ندوات

«الجنوب الإفريقي والتحولات السياسية والأمنية الراهنة: رهانات الأمن وتحديات الاستقرار الإقليمي»

نظم المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي)، بالشراكة مع المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية (جسر)، حلقة نقاش تناولت التحولات السياسية والأمنية الراهنة في منطقة الجنوب الإفريقي، وما تطرحه من تحديات أمام الاستقرار الإقليمي. وأدار الحلقة الدكتور محمد صالح عمر، مدير المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات بتاريخ 8 سبتمبر 2026.
وافتتحت الحلقة بكلمة للدكتور محمد علي الشيحي، المدير التنفيذي للمعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية (جسر)، أكد فيها أهمية تناول التحولات التي تشهدها منطقة الجنوب الإفريقي في المرحلة الراهنة، بالنظر إلى تداخل أبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وانعكاساتها المتزايدة على الاستقرار الإقليمي.

وأشار الدكتور الشيحي إلى أن أهمية موضوع الحلقة تنبع من كون الجنوب الإفريقي يواجه مجموعة متزامنة من التحديات؛ فمن جهة تتعرض بعض التجارب الدستورية والديمقراطية لضغوط واختبارات متزايدة، ومن جهة أخرى تستمر بؤر العنف المسلح، بالتوازي مع تنامي إشكاليات الهجرة والعنف المناهض للأجانب، فضلًا عن الضغوط المرتبطة بالأمن الغذائي والصحي والتغيرات المناخية.

وأوضح أن هذه التطورات تستدعي تجاوز دراسة كل أزمة بصورة منفصلة، والنظر إلى المنطقة من منظور أكثر شمولا يربط بين الحوكمة والأمن والاستقرار السياسي والتحولات الاجتماعية والتحديات العابرة للحدود. كما شدد على أهمية إيلاء الجنوب الإفريقي مساحة أكبر في الدراسات الاستراتيجية العربية والإفريقية، وفهم التحولات الداخلية في دول المنطقة ضمن سياقها الإقليمي والقاري الأوسع.

وعقب الكلمة الافتتاحية، تولى الدكتور محمد صالح عمر، مدير المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي)، إدارة الحلقة، مقدمًا محاورها والمتدخلين.

تركز النقاش حول أربعة محاور رئيسية، تناولها المتدخلون تباعا:

المحور الأول: الضغوط على النظم الدستورية والديمقراطية – د. أحمد ساعد أستاذ العلاقات الدولية والمحاضر بجامعة كرابوك بتركيا

ركز الدكتور أحمد ساعد في مداخلته على الضغوط المتزايدة التي تواجه النظم الدستورية والتجارب الديمقراطية في دول الجنوب الإفريقي، مشيرًا إلى أن المنطقة، رغم ما راكمته بعض دولها من تجارب في الانتقال السياسي والتعددية الحزبية، تشهد خلال المرحلة الراهنة مؤشرات متفاوتة على تراجع الممارسة الديمقراطية وإضعاف بعض آليات الرقابة والمساءلة.

وتناول في هذا السياق عددًا من الحالات الوطنية التي تعكس اختلاف طبيعة هذه الضغوط من دولة إلى أخرى. ففي مدغشقر، يتركز التحدي حول إدارة المرحلة الانتقالية والعودة إلى النظام الدستوري، إلى جانب تنظيم حوار وطني وانتخابات قادرة على استعادة الشرعية والثقة في المؤسسات. أما في زيمبابوي، فتبرز مسألة تداول السلطة في ظل الجدل المتعلق بمحاولات تمديد الفترات الرئاسية، وما قد يترتب على توظيف التعديلات الدستورية لإطالة بقاء القيادات السياسية في الحكم.

 

وفي زامبيا، ترتبط التحديات بصورة أكبر بالبيئة السياسية المحيطة بالانتخابات، وبمساحة عمل المعارضة والمجتمع المدني وحرية الإعلام، فضلًا عن الجدل المتعلق باستخدام التشريعات المنظمة للفضاء الرقمي والسيبراني وتأثيرها في المجال العام.

كما أشار المتحدث إلى أن جنوب إفريقيا، رغم رسوخ مؤسساتها الدستورية مقارنة بعدد من دول المنطقة، ليست بمنأى عن التحديات، خاصة في ما يتعلق بالثقة في مؤسسات الدولة، ومساءلة القيادات السياسية، وفاعلية واستقلال مؤسسات إنفاذ القانون والعدالة. وفي إسواتيني، تظل محدودية الإصلاح السياسي وضيق نطاق المشاركة والتعددية من أبرز القضايا المطروحة.

وانتهى المحور إلى أن التحدي الذي يواجه المنطقة لا يقتصر على إجراء الانتخابات في حد ذاتها، وإنما يتعلق بصورة أعمق بـقدرة المؤسسات الدستورية على ضمان تداول السلطة، ونزاهة المنافسة السياسية، واستقلال القضاء والمؤسسات الرقابية، وحماية المجال المدني والإعلامي. ومن ثم فإن استقرار دول الجنوب الإفريقي يرتبط بصورة وثيقة بمدى قدرة نظمها السياسية على إدارة الخلافات والأزمات داخل الأطر الدستورية.

المحور الثاني: استمرار العنف المسلح في موزمبيق – أ. عبد الشكور عبد الصمد حسن محرر الشؤون الإقليمية بنيلوتيك بوست.

تناول الأستاذ عبد الشكور عبد الصمد حسن استمرار العنف المسلح في موزمبيق، ولا سيما في شمال البلاد، وما يمثله ذلك من تهديد يتجاوز البعد الأمني الداخلي ليطرح تحديات على الاستقرار الإقليمي.

وتركز النقاش على استمرار نشاط الجماعات المسلحة، وقدرتها على استغلال الهشاشة المحلية والاختلالات الاقتصادية والاجتماعية وضعف حضور الدولة في بعض المناطق. كما أشار المحور إلى التداعيات الإنسانية للأزمة، خاصة حركة النزوح وتضرر السكان المدنيين وتعطل الأنشطة الاقتصادية.

وأبرزت المداخلة أن معالجة الأزمة الموزمبيقية لا يمكن اختزالها في المقاربة العسكرية والأمنية، إذ يرتبط استمرار العنف أيضًا بعوامل محلية تتعلق بالتنمية والحوكمة وعلاقة الدولة بالمجتمعات المحلية. ولذلك تظل استعادة الأمن مرتبطة بمعالجة البيئة التي تسمح للجماعات المسلحة بإعادة إنتاج نفوذها.

المحور الثالث: تسييس الهجرة والعنف المناهض للأجانب – د. إبراهيم عرفات أستاذ العلاقات الدولية بجامعة حمد والباحث الأول بمركز جسر

خصص الدكتور عرفات مداخلته لقضية الهجرة وتصاعد الخطابات والممارسات المناهضة للأجانب في عدد من مجتمعات الجنوب الإفريقي.

وتناول المحور كيفية انتقال الهجرة من قضية اجتماعية واقتصادية إلى قضية سياسية وأمنية تدخل بصورة متزايدة في الخطابات الحزبية والنقاشات الانتخابية. وفي ظل البطالة والتفاوت الاقتصادي والضغط على الخدمات العامة، يمكن أن تتحول فئات المهاجرين إلى هدف لتحميلها مسؤولية مشكلات ذات جذور اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية أكثر تعقيدًا.

كما تناول المتحدث مخاطر تحول الخطاب المناهض للمهاجرين إلى أعمال عنف أو تمييز، وما يترتب على ذلك من آثار على التماسك الاجتماعي والعلاقات بين دول المنطقة، خصوصًا في فضاء يتميز تاريخيًا بحركة كثيفة للسكان والعمال عبر الحدود.

المحور الرابع: الأزمات الصحية والغذائية والمناخية – ياسر محمد العبيد دفع الله الأستاذ المحاضر بجامعة إفريقيا العالمية

تناولت المداخلة الرابعة لدكتور ياسر محمد العبيد دفع الله تداخل الأزمات الصحية والغذائية والمناخية وتأثيراتها على أمن واستقرار دول الجنوب الإفريقي. وأبرزت أن مفهوم الأمن الإقليمي لم يعد مقتصرًا على الصراعات المسلحة أو حماية الحدود، بل أصبح يشمل قدرة الدول والمجتمعات على مواجهة الصدمات المناخية والصحية والاقتصادية.

وتؤدي موجات الجفاف والفيضانات والظواهر المناخية المتطرفة إلى ضغوط مباشرة على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي وموارد المياه، بينما تتضاعف آثارها في الدول والمناطق التي تعاني أصلًا من الفقر وضعف البنية التحتية ومحدودية قدرة المؤسسات العامة على الاستجابة.

ومن هذا المنظور، شدد المحور على الترابط بين الأمن المناخي والأمن الغذائي والأمن الصحي والاستقرار السياسي والاجتماعي، وعلى ضرورة تطوير آليات إقليمية للإنذار المبكر والتنسيق والاستجابة للأزمات بدل التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة.

خلاصة

أظهرت الحلقة أن التحولات الراهنة في الجنوب الإفريقي لا يمكن تفسيرها من خلال العامل الأمني وحده. فالضغوط على المؤسسات الديمقراطية، واستمرار العنف المسلح في موزمبيق، وتسييس الهجرة وتصاعد العنف المناهض للأجانب، والأزمات المناخية والغذائية والصحية، تمثل أبعادًا مترابطة لأزمة أوسع تتعلق بقدرة الدولة ومؤسساتها على إدارة التحولات السياسية والاجتماعية والأمنية.

وعليه، برزت خلال النقاش أهمية تبني مقاربة شاملة للاستقرار الإقليمي تجمع بين ترسيخ الحكم الدستوري، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومعالجة جذور النزاعات، وحماية التماسك الاجتماعي، وتحسين الاستجابة للأزمات العابرة للحدود، مع تعزيز التعاون بين دول الجنوب الإفريقي ومؤسساتها الإقليمية.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى