تحليلات

العلاقات الصومالية التركية بعد خمسة عشر عامًا: تقييم الشراكة والرؤية المستقبلية للتطوير

مقدمة

تمثل العلاقات الصومالية التركية واحدة من أبرز نماذج الشراكات الثنائية، التي ارتقت خلال مرحلة ما بعد الحرب الأهلية في الصومال- إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الفاعلة. وقد شكّلت الزيارة التاريخية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مقديشو عام 2011 نقطة تحول مفصلية في مسار هذه العلاقات، إذ نقلتها من إطار التضامن الإنساني، والاستجابة للأزمات إلى شراكة متعددة الأبعاد، تشمل السياسة والدبلوماسية والأمن والدفاع والاقتصاد والتعليم والصحة والبنية التحتية والمساعدات الإنسانية.

وخلال خمسة عشر عامًا، تطورت هذه العلاقة بصورة لافتة، بحيث أصبحت تركيا أحد أهم الشركاء الدوليين للصومال في جهود بناء الدولة، وإعادة الإعمار، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وتعزيز المؤسسات الوطنية، ودعم مسارات التنمية الاقتصادية. وفي المقابل، اكتسبت الصومال أهمية متزايدة في الإستراتيجية التركية تجاه القرن الإفريقي، والمحيط الهندي، بوصفها بوابة جيوسياسية محورية، وشريكًا مؤثرًا في سياستها الإفريقية والإسلامية.

وعليه، فإن مرور خمسة عشر عامًا على هذه الشراكة- يفتح الباب أمام مقاربة تتجاوز الاحتفاء بالإنجازات إلى تقييم طبيعة العلاقة وحدودها، وقياس قدرتها على الانتقال من نموذج الدعم والمساعدات إلى نموذج الشراكة الاستراتيجية، والتنمية المستدامة، والمصالح المتبادلة. كما يطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى استعداد الطرفين لتطوير هذه العلاقة، بما ينسجم مع التحولات الإقليمية والدولية، وتحديات بناء الدولة في الصومال، وطموحات تركيا في فضائها الإفريقي.

وفي ضوء هذا التطور اللافت في مسار العلاقات الصومالية– التركية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، تبرز الحاجة إلى الانتقال من العرض الوصفي لمسار الشراكة إلى تحليلٍ أعمق لمكوناتها، وتقييمٍ دقيق لفاعليتها، واستشرافٍ موضوعي لآفاقها المستقبلية. ومن هنا، تتجه هذه الدراسة إلى تفكيك أبعاد الشراكة، ورصد مكامن قوتها وتحدياتها، وقياس مدى قدرتها على التحول إلى نموذج إستراتيجي مستدام، يخدم مصالح الطرفين في سياق إقليمي، ودولي متغير.

أولًا: المراحل الأربعة لتطور العلاقات الصومالية التركية

ثمة إشارة منهجية مهمة توضح أن ترتيب وتسلسل هذه المراحل جاء وفقاً للتقسيم الزمني والموضوعي، لاستيفاء أبعاد التحليل الوصفي والنقدي لمسار العلاقات، وذلك لإثبات أن انتقال العلاقة بين المراحل الأربعة لم يكن مجرد تطور طبيعي، وإنما نتج عن تغير احتياجات الدولة الصومالية وتطور المصالح التركية وتغير البيئة الإقليمية والدولية.

وتأسيساً عليه، فإن المدخل المهم لفهم طبيعة وشكل المراحل يكمن في صياغة التطور الكلي للعلاقات الصومالية التركية في صورة أكثر تحليلية ونقدية، لضبط النظر إلى المراحل الأربعة باعتبارها سلسلة من التحولات المتراكمة، وليست بالمصادقة أو المتقطعة، في إطار مصفوفة تثبت أن مرحلة التضامن الإنساني أدت إلى بناء الثقة والقبول، ومن ثم تشكلت بعدها مرحلة بناء المؤسسات والبنية التحتية، والتي قادت بدورها إلى مرحلة بناء القدرات الأمنية والشراكة الاستراتيجية، وأخيراً فرضت تلك المراحل الثلاث مرحلة رابعة، وهي الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد.

بهذه الكيفية، ربما تبدو الصورة واضحة بأن هذه المراحل الأربعة ليست منفصلة تماماً، وإنما متداخلة ومتراكمة،  فالشرعية الاجتماعية التي أنتجتها المساعدات الإنسانية التركية، وفرت بيئة مناسبة للتوسع المؤسسي الصومالي/التركي، والحضور المؤسسي وفر بدوره قاعدة للانتقال إلى التعاون الأمني والدفاعي الصومالي/التركي، ومن هذه الزاوية يتضح أن تطور العلاقات التركية-الصومالية يعكس انتقالًا من علاقة مانح تركى ومتلقي صومالي، إلى علاقة شريك تركي ودولة صومالية، ثم إلى علاقة شراكة أمنية واستراتيجية، وبعدها علاقة متعددة الأبعاد.

الجدير بالاشارة هنا، أن هذا الانتقال بين المراحل لا يعني بالضرورة اختفاء علاقة الاعتماد، بل ربما انتقل الإعتماد من الإعتماد على المساعدات الإنسانية إلى الاعتماد على الدعم المؤسسي والأمني، وهذه ربما تكون نقطة نقدية مهمة في الدراسة، لأنها تسمح بتجنب الصورة المثالية للعلاقة.

عليه، يمكن تفصيل المراحل الأربعة لتطور العلاقات الصومالية التركية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية وفقاً لأبعاد التوطئة المنهجية أعلاه، على النحو التالي:

أولاً: مرحلة التضامن الإنساني

بدأت المرحلة الحديثة للعلاقات في سياق الأزمة الإنسانية الحادة، التي كانت تعاني منها الصومال، حيث لعبت تركيا دورًا بارزًا في تقديم المساعدات الإنسانية، ودعم النازحين، والمساهمة في مجالات الصحة والتعليم والمياه والغذاء. وقد ساهم هذا الدور في بناء صورة إيجابية لتركيا لدى قطاعات واسعة من المجتمع الصومالي، وأوجد أساساً اجتماعياً، وسياسياً قوياً للعلاقات الثنائية.

وبناءً على ذلك، ربما يمكن النظر إلى المساعدات التركية للصومال باعتبارها أكثر من مجرد استجابة إنسانية للأزمة، فقد مثلت مدخلاً لبناء رأس مال سياسي واجتماعي تركي داخل الصومال، فتركيا لم تعتمد في هذه المرحلة على المساعدات المالية فقط، وإنما اتجهت إلى الحضور المباشر، وافتتاح المؤسسات، والتواصل مع المجتمع الصومالي المحلي، وهو ما منحها قدرة على بناء صورة مختلفة نسبياً عن أنماط التدخل الخارجي التقليدية.

ثمة استدراك مهم، يذهب إلى أن نجاح هذه المرحلة لا ينبغي قياسه فقط بحجم المساعدات أو عدد المشروعات التركية، وإنما بمدى قدرتها على تحويل التضامن الإنساني إلى ثقة سياسية طويلة الأمد، فقد أسهم الحضور التركي في تكوين تصور لدى قطاعات من المجتمع الصومالي بأن تركيا شريك في إعادة بناء الدولة وليس مجرد مانح خارجي.

غير أن هذه المرحلة تحمل مفارقة مهمة، فكلما ازداد القبول الاجتماعي والسياسي لتركيا في الصومال، أصبح المجال الإنساني نفسه بوابة للانتقال إلى مجالات أكثر استراتيجية، ومن ثم لا يمكن الفصل بصورة حادة بين الاعتبارات الإنسانية والمصالح الجيوسياسية، إذ إن السياسة التركية تجاه الصومال جمعت منذ البداية بين البعد الإنساني والرغبة في بناء حضور طويل المدى في الصومال والقرن الأفريقي.

تبقى النتيجة بأنه لم تكن أهمية المرحلة في المساعدات ذاتها، وإنما في انتاجها شرعية للحضور التركي، التي أصبحت لاحقاً مورداً سياسياً مكن تركيا من الانتقال إلى مجالات أكثر حساسية وحيوية، ومنها بناء المؤسسات والأمن والدفاع.

ثانياً: مرحلة بناء المؤسسات والبنية التحتية.

انتقلت العلاقات تدريجيًا من المساعدات الإنسانية إلى دعم مؤسسات الدولة، وإعادة بناء البنية التحتية. وشملت مجالات التعاون إنشاء وتأهيل مرافق صحية وتعليمية، وتطوير الطرق والمنشآت العامة، ودعم مؤسسات الدولة، إضافة إلى تدريب الكوادر الصومالية.

وأصبحت تركيا خلال هذه المرحلة أحد أبرز الشركاء الدوليين الحاضرين بصورة مباشرة، ومستمرة في المشهد الصومالي.

وتتلخص النتيجة في أن عملية الانتقال من المساعدات إلى بناء المؤسسات، يمثل تحولاً من عملية إدارة الأزمة إلى عمليات إعادة إنتاج قدرة الدولة الصومالية، لكنه ظل مرتبطاً بمشكلة جوهرية في الدول الصومالية الهشة، وهي خطر تحول المساعدات التركية من أداة مؤقتة لبناء القدرات إلى عنصر دائم في عمل مؤسسات الدولة الصومالية.

ثالثاً: مرحلة الشراكة الأمنية والإستراتيجية.

شهدت السنوات الأخيرة توسعاً واضحاً في التعاون الأمني والدفاعي، وأصبح التعاون العسكري أحد المكونات الرئيسية للعلاقات الثنائية. حيث أسهمت تركيا في تدريب القوات الصومالية وتطوير قدراتها، إلى جانب التعاون في مجالات الدفاع والأمن البحري.

وفي هذا الإطار بدأت العلاقة تنتقل من نموذج المساعدة إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالمصالح الإستراتيجية والأمنية المشتركة، فالنتيجة الأهم في هذه المرحلة، أن العلاقة انتقلت من بناء شرعية الحضور التركي إلى بناء قدرة أمنية للدولة الصومالية، إلا أن نجاح تقييم المرحلة توقف على قدرة أي من تركيا أو الصومال في تحويل هذه الشراكة من علاقة دعم إلى علاقة تمكين مؤسسي، كمؤسسات أمنية وعسكرية وطنية صومالية.

رابعاً: مرحلة الشراكة الاستراتيجية متعددة الأبعاد.

تتميز هذه المرحلة بانتقال التعاون من الأمن الداخلي وبناء القوات إلى ارتباط الأمن بشراكة استراتيجية/جيوسياسية في مجالات الدفاع، والأمن البحري، والموارد، والمصالح الاقتصادية، والموقع الجيوستراتيجي للصومال، وأمن البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، الأمر الذي ربما يجعل العلاقات التركية-الصومالية نموذجاً ناجحاً للشراكة الخارجية في إصلاح القطاع الأمني وبناء الدولة، بدلاً من إعادة إنتاج نمط جديد من الاعتماد الأمني الخارجي الذي عانت منه الصومال منذ الإنهيار وحتى الآن.

ثانيًا: تقييم الشراكة الصومالية- التركية

1. البعد السياسي والدبلوماسي

نجحت تركيا في بناء علاقة سياسية وثيقة مع الحكومات الصومالية المتعاقبة. كما حافظت على حضور دبلوماسي قوي في مقديشو.  وقد لعبت أنقرة دورًا في دعم وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه، وهو موقف يحظى بأهمية كبيرة لدى الدولة الصومالية في ظل التحديات المرتبطة بقضية أرض الصومال، ومستقبل النظام الفيدرالي.

غير أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير التعاون السياسي من الدعم الدبلوماسي إلى شراكة سياسية مؤسسية طويلة الأمد، تشمل الحوار الإستراتيجي المنتظم، وتبادل الخبرات في بناء المؤسسات والحكم الرشيد والدبلوماسية الإقليمية.

2. البعد الأمني والدفاعي

يعد التعاون الأمني والدفاعي أحد أكثر مجالات الشراكة تطورًا. فقد ساهم التدريب العسكري والتعاون الدفاعي في رفع قدرات القوات الصومالية. كما أصبح لتركيا حضور مهم في دعم بناء المؤسسات العسكرية والأمنية.

لكن التحدي الأساسي أمام المرحلة القادمة يتمثل في الانتقال من تدريب القوات إلى بناء منظومة دفاع وطني متكاملة، قادرة على الاعتماد التدريجي على الذات. ويشمل ذلك تطوير الصناعات الدفاعية المحلية، والتدريب المتخصص، والاستخبارات، والأمن البحري، وحماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، وبناء مؤسسات عسكرية خاضعة للسلطة المدنية والقانون.

3. البعد الاقتصادي

على الرغم من تطور العلاقات السياسية والأمنية، لا تزال العلاقات الاقتصادية دون مستوى الإمكانات المتاحة. ويمتلك الصومال فرصًا كبيرة في مجالات الثروة الحيوانية والزراعة والثروة السمكية والموانئ والطاقة والنقل والاتصالات والخدمات اللوجستية.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تجعل الاستثمار والتجارة في مركز الشراكة، بدلا من أن تظل المساعدات والتعاون الحكومي هي المحرك الأساسي للعلاقة.

4. التعليم والصحة وبناء رأس المال البشري

كان التعليم والصحة من المجالات المهمة في التعاون التركي- الصومالي، إلا أن التحدي المستقبلي يكمن في توجيه التعاون نحو بناء رأس المال البشري بصورة أكثر إستراتيجية. ويشمل ذلك زيادة المنح الدراسية، وإنشاء برامج جامعية مشتركة، وتطوير التعليم التقني والمهني، وتبادل الخبرات الطبية، وتطوير المستشفيات، وتدريب الأطباء والمهندسين والمعلمين.

فبناء الدولة الصومالية لا يعتمد على البنية التحتية وحدها، وإنما يحتاج، قبل كل شيء، إلى بناء الإنسان والمؤسسات.

ثالثًا: التحديات الرئيسة التي تعترض مسار الشراكة الصومالية– التركية

على الرغم من النجاحات التي تحققت، تواجه العلاقات عددًا من التحديات، لعلّ أبرزها:

  • عدم تحويل العلاقات السياسية القوية إلى حجم مماثل من العلاقات التجارية والاستثمارية.
  • اعتماد جزء كبير من التعاون على المبادرات الحكومية والمساعدات.
  • استمرار ضعف وهشاشة المؤسسات الصومالية.
  • التحديات الأمنية والإرهابية.
  • التنافس الإقليمي والدولي المتزايد في القرن الإفريقي.
  • الحاجة إلى تحقيق توازن بين المصالح الصومالية، والمصالح التركية.
  • ضعف مشاركة القطاع الخاص الصومالي في المشاريع المشتركة.
  • محدودية الاستفادة من الجالية ورجال الأعمال في البلدين.
  • الحاجة إلى مزيد من الشفافية والتقييم الدوري للمشاريع والاتفاقيات الثنائية.

رابعًا: رؤية مستقبلية للعلاقات الصومالية التركية

إن تطوير العلاقات خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة يتطلب الانتقال من مفهوم الشراكة القائمة على المساعدة- إلى مفهوم الشراكة القائمة على المصالح والتنمية والاستثمار وبناء القدرات.
ويمكن تأسيس هذه الرؤية على المحاور الرئيسية التالية:

المحور الأول: شراكة اقتصادية- استراتيجية

ينبغي إنشاء إطار اقتصادي- صومالي تركي طويل الأمد، يركز على:

  1. زيادة حجم التجارة الثنائية.
  2. تشجيع الاستثمارات التركية في الصومال.
  3. تطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية.
  4. الاستثمار في الزراعة والثروة الحيوانية والثروة السمكية.
  5. تطوير قطاع الطاقة والطاقة المتجددة.
  6. دعم الشركات الصومالية الصغيرة والمتوسطة.
  7. إنشاء آليات تمويل مشتركة للمشاريع الاستثمارية.

المحور الثاني: بناء القدرات الأمنية والدفاعية

ينبغي أن تتطور الشراكة الأمنية بين تركيا والصومال- من التدريب إلى بناء منظومة أمن قومي صومالية متكاملة، مع التركيز على:

 مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.

  تطوير القوات المسلحة.

 تعزيز الأمن البحري.

 حماية السواحل والثروات البحرية.

– تطوير القدرات الاستخباراتية.

       – تدريب الكوادر الأمنية والقضائية.

 دعم بناء مؤسسات أمنية وطنية موحدة.

المحور الثالث: الاستثمار في الإنسان

يمكن جعل التعليم محورًا رئيسيًا للمرحلة الجديدة من خلال إنشاء برنامج صومالي- تركي لبناء رأس المال البشري يشمل المنح الدراسية، والبحث العلمي، والتعليم المهني، والتدريب الإداري، والطب والهندسة والتكنولوجيا.

المحور الرابع: التكنولوجيا والتحول الرقمي

يمثل التحول الرقمي مجالًا واعدًا للتعاون، خصوصًا في الخدمات الحكومية، والتعليم الإلكتروني، والصحة الرقمية، والمصارف، والاتصالات، والأمن السيبراني.

وينبغي أن تنتقل الشراكة من نقل التكنولوجيا إلى توطين المعرفة والتكنولوجيا داخل الصومال.

المحور الخامس: الأمن البحري والاقتصاد الأزرق

يمتلك الصومال أحد أطول السواحل في إفريقيا، ولذلك يمكن أن يصبح التعاون التركي في المجال البحري- أحد أهم ركائز الشراكة المستقبلية. ويشمل ذلك تطوير الموانئ، والصيد البحري، وحماية البيئة البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، وتطوير الأسطول التجاري، واستكشاف الموارد البحرية.

المحور السادس: الدبلوماسية الإقليمية

يمكن للصومال وتركيا تطوير تنسيق سياسي أكبر بشأن قضايا القرن الإفريقي والبحر الأحمر والمحيط الهندي، بما يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي، وحماية المصالح المشتركة. كما يمكن لتركيا أن تستثمر خبرتها الدبلوماسية في دعم الحوار بين الأطراف الصومالية، دون أن يتحول ذلك إلى تدخل في التوازنات السياسية الداخلية.

خامسًا: نحو عقد جديد من الشراكة

بعد خمسة عشر عامًا من العلاقات المتنامية، تحتاج الشراكة الصومالية التركية إلى إعادة تعريف إستراتيجي، فالمطلوب ليس المزيد من الاتفاقيات فحسب، وإنما وضع آليات واضحة لقياس نتائجها، وتحديد الأولويات، وربط المشاريع بخطط التنمية الوطنية الصومالية. ومن المفيد إنشاء مجلس صومالي- تركي للشراكة الإستراتيجية، يجتمع بصورة دورية، ويضم ممثلين عن الحكومتين والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني، ويتولى تقييم مسار العلاقات واقتراح المشاريع المستقبلية. كما يمكن إعداد خطة شراكة صومالية- تركية 2027–2037 تكون بمثابة خارطة طريق للعقد المقبل، وتحدد أهدافًا قابلة للقياس في الاقتصاد والأمن والتعليم والصحة والبنية التحتية والتكنولوجيا.

خاتمة

أثبتت السنوات الخمس عشرة الماضية أن العلاقات الصومالية– التركية لم تعد مجرد علاقة تكتيكية أو استجابة لأزمات ظرفية سريعة، بل تحولت إلى شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين الدعم الإنساني، وبناء المؤسسات، والتعاون الأمني، والاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة. وقد مثّلت تركيا أحد أهم الشركاء الدوليين للصومال خلال مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، فيما اكتسب الصومال بالنسبة لتركيا أهمية إستراتيجية في فضاء القرن الإفريقي والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

ويظل نجاح المرحلة السابقة لا يضمن تلقائيًا نجاح المرحلة المقبلة؛ فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل الرصيد السياسي والشعبي، الذي تراكم خلال خمسة عشر عامًا الماضية إلى شراكة أكثر توازنًا واستدامة. وتشير الأدبيات والدراسات الميدانية إلى ارتفاع مستوى القبول المجتمعي للدور التركي، مقابل محدودية الاندماج التركي في منظومة التنسيق الدولي متعددة الأطراف، واتساع الحضور التركي المباشر في مؤسسات الدولة والمجتمع. وهذه المفارقة- بين قبول شعبي مرتفع ونموذج ثنائي محدود التنسيق- تطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة الشراكة على التطور إلى نموذج إستراتيجي شامل يوازن بين النفوذ المباشر، والاندماج المؤسسي الدولي.

إن العقد القادم ينبغي أن يكون عقد الاستثمار بدلا عن المساعدات، وبناء القدرات بدلا عن الاعتماد على الغير، وتوطين التكنولوجيا بدلا عن استيرادها، والمؤسسات بدلا عن الأشخاص، والمصالح المشتركة بدلا عن العلاقة أحادية الاتجاه. ومن هذا المنطلق، يمكن للعلاقات الصومالية– التركية أن تتجاوز إطار التعاون التقليدي؛ لتصبح نموذجًا لشراكة إستراتيجية بين دولة تسعى إلى استكمال بناء مؤسساتها الوطنية، ودولة إقليمية تمتلك خبرة واسعة في مجالات التنمية والدفاع والاستثمار والدبلوماسية.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة ليس: ماذا قدمت تركيا للصومال خلال خمسة عشر عامًا؟ بل: ماذا يستطيع الصومال وتركيا أن يبنيا معًا خلال الخمسة عشر عامًا القادمة؟ وهو سؤال يفتح الباب أمام إعادة صياغة الشراكة على أسس جديدة تجمع بين الفاعلية، والملكية الوطنية، والتوازن الإستراتيجي، والاندماج الدولي، بما يجعلها أكثر قدرة على خدمة مصالح الطرفين في عالم سريع التحول، تتقاطع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، وتتغير فيه موازين القوة والتحالفات بصورة متسارعة؛ الأمر الذي يفرض على الدول إعادة صياغة رؤاها الإستراتيجية بما يضمن قدرتها على التكيف مع المتغيرات، واستثمار الفرص، ومواجهة التحديات المستجدة.

 

 

عبد القادر غولني

باحث صومالي، دكتوراه العلوم السياسية والدراسات الإفريقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى