تقدير موقف

تونس على مفترق طرق هش: هل يمكن لأزمة الحكومة أن تتحول إلى أزمة دولة؟

 تدخل تونس مرحلة لا يمكن اختزالها في استمرار تضييق الحيز السياسي أو استمرار الصعوبات الاقتصادية. ويتمثل التطور الأكثر خطورة في اتساع الفجوة بين التمركز المفرط للسلطة حول الرئيس قيس سعيد وتراجع قدرة مؤسسات الدولة على العمل باستقلالية وكفاءة وفعالية.

لا تشير المؤشرات المتاحة إلى انهيار وشيك للنظام السياسي. كما أن المعارضة لا تمتلك حاليًا القدرة التنظيمية اللازمة لفرض انتقال سياسي في المدى القريب. ومع ذلك، فإن اجتماع عدة عوامل كعدم اليقين بشأن صحة الرئيس، واستمرار غياب المحكمة الدستورية، وضعف المؤسسات الوسيطة، وتراكم الضغوط الاجتماعية، جعل النظام أكثر عرضة لأزمة مفاجئة وقد تعجز الآليات الدستورية العادية عن احتواءها.

كما أثارت تقارير إعلامية إيطالية نُشرت في يوليو 2026 تساؤلات حول صحة سعيد، وزعمت أنه تعرض لوعكة صحية خطيرة. لم تؤكد السلطات التونسية هذه المزاعم. وقد نشرت مقاطع فيديو لرئيس قيس سعيد وهو يؤدي زيارات ميدانية ويباشر مهام أخرى كاجتماعات وزارية وغيرها من المهام الرسمية، ولكن من دون أي تعليق حول هذه الأخبار الرائجة.

ومع ذلك، تتجاوز أهميتها السياسية دقتها الواقعية، إذ كشفت عن قلق أعمق بشأن استمرارية سلطة الدولة في حال غياب الرئيس لفترة طويلة أو شغور منصبه فجأة.

يبقى السيناريو الأرجح خلال الأشهر المقبلة هو استمرار النظام السياسي القائم، مصحوبًا بمزيد من الانغلاق السياسي وتشتت إدارة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، سيزداد احتمال حدوث أزمة أكثر خطورة بشكل كبير إذا تزامن تراجع النشاط الرئاسي مع اضطرابات في الخدمات الأساسية، أو اتساع نطاق حركة الاحتجاج، أو تنافس داخل مؤسسات الدولة حول التفسير الدستوري لخلافة الرئيس.

النظام السياسي مستقر، لكن الدولة هشة مؤسسيًا

يستمر قيس سعيد في الهيمنة على عملية صنع القرار السياسي. حيث لا توجد مؤشرات علنية واضحة على وجود انقسامات جوهرية داخل المؤسسات العسكرية أو الأمنية، ولا تزال المعارضة متشرذمة وضعيفة تنظيمياً.

مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين هذه السيطرة السياسية الظاهرة وبين زيادة فعالية الدولة. فقد أدى ضعف البرلمان والأحزاب السياسية واستقلال القضاء والحكومات المحلية والإعلام المستقل والمجتمع المدني إلى تقليص دور عديد المؤسسات التي كانت قادرة تاريخيا على إدارة الصراعات الاجتماعية واستيعاب الضغوط السياسية.

نتيجة لذلك، طورت تونس نموذجاً سياسياً يجمع بين رئاسة تتمتع بصلاحيات واسعة وإدارة تتسم بالحذر والتردد ومحدودية المبادرة.

من ناحية لأخرى يعمل كبار البيروقراطيين بشكل متزايد تحت وطأة الخوف من الإقالة أو التحقيق أو الملاحقة القضائية. وهذا يشجع على حماية البيروقراطية لنفسها، فيتجنب المسؤولون توقيع القرارات الحساسة، ويؤجلون الملفات المعقدة، ويحيلون المسؤولية إلى الرئاسة. وهكذا، أصبحت المركزية، التي قُدِّمت كوسيلة لاستعادة السلطة والكفاءة، أحد أسباب الشلل المؤسسي.

يتضح التناقض الجوهري للنظام الحالي بشكل متزايد: فالرئاسة تتمتع بنفوذ سياسي كبير، لكن الدولة المحيطة بها أقل قدرة على العمل باستقلالية.

 التساؤلات حول صحة الرئيس مشكلة تتعلق بالخلافة، وليست مجرد مسألة طبية

بموجب دستور ٢٠٢٢، تُناط إدارة الشغور الدائم في منصب الرئاسة بالمحكمة الدستورية، التي يتولى رئيسها المنصب مؤقتًا لمدة تتراوح بين ٤٥ و٩٠ يومًا. إلا أن المحكمة الدستورية لم تُنشأ بعد.

يُحدث هذا الغياب فجوة مؤسسية كبيرة. فالآلية الدستورية موجودة نظريا، لكن المؤسسة غير موجودة عمليًا.

ويزداد الوضع تعقيدًا بسبب الإرث القانوني والسياسي للمرسوم الرئاسي رقم ١١٧ الصادر في ٢٢ سبتمبر ٢٠٢١. وقد يُؤدي التداخل المستمر بين الترتيبات الاستثنائية التي وُضعت في عام ٢٠٢١ والنظام الدستوري الذي طُبّق في عام ٢٠٢٢ إلى تفسيرات متضاربة في حال حدوث شغور مفاجئ في منصب الرئيس أو عجزه عن أداء مهامه.

لذا، فإن السؤال الأساسي ليس ببساطة: من سيخلف قيس سعيد؟

السؤال الأهم هو: أي مؤسسة تمتلك السلطة القانونية والشرعية السياسية والقدرة العملية لفرض تفسيرها لاستمرارية الدولة؟

في نظام سياسي شديد النزعة الفردية، لا تعدّ الخلافة تفصيلاً إدارياً، بل هو النقطة التي قد تكشف فيها القوة السياسية للرئاسة عن ضعف الدولة المؤسسي.

معارضة ضعيفة مع توسع القاعدة الشعبية للسخط

أدى سجن ومحاكمة شخصيات المعارضة، إلى جانب التشرذم المزمن للأحزاب السياسية، إلى تقليص قدرة منظمات المعارضة التقليدية على حشد الجماهير بشكل كبير.

لم يختفِ السخط السياسي، بل تحوّل جزئياً نحو عائلات المعتقلين والمحامين والصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان وشبكات المجتمع المدني غير الرسمية الأقل ارتباطاً بالأحزاب السياسية التي حكمت بعد عام 2011.

كان للاحتجاج الذي نُظّم في تونس في 16 مايو/أيار 2026 تحت شعار “الشعب جائع والسجون مكتظة” دلالة بالغة، لأنه ربط بين القمع السياسي وتدهور الأوضاع المعيشية. اضطلعت عائلات المعتقلين بدورٍ أكثر بروزًا في حملات المطالبة بالإفراج عنهم، وفي تيسير التنسيق بين التيارات السياسية التي كانت منقسمة سابقًا.

لا تتمتع هذه الحركات حاليًا بالقوة الكافية لإحداث تحول سياسي، إلا أنها تشير إلى تحول محتمل: إذ قد ينتقل العداء للسلطات تدريجيًا من بنية حزبية متشرذمة إلى تحالف اجتماعي وقانوني وحقوقي أوسع.

وسيصبح هذا التحالف أكثر تأثيرًا إذا تفاقمت أزمة غلاء المعيشة، أو إذا تواصل تدهور الخدمات العامة المؤثر على شرائح أوسع من السكان.

من احتواء المعارضين السياسيين إلى تفكيك المؤسسات الوسيطة

لم يعد الضغط مقتصراً على قادة الأحزاب والسياسيين البارزين، بل امتدّ ليشمل المحامين والصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان والناشطين المناهضين للعنصرية ومؤسسات المجتمع المدني.

في أبريل/نيسان ٢٠٢٦، عُلّقت عضوية الرابطة التونسية لحقوق الإنسان لمدة شهر. تُعدّ هذه المنظمة من أقدم هيئات حقوق الإنسان في المنطقة، وكانت عضواً في اللجنة الرباعية للحوار الوطني الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام ٢٠١٥. كما واجهت منظمات أخرى تعمل في مجالات الهجرة وحقوق المرأة وحرية الإعلام ضغوطاً إدارية وقضائية متزايدة.

في يونيو/حزيران ٢٠٢٦، أُيّد الحكم الصادر بحق الناشطة المناهضة للعنصرية سعدية مصباح بالسجن ثماني سنوات، بينما حكم على سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، بالسجن ٢٥ عاماً. ونظّم المحامون التونسيون إضراباً احتجاجاً على ما وصفوه بتقويض استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

قد تُعزز هذه الإجراءات قدرة السلطات على الردع السياسي على المدى القصير، إلا أنها تُفقد الدولة مؤسسات قادرة على التوسط بين السلطة والمجتمع.

عندما تضعف المنظمات القانونية والمدنية والمهنية، لا يزول الإحباط الشعبي، بل يفقد قنوات التفاوض والاحتواء. في ظل هذه الظروف، يُرجح أن تصل المظالم إلى الدولة عبر الاحتجاجات أو تعطيل العمل الإداري أو المواجهات الأمنية.

تحسن الاقتصادي محدودًا وليس خروجًا من الأزمة

سجلت تونس نموًا سنويًا حقيقيًا في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.6% في الربع الأول من عام 2026، بينما بلغ التضخم حوالي 5.3% في يونيو. تُشير هذه المؤشرات إلى تحسن نسبي، لكنها لا تُشير إلى انتعاش اقتصادي هيكلي أو تحسن مماثل في القدرة الشرائية للأسر.

انخفاض التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، ولا يعني عودتها إلى مستوياتها السابقة.

اتسع العجز التجاري إلى ما يقارب 12.57 مليار دينار تونسي خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنةً بنحو 9.9 مليار دينار خلال الفترة نفسها من عام 2025. كما انخفضت نسبة تغطية الصادرات.

لا تزال الدولة تواجه متطلبات تمويلية مرتفعة وقيوداً على الوصول إلى التمويل الخارجي، مما زاد من اعتمادها على الاقتراض المحلي وآليات التمويل الاستثنائية التي تشمل البنك المركزي.

يمكن لهذه الإجراءات أن توفر سيولة مؤقتة وتمكّن الدولة من الوفاء بالتزاماتها العاجلة. إلا أنها على المدى المتوسط، تُنذر بتزايد الضغوط على القطاع المصرفي والاستثمار الخاص واستقرار الأسعار.

لذا، فإن الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها تونس لا تقتصر على أزمة معدلات النمو، بل هي أزمة في الحوكمة الاقتصادية، والقدرة التمويلية، والتفاوت الإقليمي، وتدهور الخدمات العامة، وغياب نموذج تنموي موثوق طويل الأجل.

طبيعة الأزمة الراهنة

لا تواجه تونس حاليًا وضعًا ثوريًا مكتملًا، أو انقلابًا عسكريًا، أو انهيارًا اقتصاديًا شاملًا، بل تواجه أزمة متراكمة في الحوكمة.

تتألف هذه الأزمة من أربعة أبعاد مترابطة:

أولًا، أزمة شرعية سياسية تتجلى في تراجع المشاركة، وضعف التمثيل، وغياب توازن مؤسسي فعّال.

ثانيًا، أزمة مؤسسية ناجمة عن تركز السلطة في يد الرئاسة دون إنشاء هيئات بديلة قادرة على إدارة الدولة بكفاءة.

ثالثًا، أزمة اجتماعية اقتصادية تتجلى في البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، ونقص بعض الأدوية والسلع الأساسية، وتدهور الخدمات العامة.

رابعًا، أزمة خلافة كامنة ناجمة عن غياب المحكمة الدستورية، وعدم وجود آلية واضحة ومُجرّبة عمليًا لإدارة الشغور الرئاسي المفاجئ.

يمكن إدارة كل بُعد من هذه الأبعاد على حدة. مع ذلك، قد يؤدي تقارب هذه العوامل إلى تحويل تونس سريعًا من حالة استقرار هشة إلى أزمة سياسية ومؤسسية مفتوحة.

خريطة الجهات الفاعلة الرئيسية

الرئاسة

لا تزال الرئاسة أقوى جهة فاعلة سياسية، إذ تستفيد من صلاحيات دستورية واسعة، وضعف معارضيها، واستمرار تماسك المؤسسات القمعية.

ويكمن ضعفها الرئيسي في اعتمادها على الحضور الشخصي والسلطة المطلقة للرئيس قيس سعيد. فالرئاسة لا تمتلك حزبًا حاكمًا منضبطًا، ولا تسلسلًا هرميًا راسخًا للخلافة، ولا تنظيمًا سياسيًا واضح المعالم قادرًا على إدارة النظام في غياب الرئيس.

الحكومة وإدارة الدولة

تعمل الحكومة في المقام الأول كأداة تنفيذية وليست مركزًا مستقلًا لصنع السياسات.

ولا تزال هامش مناورتها محدودًا بسبب مركزية السلطة الرئاسية، ومحدودية الموارد المالية، وعزوف المسؤولين عن تحمل المسؤولية الفردية. وقد أدى ذلك إلى إدارة قادرة على تنفيذ التوجيهات المباشرة، لكنها تكافح لإدارة الخيارات السياسية المعقدة أو الحساسة سياسيًا.

المؤسسات الأمنية والعسكرية

لا توجد مؤشرات علنية موثوقة على وجود انقسامات جوهرية داخل المؤسسات الأمنية أو العسكرية، كما لا يوجد دليل واضح على سعي أيٍّ منهما للحكم المباشر.

ومع ذلك، ستبرز أهميتهما بشكل حاسم في حال حدوث فراغ رئاسي أو نزاع على السلطة الدستورية.

ومن المرجح أن تكون أولويتهما الحفاظ على استمرارية المؤسسات، ومنع الفوضى، وحماية سير عمل الدولة، بدلاً من السعي وراء مشروع سياسي مستقل. ومع ذلك، في أزمة خلافة، حتى الموقف المحايد ظاهرياً سيحمل ثقلاً سياسياً كبيراً.

المعارضة والمجتمع المدني

لا تزال المعارضة متشرذمة وتفتقر إلى قيادة موحدة. كما أن شريحة كبيرة من الرأي العام التونسي لا تزال تربط الأحزاب التي حكمت بعد عام ٢٠١١ بالفشل السياسي والفساد والتدهور الاقتصادي.

ومع ذلك، قد تتغير قدرتها على التعبئة إذا نجحت في ربط المطالب بالحريات السياسية بمظالم اجتماعية ملموسة كارتفاع الأسعار والبطالة ونقص المياه والخدمات الصحية.

الجزائر وإيطاليا: نهجان لتحقيق الاستقرار التونسي

تنظر الجزائر إلى استقرار تونس باعتباره امتدادًا لأمنها القومي. فالحدود المشتركة، واستمرار حالة عدم الاستقرار في ليبيا، والتحديات المترابطة المتمثلة في الإرهاب والتهريب والهجرة غير النظامية، تجعل من تونس فضاءً أمنيًا استراتيجيًا للجزائر.

في حال حدوث فراغ سياسي، من المرجح أن تُفضّل الجزائر انتقالًا سياسيًا يُدار من داخل مؤسسات الدولة التونسية القائمة، ويحافظ على التنسيق العسكري والأمني ​​الحالي.

لا يعني هذا أن الجزائر ستختار خليفة قيس سعيد مباشرةً، ولكنه يُشير إلى أن الجزائر ستُرجّح مقاومة ظهور قيادة يُنظر إليها على أنها تعتمد اعتمادًا كبيرًا على قوة أجنبية منافسة، أو قادرة على تحويل تونس بعيدًا عن علاقتها الأمنية الراسخة مع الجزائر.

من الجهة الأخرى تتعامل إيطاليا مع تونس من خلال إطار متوسطي أوسع يشمل إدارة الهجرة والطاقة والاستثمار والتجارة والأمن البحري.

دعمت حكومة جورجيا ميلوني سعيد كشريك قادر على ضبط الحدود وتنفيذ الاتفاقيات الثنائية والأوروبية. ومع ذلك، فإن هذا الدعم لا يمنع روما من الاستعداد لاحتمالية حدوث تغيير في القيادة مستقبلًا.

في هذا السياق، تستحق التقارير التي نشرتها صحيفة “إل فوليو” الإيطالية الانتباه. فقد انتقلت الصحيفة من مناقشة مسألة الخلافة علنًا إلى ذكر رجل الأعمال كامل غريبي كشخصية محتملة، ثم نشرت لاحقًا مزاعم غير مؤكدة بشأن صحة الرئيس.

لا توجد أدلة كافية للاستنتاج بأن هذه التقارير تمثل خطة رسمية للحكومة الإيطالية، أو أن روما قد اختارت خليفة مفضلًا. ومع ذلك، فهي تشير إلى أن إمكانية انتقال السلطة بعد سعيد تُناقش في بعض الأوساط السياسية والاقتصادية والإعلامية الإيطالية على الأقل.

يمكن فهم هذه التقارير كنوع من التحوط الاستراتيجي: اختبار رد فعل السلطات التونسية، وتطبيع النقاش العام حول قيادة بديلة، وتقليل خطر أن تُفاجأ إيطاليا بفراغ سياسي يهدد مصالحها.

تهتم الجزائر بالدرجة الأولى باستمرارية الدولة التونسية في بيئتها الأمنية المباشرة. أما إيطاليا، فتهتم أكثر باستمرارية الأدوار التي تؤديها تونس فيما يتعلق بالهجرة والطاقة والاستثمار والتعاون المتوسطي.

لا يتنافس البلدان بالضرورة على فرض خليفة معين. إلا أن مصالحهم قد تتباين بشأن طبيعة الترتيب السياسي الذي سيتبع عملية انتقال محتملة.

السيناريوهات

السيناريو الأول: استمرار الوضعية الحالية

يبقى قيس سعيد في منصبه، ويستأنف ظهوره العلني المنتظم، مع استمرار التكهنات حول صحته.

تواصل السلطات إدارة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية من خلال تدخلات إدارية محدودة، مع الحفاظ على الضغط على المعارضين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني.

يسجل الاقتصاد نموًا ضعيفًا أو متوسطًا دون إصلاحات هيكلية جوهرية. تبقى الاحتجاجات محدودة جغرافيًا ومهنيًا، وتفشل في تشكيل قيادة وطنية موحدة.

يبقى هذا السيناريو هو الأرجح، نظرًا لتماسك مؤسسات الدولة القمعية، وافتقار المعارضة للقدرة الكافية لفرض التغيير، وتفضيل شركاء تونس الخارجيين للاستمرارية على الانتقال غير المؤكد.

السيناريو الثاني: تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية وتفاقم أزمة الشرعية

يزداد احتمال هذا السيناريو إذا تزامنت انقطاعات المياه والكهرباء والنقل والأدوية أو السلع الأساسية مع المزيد من الملاحقات القضائية وأحكام السجن.

قد تنطلق الاحتجاجات في البداية استجابةً لمطالب محلية أو قطاعية، قبل أن تنضم إلى حملات ينظمها محامون ونشطاء وعائلات المعتقلين.

لا يُفضي هذا الحراك بالضرورة إلى الإطاحة بالنظام السياسي، ولكنه قد يدفع السلطات نحو اتخاذ إجراءات أمنية أكثر صرامة، أو إجراء تعديلات وزارية محدودة، أو تقديم تنازلات اقتصادية محددة.

ويُعدّ أهم مؤشر على ذلك هو امتداد الاحتجاجات من النخب السياسية في تونس إلى أحياء الطبقة العاملة، وعمال القطاع العام، والمناطق الداخلية، حيث يُرجّح أن يكون الدافع وراء الحراك هو المظالم المادية لا الانتماءات الأيديولوجية.

السيناريو الثالث: أزمة خلافة أو فراغ مفاجئ في مركز السلطة

قد يتحقق هذا السيناريو إذا أصبح الرئيس عاجزًا عن أداء مهامه بشكل خطير، أو تغيّب عن مهامه لفترة طويلة دون وجود آلية متفق عليها علنًا لنقل السلطة.

قد تظهر تفسيرات متضاربة حول تطبيق دستور 2022، والتبعات المؤسسية لغياب المحكمة الدستورية، واستمرار أهمية المرسوم رقم 117.

لن تكون النتيجة بالضرورة حربًا أهلية أو انهيارًا فوريًا للدولة، ولكنها قد تُفضي إلى أزمة شرعية حادة وتنافس بين الرئاسة ورئيس الحكومة ووزارة العدل والمؤسسات السيادية.

من المرجح أن تسارع الجزائر والدول الأوروبية، ولا سيما إيطاليا، إلى دعم أي ترتيب قادر على الحفاظ على استمرارية الدولة ومنع الفوضى.

الآثار الاستراتيجية

لا ينبع التهديد الرئيسي للنظام السياسي الحالي من قوة المعارضة، بل من اعتماد النظام على الرئيس وغياب آليات مستقرة لإدارة المرحلة الانتقالية.

نجح قيس سعيد في إضعاف خصومه، لكنه لم يُؤسس نسقاً وتنظيماً سياسيًا قادرًا على خلافته أو الحفاظ على مشروعه بمعزل عن سلطته الشخصية.

لذا، قد يبقى النظام مهيمنًا سياسيًا لسنوات، بينما يظل عاجزًا عن إدارة مرحلة انتقالية لا تتجاوز بضعة أيام.

قد يبدو الضغط على المجتمع المدني والقضاء والمحامين والإعلام وكأنه يُعزز السلطة، لكنه في الواقع يُزيل المؤسسات التي تعمل كآليات للوساطة والإنذار المبكر.

في غياب هذه المؤسسات، يقل احتمال وصول المطالب الاجتماعية إلى الدولة عبر المفاوضات، ويزداد احتمال ظهورها عبر الاحتجاجات أو الاضطرابات الإدارية.

اقتصاديًا، تُتيح المؤشرات الإيجابية نسبيًا للسلطات هامشًا محدودًا من الوقت، لكنها لا تُعالج المشاكل الأعمق المتمثلة في الاستثمار والتمويل والبطالة والتفاوت الإقليمي وتدهور الخدمات العامة. وبالتالي، سيظل الاقتصاد العامل الأقوى في تحويل السخط الشعبي الصامت إلى حراك فاعل.

خلاصة

من غير المرجح أن تشهد تونس انهيارًا سريعًا لنظامها السياسي خلال الفترة القليلة المقبلة.

النتيجة الأرجح هي استمرار حكم المنظومة الحالية، مصحوبًا بتزايد المركزية، واستمرار القيود السياسية، ومحاولات احتواء الضغوط الاجتماعية من خلال تدابير إدارية وأمنية محدودة، يخفي هذا الاستمرار الظاهري هشاشة متزايدة.

كلما طال تأجيل إنشاء المحكمة الدستورية وتوضيح ترتيبات الخلافة، وكلما زاد اعتماد مؤسسات الدولة على القرارات الشخصية للرئيس، زادت تكلفة أي غياب مفاجئ عن السلطة.

سواء كانت التطورات الأخيرة تظهر على أنها مؤشرات على دخول تونس مرحلة ما بعد سعيد أم لا، يبقى المؤشر الأهم الذي يشار اليه أن مسألة الخلافة قد انتقلت من مجرد تكهنات شخصية إلى المعادلة المحورية لاستقرار تونس.

إيهاب العاشق

باحث مختص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والدراسات الأمنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى