل مناطق إضافية في محلية الكرمك.

ولهذا فإن فتح جبهة النيل الأزرق واتساع نطاق الصراع فيها يمثل تحولاً نوعياً في الحرب السودانية، حيث ينتقل الصراع من كونه نزاعاً داخلياً إلى أزمة إقليمية متعددة الأطراف. يعكس هذا التوسع تداخل المصالح الإقليمية والدولية في السودان، ويحمل تداعيات خطيرة على استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها.

تطورات متسارعة

بعد فترة من المناوشات على حدود الولاية وبعض أطرافها أعلنت قوات الدعم السريع، بالتحالف مع حركة تحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في 24 مارس 2026، سيطرتها على مدينة الكرمك الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق بعد معارك عنيفة مع الجيش السوداني والقوات المساندة له.

تتمتع الكرمك بأهمية استراتيجية خاصة لكونها إحدى البوابات الحدودية السودانية ” كما أنها تربط ولايتي النيل الأزرق وسنار إضافة إلى كونها ممراً حدودياً حيوياً وكونها تقع على الحدود مع إثيوبيا وتطل على طرق إمداد مهمة قربها من بنية تحتية حساسة، مثل سد الروصيرص، شريان الطاقة والمياه في السودان.

تعدد الأطراف في النيل الأزرق

تعتبر منطقة النيل الأزرق منطقة رخوة، لقربها من جنوب السودان الذي يشهد فوضى أمنية منذ انفصاله في 2011، إضافة إلى الحدود الإثيوبية التي لا تقل عنها في جنوب السودان، ولهذا فتحت هذه الهشاشة فرصة لمشاركة فاعلين من خارج الأطراف المعروفة:

ـــ الحركة الشعبية والدعم السريع: تُعد منطقة جنوب النيل الأزرق تقليديا من معاقل الحركة الشعبية شمال والتي يقودها الجنرال عبد العزيز الحلو، وقد تحالفت مع الدعم السريع منذ بداية 2025، وبالتالي فقد سهل ذلك فتح جبهة النيل الأزرق إلى جانب جبهة جبال النوبة التي تتمركز فيها الحركة.

ــــ تفيد بعض التقارير وجود قوات موالية للعمدة عبيد أبو شوتال وهو زعيم قبلي من النيل الأزرق يعتبر من قيادات الدعم السريع ويملك حاضنة اجتماعية في المنطقة.

ــــ أشارت كذلك عدد من التقارير مشاركة مرتزقة من إثيوبيا وجنوب السودان، خاصة في ظل تداخل كبير في المناطق الحدودية بين السودان وجنوب السودان وإثيوبيا، وهو أمر لم يعد سرا، إذ تتوافر عليه شواهد كثيرة.

الدلالات الاستراتيجية

يفتح تصاعد الحرب وتوسعها في النيل الأزرق أسئلة كثيفة حول دلالاتها المحلية والإقليمية، وما يمكن أن يشكله في مستقبل الحرب وعلى خارطة النفوذ وخيارات التسويات الممكنة، لا سيما في ظل تدخلات إقليمية تخطط لإعادة صياغة الخرائط السياسية والاجتماعية في السودان:

أهمية النيل الأزرق: تقع ولاية النيل الأزرق عند تقاطع السودان مع إثيوبيا وجنوب السودان، ما يجعلها ممراً استراتيجياً للتجارة والسلاح والتحركات العسكرية، كما أنها تتمتع بتضاريس نادرة، من مناطق جبلية وغابات كثيفة، توفر ملاذاً للمليشيات وتحد من قدرة الجيش على السيطرة الكاملة:

ــــ زراعيا تعتبر الولاية من أهم المناطق المنتجة للمحاصيل الزراعية في السودان، وسيطرة المليشيا عليها تخرج مساحات رئيسية من الانتاج

ـــــ غابيا: تضم ولاية النيل الأزرق نحو 60% من غابات السودان، وهي ثروة وطنية كبرى، وفقدان السيطرة عليها يمثل خسارة كبيرة للثروة القومية.

ــــ طرق الإمداد: تقع الولاية على المثلث بين الدول الثلاث، وسيطرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال عليها يعني سيطرتها على طرق حيوية تربط شمال الولاية وشرقها نحو الحدود الإثيوبية، فضلا عن الحدود من جنوب السودان مما يمنحها القدرة على التحكم في حركة التجارة والإمدادات.

الدلالات الاستراتيجية

تعد سيطرة الدعم السريع وحلفائها على مدينة الكرمك، تحولا مهما ليس في ميزان القوة فحسب بل في اتجاهات الحرب ذاتها إذا لم تحسم بشكل قاطع وسريع، ذلك لما تحمله من دلالات خطيرة:

ــــ توسيع الجبهات: أشار محللون وأكدته تصريحات عدد من قادة الدعم السريع، بأن السيطرة على الكرمك تستبطن التمدد من ولاية النيل الأزرق إلى ولاية سنار، وربما ولايات الشرق الأخرى مما يمنح قوات الدعم السريع قدرة على تنسيق العمليات العسكرية بين عدد من الجبهات الساخنة.

ــــ خزان الروصيرص ومدينة الدمازين: تبعد مدينة الكرمك حوالي 137 كلم عن عاصمة الولاية مدينة الدمازين، وقد أعلنت بعض قيادات الحركة الشعبية شمال، أن عاصمة الولاية هي الهدف التالي، ما يشكل في مضمونه الاقتراب من خزان الرصيرص الذي يعتبر حيويا في توليد الطاقة الكهربائية.

ــــ تشتيت الجيش: تسخين جبهة النيل الأزرق وبما تحمله من أهمية، يفرض على الجيش إعادة رسم الاستراتيجيات، وتكتيكات التعاطي مع الجبهات العديدة، إذ تهدف تحركات الدعم السريع، وحلفائه المحليين والإقليميين إلى تشتيت جهده وإضعاف تركيزه على جبهات كردفان ودارفور.

ـــ ورقة ضغط إقليمية: السيطرة على النيل الأزرق تمنح الدعم السريع وحلفاءه قدرة على المناورة السياسية والعسكرية في محيط إقليمي مضطرب وهش.

الدلالات الإقليمية

تصاعد وتوسع نطاق الحرب في النيل الأزرق يحمل دلالات إقليمية خطيرة، إذ يحول الإقليم من جبهة محلية إلى عقدة صراع إقليمي تتقاطع فيها أجندة عدد من الفاعلين وهم إثيوبيا وجنوب السودان وإرتريا ويعيد تشكيل موازين النفوذ في القرن الأفريقي. هذا التطور يفتح الباب أمام تدخلات خارجية ويزيد احتمالات تدويل الأزمة.

تصعيد التوتر مع إثيوبيا:

تعد إثيوبيا أبرز اللاعبين الإقليميين في أزمة النيل الأزرق، حيث تتهمها الخرطوم رسمياً بدعم الدعم السريع، وتمثل ضلوعها حسب الاتهامات السودانية في تسهيل عبور المقاتلين عبر السماح لقوات الدعم السريع وحركة تحرير السودان – شمال بدخول النيل الأزرق عبر الأراضي الإثيوبية، إضافة إلى إقامة معسكرات تدريب في منطقة بني شنقول-قمز الإثيوبية المتاخمة للنيل الأزرق، و توفير غطاء طائرات مسيرة بإطلاق طائرات مسيرة من الأراضي الإثيوبية لدعم العمليات العسكرية، وهي اتهامات نفتها إثيوبيا مرارا، ولكن بعد سيطرة الدعم السريع على مدينة الكرمك وإنذار عاصمة الولاية، فإن السودان قد يصعد ضد إثيوبيا باستخدام عدد من الأوراق التي يملكها في حال فشل الجهود الدبلوماسية واستمرار تمدد الدعم السريع في الإقليم.

جوبا في قلب المعركة

أفاد مسؤولون سودانيون بأن قوات الدعم السريع وحركة تحرير السودان – شمال شنت هجوماً على مناطق في النيل الأزرق انطلاقاً من أراضي دولة جنوب السودان وتتهم الخرطوم جوبا بالسماح باستخدام أراضيها لتدريب ونقل المعدات العسكرية للقوات المهاجمة وترتبط حركة تحرير السودان – شمال بعلاقات تاريخية وثيقة مع حكومة جنوب السودان، التي تفرعت أصلاً من الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت تقاتل حكومات الخرطوم السابقة، وهو ما يشير إلى تطور الأزمة من مستوى الرسائل الخفية والدبلوماسية إلى الاحتقان المباشر في العلاقات الإقليمية.

مخاطر التصعيد مع إريتريا

ومع الحضور اللافت لإرتريا في الشأن السوداني، وخلافات حادة مع إثيوبيا، حذر محللون من أن أي تورط إثيوبي مباشر في السودان قد يجر إريتريا إلى الصراع، حيث تربط أسمرا علاقات وثيقة مع الجيش السوداني، والتصعيد قد يدفعها للتدخل لدعم الخرطوم، خاصة وأن الرئيس الإرتري قد هدد غير مرة بالتدخل المباشر في حال تمدد الدعم السريع في الولايات الشرقية للسودان وهذا السيناريو يهدد بإشعال جبهة جديدة في منطقة لا تزال تبحث عن سبل التعافي من حرب العامين في التغراي (2020-2022)، ويعتبر هذا من أسوأ السيناريوهات التي يمكن تصورها.

خاتمة

تحمل التطورات الجارية في ولاية النيل الأزرق دلالات خطيرة لمسار الحرب في السودان، إذ تشهد خلط الأوراق وانخراط أكثر للفاعلين الإقليميين، قد تجر المنطقة والإقليم إلى صراع أوسع يصعب التكهن بصيرورته، فعلى المستوى السودان، تتسع الجبهات المسنودة بالخارج، ما يدعوا إلى إعادة النظر في إيقاع التعاطي مع استراتيجيات إدارة الحرب، وتكتيكات المعارك اليومية، وإقليميا تتسع فرضية الانخراط الأوسط لدول الإقليم ربما تقود إلى أزمات متعددة الأوجه والاتجاهات. فهل تفتح ولاية النيل بابا للتصعيد أم نافذة لغلق الأزمة التي اندلعت شرارتها منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام، هي أسئلة مشروعة لكن الإجابة عليها قد تطول.

 

 

 

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى