تحليلات

الانتخابات الرئاسية في بنين 2026:  فوز ساحق لمرشح الائتلاف الحاكم وسؤال الديمقراطية المقيدة

مقدمة

شهدت جمهورية بنين انتخابات رئاسية في 12 أبريل/نيسان 2026، لتبدأ مرحلة انتقالية حاسمة مع انتهاء فترة حكم الرئيس باتريس تالون الثانية. أسفرت الانتخابات عن فوز ساحق لمرشح الائتلاف الحاكم، وزير المالية روموالد واداني، الذي حصد أكثر من 94% من الأصوات. ورغم أن الانتخابات جرت في جو سلمي واعتُبرت اختبارًا هامًا لاستمرارية الديمقراطية في منطقة معرضة للانقلابات، إلا أنها اتسمت بضعف شديد في صفوف المعارضة، وانخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات، ومخاوف بشأن الشمولية السياسية. وسيرث واداني دولةً تُعاني من تصاعد العنف الجهادي في الشمال، واستمرار التفاوت الاقتصادي، وارتفاع سقف التوقعات الشعبية بعد عقد من النمو القائم على البنية التحتية.

الطريق إلى الانتخابات

تأثرت انتخابات عام 2026 بشكل كبير بإرث الرئيس المنتهية ولايته باتريس تالون. فمنذ توليه منصبه عام 2016، شهدت البلاد فترة ازدهار اقتصادي ملحوظ، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 6-7% سنويًا، وشهد المركز التجاري لمدينة كوتونو تحولًا جذريًا بفضل مشاريع البنية التحتية الضخمة. إلا أن فترة حكمه اتسمت أيضًا بحملة قمع مثيرة للجدل ضد المعارضة السياسية. واتهم منتقدون ومنظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، إدارته باستخدام الأدوات القضائية لتهميش المنافسين، وتقييد المظاهرات العامة، والضغط على وسائل الإعلام المستقلة.

وقد أثر هذا المناخ السياسي بشكل مباشر على السباق الانتخابي لعام 2026. فقد مُنع حزب المعارضة الرئيسي، حزب الديمقراطيين، فعليًا من خوض غمار المنافسة الرئاسية. وفشل زعيمه، رينو أغبودجو، في الحصول على العدد المطلوب قانونًا من أصوات البرلمان، وهو الحد الأدنى الذي اعتبره العديد من المراقبين مُصممًا لحماية الائتلاف الحاكم. ونتيجةً لذلك، انحصرت المنافسة الرئاسية بين مرشحين اثنين: المؤسسة الحاكمة والمعارضة الضعيفة.

أبرز المرشحين في انتخابات 2026:

* أروموالد واداني (Romuald Wadagni)

1- يبلغ من العمر 49 عامًا، وهو خريج من كلية إدارة الأعمال في غرونوبل بفرنسا وتلقى تدريبات في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة، كما عمل شريكًا في شركة “ديلويت” الاستشارية العالمية. يلقب بأنه “التكنوقراطي الهادئ” نظرًا لاعتماده على الأرقام والإنجازات أكثر من الخطابة السياسي، كما يعتبر المهندس الرئيسي للنهضة الاقتصادية في بنين خلال العقد الماضي حيث عمل وزيراً للمالية منذ 2016 ويمثل الائتلاف الحاكم بدعم من تحالف بنين الذي عُرف بالحراك الرئاسي والمكون من حزب الاتحاد التقدمي للتجديد وحزب الكتلة الجمهورية، والذي حصد 94% من الأصوات

2-برنامج المرشح: يدعو إلى “الاستمرارية” في السياسات التي وضعها الرئيس الحالي باتريس تالون، مع التركيز على التحول من الاقتصاد الريفي إلى الاقتصاد الحديث القائم على التصنيع والرقمنة. كما وعد بتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية وتحسين قطاع الصحة.

*بول هونكبي (Paul Hounkpe)


1-
هو المنافس الرئيسي والوحيد لواداني ووزير الثقافة السابق يبلغ من العمر 56 عامًا، وهو سياسي مخضرم بدأ حياته معلمًا. شغل منصب وزير الثقافة في حكومة الرئيس الأسبق توماس بوني يايي (2015)، وكان رئيسًا لبلديّة بوبا. كما تم تعيينه رئيسًا للمعارضة البنينية عام 2021 ويمثل قوى كوري من أجل بنين صاعدة.

2- برنامجه للترشح: على عكس منافسه، ركز هونكبي على انتقاد النمو الاقتصادي، معتبرًا أنه لم يحسن مستوى معيشة المواطن العادي. وصف ذلك في إحدى تجمعاته قائلاً: “إذا كنا نحرز تقدمًا ولكن لا يمكن لأي منا تحمل تكاليف ثلاث وجبات في اليوم، فهذا ليس تقدمًا”. كما وعد بالعمل على خفض أسعار المواد الأساسية والإفراج عن “المعتقلين السياسيين.

*المرشح المستبعد رينو أغبودجو (Renaud Agbodjo)

1- هو محامي وسياسي بنيني يبلغ من العمر 43 عاما ويعتبر الشخصية الأبرز في المعارضة البنينية ورئيس حزب الديمقراطيون، وهو الحزب الذي أسسه الرئيس الأسبق توماس بوني يابي، بدأ حياته السياسية مستشارا قانونيا لحزب الديمقراطيين، وكان مقربا جدا من الرئيس الأسبق توماس بوني، ويُنظر إليه باعتباره تلميذه وحامل رؤيته السياسية.

2- برنامجه السياسي: على الرغم من استبعاده من السباق إلا أنه قدم برنامجه السياسي في: استعادة التوازن الديمقراطي، استقلال القضاء ومحاربة الفساد، إضافة إلى الحفاظ على النمو مع تحسين توزيع الثروات وتعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات الجهادية في الشمال.

3- تم استبعاده من السباق الرئاسي لعدم تمكنه من الحصول على العدد الكافي من تزكيات أعضاء البرلمان، وهو شرط يعتبره المنتقدون أنه تم وضعه عمدًا لإقصاء المنافسين الجادين.

 الحملات الانتخابية

بدا واضحا من السياق العام أن المرشحين تتباين مستوى حملاتهما بسبب الاختلاف في مستوى الدعم وامتلاك القدرات المالية الكافية، والزخم الإعلامي والجماهيري، فوزير المالية هو مرشح الحكومة ومدعوم من رجال الأعمال، بينما ظهرت حملة هونكبي ضعيفة ومتواضعة بسبب الفرق الهائل في القدرات بين مرشح الائتلاف الحاكم ومرشح المعارضة.

ملامح الحملة الانتخابية:

  1. غياب المنافسة: أدى استبعاد حزب المعارضة الرئيسي إلى تحويل الحملة إلى استعراض لتفوق الائتلاف الحاكم، واصفاً إياها بأنها “سباق بدون منافسة قوية
  2. سيطرة القضايا الملحة: ركزت المناقشات على قضايا حقيقية ومصيرية، أبرزها التهديد الجهادي المتصاعد في الشمال ومسألة توزيع عوائد النمو الاقتصادي.
  3. انعكاس الأزمة السياسية: كانت الحملة انعكاساً مباشراً للأزمة السياسية التي شهدتها بنين منذ 2019، حيث طغت قضايا الشمولية والديمقراطية على الأجواء
  4. مفارقة القدرات: كانت حملة واداني أشبه بـ “استعراض قوة” للآلة الانتخابية للائتلاف الحاكم، حشدت فيها الجماهير وأظهرت التنظيم. ومن ناحية أخرى، كانت حملة هونكبي “صامتة ومقيدة”، تعكس ضعف المعارضة واستسلامها لواقع سياسي مهيمن عليه. النتيجة كانت انتخابات هادئة تقنياً، لكنها افتقدت إلى روح المنافسة الديمقراطية الحقيقية

  مراقبة الانتخابات

أشرفت على مراقبة الانتخابات عدد من المؤسسات المحلية والإقليمية والمؤسسات الدولية من أجل ضمان نزاهة الانتخابات:

  1. اللجنة الوطنية للانتخابات: على المستوى الوطني، كانت الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات (CENA) هي المسؤولة عن تنظيم العملية الانتخابية والإشراف المباشر عليها، بدءًا من تجهيز مراكز الاقتراع ووصولاً إلى فرز الأصوات. كما لعبت السلطة العليا للسمعيات والبصريات والاتصال (HAAC) دورًا محوريًا في ضمان تغطية إعلامية عادلة ومتوازنة للمرشحين.
  2. بعثة إيكواس: المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS): شكلت أكبر بعثة مراقبة، حيث ضمت أكثر من 100 مراقب وخبير، بمن فيهم 80 مراقبًا قصير المدى و15 خبيرًا طويل المدى. ترأس البعثة الرئيس الغاني السابق، نانا أكوفو-أدو، وتضمنت مهامها زيارة مراكز الاقتراع ومراقبة سير التصويت والفرز. أشادت البعثة بالهدوء والتنظيم السلس للعملية الانتخابية.
  3. المجتمع الدولي: كما شاركت جهات إقليمية ودولية أخرى حيث شاركت كل من منظمة الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والمنظمة الدولية للفرنكوفونية، ومجلس الوفاق (Entente Council) في متابعة الانتخابات. كما أرسل المغرب هيئة عليا للاتصال السمعي البصري (HACA) ضمن بعثة إقليمية متخصصة في مراقبة التغطية الإعلامية.
  4. منظمات المجتمع المدني المحلية: لعبت منظمات المجتمع المدني البنينية دورًا مهمًا من خلال نشر مراقبين محليين، حيث قامت إحدى المنصات بنشر 1,721 مراقبًا في جميع أنحاء البلاد لضمان نزاهة عملية الاقتراع.

   العملية الانتخابية والمشاركة

في 12 أبريل 2026، فُتح المجال أمام ما يقرب من 8 ملايين ناخب مسجل للإدلاء بأصواتهم في أكثر من 17000 مركز اقتراع، داخل البلاد وخارجها. فُتحت مراكز الاقتراع في تمام الساعة السابعة صباحًا بالتوقيت المحلي وأُغلقت في تمام الساعة الرابعة مساءً، ووعدت اللجنة الانتخابية بإعلان النتائج الأولية خلال 48 ساعة.

وصفت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات (CENA) والمراقبون الدوليون عملية التصويت بالهادئة. وأرسلت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) بعثة مراقبة كبيرة، تضم 15 خبيرًا مخضرمًا ونحو 100 مراقب مؤقت، لمتابعة العملية وضمان الشفافية. ورغم الأجواء السلمية، بدا حماس الناخبين ضعيفًا. وسُجلت نسبة مشاركة بلغت 58.78%، وهو رقم يعكس ما وصفه المحللون بـ”إرهاق الناخبين” وشعورًا بأن النتيجة محسومة سلفًا. وفي كوتونو، أكبر المدن، كان الإقبال على مراكز الاقتراع ضعيفًا طوال الصباح.

نتائج الانتخابات: فوز ساحق دون معارضة

وكما كان متوقعًا على نطاق واسع، فاز روموالد واداني فوزًا حاسمًا. وفقا للنتائج المؤقتة التي، أعلنتها اللجنة الانتخابية بفوز واداني بنسبة 94% من الأصوات، وهي نسبة كبيرة لدرجة وُصفت بأنها “نهائية”. وقد أقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي الذي حصل على 5.95%، بالهزيمة بروح رياضية قبل اكتمال الفرز النهائي، داعيًا إلى الوحدة ومؤكدًا أن “الديمقراطية تتطلب الاحترام المتبادل والقدرة على تجاوز الانقسامات الحزبية”.

يُعزى فوز واداني إلى عدة عوامل. فقد خاض حملته الانتخابية على أساس الاستمرارية، مستفيدًا من سيطرة الائتلاف الحاكم على الجمعية الوطنية – حيث تشغل الأحزاب المتحالفة جميع المقاعد الـ 109 بعد الانتخابات البرلمانية في يناير 2026 – وسجله الحافل كوزير للمالية على مدى عقد من الزمن. ووعدت حملته بتوسيع نطاق الوصول إلى المياه النظيفة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحسين تقديم الرعاية الصحية. ومع ذلك، فإن حجم فوزه الهائل أبرز غياب معارضة ذات مصداقية، مما دفع بعض منظمات المجتمع المدني إلى التشكيك في قدرة المشهد الديمقراطي في بنين على المنافسة.

التحديات الرئيسية التي تواجه الإدارة الجديدة

على الرغم من تفويضه الساحق، يواجه الرئيس المنتخب واداني مجموعة معقدة وملحة من التحديات التي ستحدد مسار ولايته الرئاسية التي تمتد لسبع سنوات بعد أن مُدِّدت مؤخرًا من خمس سنوات.

  • الأزمة الأمنية في الشمال: يُعدّ تصاعد التمرد الجهادي التهديد الأبرز. وقد أصبحت الحدود الشمالية لبنين بؤرة توتر. بسبب أعمال عنف مرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) التابعة لتنظيم القاعدة. في أبريل/نيسان 2025، قتلت الجماعة 54 جنديًا في هجوم واحد، وتسبب هجوم مماثل في مقتل 15 آخرين قبل شهر واحد فقط من انتخابات 2026. وقد أشار ضباط عسكريون إلى هذا التدهور الأمني ​​كدافع رئيسي لمحاولة انقلاب فاشلة ضد تالون في ديسمبر/كانون الأول 2025.
  • المفارقة الاقتصادية للنمو والفقر: على الرغم من أن بنين تتمتع بواحد من أكثر معدلات النمو الاقتصادي استقرارًا في غرب إفريقيا (7.5% في 2024)، إلا أن هذا الازدهار لم يُعمّم على نطاق واسع. إذ لا يزال أكثر من 30% من السكان يعيشون تحت خط الفقر. وخلال الحملة الانتخابية، تحدّى هونكبي بفعالية الرواية الاقتصادية للحكومة، مُجادلًا بأن أرقام الناتج المحلي الإجمالي القوية ومشاريع البنية التحتية الواضحة لم تُترجم إلى تحسين في الظروف المعيشية اليومية للمواطنين العاديين.

المصالحة السياسية والصحة الديمقراطية: في ظل غياب المعارضة شبه التام عن البرلمان والرئاسة، يواجه واداني تحدي الحكم دون نظام رقابي متين. وسيكون إعادة بناء الثقة مع أنصار المعارضة المهمشين ومعالجة المخاوف بشأن الحريات القضائية والسياسية أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل ومنع الاغتراب السياسي الذي غذّى الانقلابات في دول مجاورة مثل النيجر وبوركينا فاسو.

الخاتمة

جاءت الانتخابات الرئاسية في بنين عام ٢٠٢٦ بمثابة دراسة في التناقضات: انتقال سلمي دستوري للسلطة من الناحية الفنية في منطقة مضطربة، ولكنه في الوقت نفسه أبرز هشاشة المنافسة الديمقراطية. يتولى روموالد واداني منصبه بتفويض قوي تاريخيًا، لكن عليه أن ينتقل فورًا من الحملات الانتخابية إلى إدارة الأزمات. ولن يُقاس نجاحه بنسبة الأصوات التي يحصل عليها، بل بقدرته على تأمين الحدود الشمالية من التوسع الجهادي وضمان ترجمة النمو الاقتصادي للبلاد إلى انخفاض ملموس في معدلات الفقر. ستختبر السنوات القادمة ما إذا كان بإمكان بنين أن تظل واحة استقرار في غرب إفريقيا دون التضحية بالتعددية السياسية التي تُعرّف الديمقراطية السليمة.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى