ترجمات

النزوح الأفريقي العابر للحدود في ظل حراك 30 يونيو في جنوب أفريقيا

شريشثا ميد باحثة في مرحلة الدكتوراه بقسم الدراسات الأفريقية في جامعة دلهي. وهي متخصصة في مجالات الأمن الدولي، والشؤون الأفريقية، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.

 

  • 24 يوليو 2026
  • يوراسيا ريفيو

أبرز النقاط:

  • عزو البطالة خطأً إلى الهجرة: تُعد معدلات البطالة المرتفعة بمفهومها الموسع في جنوب أفريقيا (43.7% في الربع الأول من عام 2026) أزمة حقيقية، إلا أن الأبحاث تشير إلى أن ترحيل جميع الرعايا الأجانب لن يخفض هذا المعدل إلا بنحو ست نقاط مئوية؛ إذ تتمتع العمالة الوافدة بمعدلات استيعاب وظيفي أعلى، مما يدل على وجود مشكلات هيكلية أعمق في سوق العمل، وليس الهجرة كسبب رئيسي.
  • عمليات الإعادة الطارئة تكشف عن ضعف مؤسسي: قبيل الموعد النهائي في 30 يونيو، نظمت دول -من بينها غانا ونيجيريا وملاوي وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية- عمليات عودة طوعية واسعة النطاق (شملت أكثر من 25 ألف شخص بحلول أواخر يونيو)، مما كشف عن هشاشة آليات حوكمة التنقل الإقليمي وعدم تطبيق بروتوكول الاتحاد الأفريقي بشأن حرية تنقل الأشخاص بشكل شبه كامل.
  • الحاجة إلى حلول إقليمية هيكلية: تضافرت في هذه الأزمة عوامل عدة، شملت الانتهازية السياسية (المرتبطة بالانتخابات البلدية)، وتراكم أعمال العنف القائمة على كراهية الأجانب، وضغوطاً من دول المنشأ؛ ولذا تتطلب الحلول المستدامة تحسين مسارات توثيق الأوضاع القانونية في جنوب أفريقيا، وتفعيل أطر التنقل القارية، ومعالجة الدوافع التنموية للهجرة بدلاً من الاكتفاء بدورات من إجراءات الإنفاذ وعمليات الإجلاء الطارئة.

أثارت احتجاجات جنوب أفريقيا المناهضة للهجرة في يونيو/حزيران 2026 تعليقات واسعة النطاق حول أعمال العنف خارج نطاق القانون، والنظام الدستوري، والانتهازية السياسية. ومع ذلك، ظلّ جزء كبير من تلك التعليقات محصورًا في الشأن المحلي. لم يكن الأشخاص الذين فرّوا أو لجأوا أو اصطفّوا للعودة إلى أوطانهم في الأسابيع التي سبقت الموعد النهائي في 30 يونيو/حزيران مجرد ضحايا سلبيين للسياسة الجنوب أفريقية، بل كانوا مشاركين في نظام تنقل إقليمي أوسع نطاقًا، تشكّل بفعل التنمية غير المتكافئة، والاختناقات الإدارية، وضعف المؤسسات القارية. إنّ تحليل الأزمة من منظور النظام العام في جنوب أفريقيا فقط يُغفل دلالاتها الهيكلية الأوسع.

أزمة سوق العمل والنسب الخاطئ للأسباب

تُعد أزمة سوق العمل في جنوب أفريقيا حقيقية وتنطوي على فتيل قابل للاشتعال سياسياً؛ فقد بلغ معدل البطالة الموسع 43.7% في الربع الأول من عام 2026، مع وجود أكثر من 8.1 مليون شخص بلا عمل. ورغم مشروعية حالة الإحباط هذه، فإن وجود بطالة حادة لا يعني بالضرورة أن المهاجرين هم السبب الرئيسي لها. فقد أظهرت حسابات باحثين من جامعة “ويتس” (Wits University) أنه حتى في حال إبعاد جميع الرعايا الأجانب، فإن معدل البطالة سينخفض ​​بمقدار ست نقاط مئوية فقط، من 43.6% إلى 37.6%. كما كشفت بيانات هيئة الإحصاء في جنوب أفريقيا -التي عُرضت أمام البرلمان- أن احتمالية حصول المهاجرين (المولودين في الخارج) على عمل كانت تبلغ ضعف احتمالية حصول المواطنين المحليين على عمل، حيث بلغ معدل الاستيعاب في سوق العمل 64% للأجانب مقابل 37.7% للمحليين. وبدلاً من التساؤل عن أسباب تفضيل أصحاب العمل للعمالة الأجنبية، تمثلت استجابة الحكومة في تشديد إجراءات الإنفاذ القانوني.

 

ويزيد توقيت تصاعد الأحداث في عام 2026 من تعقيد المشهد؛ فوفقاً لبيانات مشروع “أكليد” (ACLED)، نُظمت قرابة 100 مظاهرة في يوم 30 يونيو وحده، ليصل إجمالي المظاهرات في ذلك الشهر إلى 150 مظاهرة على الأقل، وهو ما يتجاوز مجموع المظاهرات المناهضة للمهاجرين التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الاثني عشر السابقة مجتمعة. ومنذ عام 2022، ارتبطت 148 حالة وفاة على الأقل بهجمات استهدفت المهاجرين. لم يكن هذا غضباً شعبياً عفوياً؛ إذ ربطت تحليلات متعددة هذه الموجة مباشرة بانتخابات المجالس المحلية التي جرت في نوفمبر. لقد كانت التعبئة المناهضة للمهاجرين أقرب إلى استراتيجية سياسية تهدف إلى توجيه مسار الانتخابات منها إلى كونها رد فعل اجتماعياً عفوياً، وقد ساعدت في ذلك حملات تضليل عبر تطبيق “واتساب” تضمنت توزيع منشورات صُممت لتبدو وكأنها إخطارات حكومية رسمية بالترحيل. كما يتطلب حجم الهجرة بحد ذاته دقةً في الطرح المفاهيمي؛ فقد بلغ عدد المقيمين المولودين في الخارج في جنوب أفريقيا حوالي 2.4 مليون نسمة عام 2022 (أي ما يعادل 3.9% من إجمالي السكان)، ارتفاعاً من نحو 958 ألف نسمة عام 1996. ورغم تزايد معدلات الهجرة، إلا أن البلاد لم تشهد “هيمنة ديموغرافية”؛ ولذا ينبغي رفض أي حجة تستند إلى تقديرات سكانية غير رسمية ومبالغ فيها للغاية، باعتبارها تفتقر إلى السلامة المنهجية.

عمليات الإعادة إلى الوطن الطارئة كدليل على الهشاشة المؤسسية الإقليمية

لم تكن الأحداث التي سبقت 30 يونيو مثالاً على إدارة منظمة للهجرة، بل كانت استجابة طارئة لأزمة؛ فقد بدأت غانا عمليات الإعادة الطوعية في أواخر مايو، حيث سُجِّل أكثر من 800 مواطن للإجلاء. وأعادت نيجيريا دفعة أولى ضمت 262 راكباً، مع تسجيل أكثر من 1000 مواطن للعودة. وتثير عملية إعادة المواطنين النيجيريين من جنوب أفريقيا تساؤلاً يستحق ما هو أكثر من مجرد إشارة عابرة: فنيجيريا تُعد أكبر اقتصاد في أفريقيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، ومع ذلك بلغت نسبة البطالة بين الشباب فيها 53% عام 2025، وفقاً لتقرير “حالة الشباب النيجيري”. وقد تجلى الضغط بوضوح شديد في حالة مالاوي؛ إذ اصطف ما يقدر بنحو 10,000 مواطن مالاوي في موقع مؤقت بالقرب من ديربان، حيث أدت التأخيرات في إنجاز الإجراءات إلى اندلاع احتجاجات خاصة بهم.

أعادت جنوب أفريقيا 2,745 أجنبياً إلى بلدانهم خلال أسبوع واحد في منتصف يونيو، وأنجزت إجراءات عودة 15,162 مالاوياً بحلول 25 يونيو. وبحلول 30 يونيو، كان قد تم ترحيل أكثر من 25,000 شخص. وانضمت كل من كينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية إلى قائمة الدول التي طلبت عمليات العودة الطوعية. وتُعد هذه الممارسات سمات إدارية لعمليات الإجلاء الطارئة، لا لحوكمة إقليمية منظمة. أما بروتوكول الاتحاد الأفريقي بشأن حرية تنقل الأشخاص -الذي صُمم لإرساء أساس قانوني لحوكمة أفضل للتنقل داخل القارة- فلم تصادق عليه سوى أربع دول بحلول عام 2025، وهو عدد يقل كثيراً عن النصاب اللازم لدخوله حيز التنفيذ. وقد كشفت أزمة يونيو 2026 عن تناقض مألوف: فالأسواق الأفريقية للعمل متكاملة إقليمياً، لكن حوكمة التنقل في أفريقيا تظل ضعيفة من الناحية القانونية ومحدودة التنفيذ من الناحية السياسية؛ إذ يواصل المهاجرون تنقلهم عبر أنظمة تتأرجح بين الإهمال، والتجريم، والاستجابة الطارئة.

الأضرار الإنسانية تتجاوز مشهد الاحتجاجات

لقد أدى التركيز العام على أعداد المحتجين وانتشار قوات الشرطة إلى خطر حجب الأضرار المتراكمة التي سبقت المظاهرات؛ فقد أبلغت موزمبيق عن مقتل خمسة من مواطنيها قبل نهاية شهر مايو. وبحلول 30 يونيو، كان ما لا يقل عن أربعة أشخاص قد لقوا حتفهم في الفترة التي سبقت الاحتجاجات. ومن بين الضحايا “بشيرو إسحاق”، وهو خياط غاني يبلغ من العمر 40 عاماً وأب لثلاثة أطفال، حيث قُتل بالرصاص داخل متجره في منطقة “خايليتشا” في 30 يونيو، وهو ما أكدته وزارة الخارجية الغانية. والجدير بالذكر أن “إسحاق” لم يكن مهاجراً غير موثق؛ إذ أفادت وكالة “رويترز” بأن العديد من الأفراد المستهدفين “يحملون وثائق قانونية ولديهم حياة مستقرة في البلاد”.

وفي 30 يونيو، جرى اعتقال أكثر من 900 شخص، لم يكن من بينهم سوى 300 تقريباً من المهاجرين غير الموثقين، بينما اعتُقل الباقون بتهم تتعلق بأعمال النهب والعنف والتحريض. وبحلول عام 2026، كان قد تم اعتقال أكثر من 40 ألفاً من الرعايا الأجانب منذ شهر يناير. وتوثق سجلات منظمة “زينوواتش” (Xenowatch) -التي تغطي الفترة منذ عام 1994- مقتل ما يقرب من 700 شخص، ونزوح 128 ألفاً آخرين، ونهب أكثر من 5600 متجر ومنشأة تجارية في هجمات مدفوعة بكراهية الأجانب، وسط معدلات مقاضاة منخفضة للغاية لدرجة ترقى إلى مستوى الإفلات الفعلي من العقاب. لذا، لا ينبغي النظر إلى أحداث يونيو 2026 باعتبارها موجة غضب عابرة ومعزولة، بل كحلقة جديدة في سلسلة متكررة يتحول فيها المهاجرون إلى كبش فداء سياسي خلال فترات الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

 

ضغوط بلدان المنشأ ودوافع حركة الهجرة

لا تُعد الهجرة إلى جنوب أفريقيا أمراً عشوائياً، بل هي نتاج لتفاوتات مستمرة في الفرص ومستويات الأمن والقدرة على الحوكمة في أرجاء المنطقة. فقد بلغ صافي معدل الهجرة من زيمبابوي -60,528 شخصاً في عام 2024، حيث حصل 35,938 عاملاً في قطاع الصحة على تأشيرات دخول إلى المملكة المتحدة في عام واحد؛ أما بالنسبة لأولئك الذين لا تتاح لهم فرصة الحصول على تأشيرة للمملكة المتحدة، فتظل جنوب أفريقيا هي الوجهة البديلة المعتادة. وفي نيجيريا -التي تمتلك أكبر اقتصاد في أفريقيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي- تصل معدلات البطالة بين الشباب إلى 53%، بينما يعيش 82.9 مليون نسمة تحت خط الفقر؛ إذ لا يترجم ضخامة الناتج المحلي الإجمالي بالضرورة إلى فرص موزعة عادلة في ظل محدودية قدرة الدولة على تقديم الخدمات. ورغم ما تعانيه جنوب أفريقيا من اختلالات وظيفية، فإنها توفر عوائد للعمالة الماهرة وشبه الماهرة لا تتوفر ببساطة داخل نيجيريا بمستويات مماثلة. لذا، فإن الهجرة النيجيرية نحو الجنوب ليست شذوذاً جغرافياً، بل هي نتيجة متوقعة لفشل توزيع ثمار النمو الاقتصادي الكلي. وتؤكد سجلات الترحيل في جنوب أفريقيا استمرار هذه الدورة؛ فقد قامت وزارة الشؤون الداخلية بترحيل 57,784 شخصاً خلال الفترة 2025-2026، مسجلة بذلك زيادة بنسبة 46% على مدار عامين، في حين لم تشهد أعداد الوافدين بطرق غير نظامية انخفاضاً موازياً لذلك.

مسار للمضي قدماً

يصعب تجاهل التوقيت السياسي لهذه الأزمة؛ فقد ربطت تقارير عديدة صدرت في يونيو 2026 بين صعود حركة “مارش آند مارش” (March & March) والتشكيلات المرتبطة بها وبين اقتراب موعد الانتخابات المحلية في جنوب أفريقيا في وقت لاحق من ذلك العام. ولا يعني هذا أن كل مشارك في حملات مناهضة المهاجرين كان مدفوعاً بأهداف انتخابية، ولكنه يعني أن “رواد العمل السياسي” وجدوا حوافز لتحويل حالة الإحباط الاجتماعي والاقتصادي المشتتة إلى عدو محدد وواضح المعالم. وهذا أحد الأسباب التي تجعل الأدلة المتاحة تدعم صياغة أكثر دقة وحزماً من تلك التي طُرحت في المسودة الأولية: إذ لم تكن التعبئة المناهضة للمهاجرين مجرد رد فعل اجتماعي عفوي، بل كانت أيضاً أداة سياسية لإعادة توجيه المسارات. وإذا كان هذا التشخيص صحيحاً، فإن الاستجابة الإقليمية لا يمكن أن تقتصر على موجات الترحيل وعمليات الإجلاء العشوائية أو المؤقتة؛ بل تتطلب ثلاثة أمور على الأقل.

أولاً، تحتاج جنوب أفريقيا إلى توفير مسارات أكثر مصداقية لتسوية الأوضاع القانونية والتوثيق، وذلك للحيلولة دون أن تؤدي حالة عدم الاستقرار الإداري للمهاجرين إلى تغذية ممارسات “العدالة الذاتية” (قيام أفراد بفرض القانون بأنفسهم).

ثانياً، يتعين على المؤسسات الإقليمية تجاوز مرحلة الالتزام الشكلي (الخطابي) وبناء أطر قانونية للتنقل تحد من المساحات التي تزدهر فيها شبكات التهريب والانتهازيون السياسيون.

ثالثاً، يجب التعامل مع الأزمات في دول المنشأ باعتبارها جزءاً من منظومة حوكمة الهجرة، وليس كقضية منفصلة عنها. لقد أثبتت أزمة يونيو 2026 أنه في غياب الحوكمة الإقليمية، لا تتوقف حركة التنقل، بل تعود لتظهر في صور قسرية ومثيرة للذعر وتتسبب في توترات دبلوماسية.

تُعد جنوب أفريقيا في هذه اللحظة نموذجاً اختبارياً بالغ الأهمية؛ فهي تمتلك واحداً من أكثر الأطر الدستورية تقدماً في القارة، وشبكة كثيفة من المؤسسات البحثية القادرة على صياغة سياسات قائمة على الأدلة، فضلاً عن امتلاكها -إذا اختارت توظيف ذلك- تأثيراً حقيقياً على المعايير الإقليمية من خلال مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي (SADC) والاتحاد الأفريقي. وسواء اختارت الدولة توظيف هذه المقومات لبناء إطار إقليمي حقيقي لحوكمة الهجرة، أو استمرت في الدوران في حلقة مفرغة تشمل إجراءات الإنفاذ الأمني ​​والأزمات وعمليات الترحيل، فإن ذلك لن يحدد فقط مصير الموجة القادمة من الملاويين الذين يلجؤون حالياً إلى القاعات المجتمعية في مقاطعة “ويسترن كيب”، بل سيحدد أيضاً مسار حوكمة التنقل داخل أفريقيا لجيل كامل.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى