تحليلات

مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة 2026 من التعاون الأمني إلى السياسة الأمنية والاقتصادية معا

 

عُقد مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة الأخير 2026 في لواندا، عاصمة أنغولا، في الفترة من 30 يونيو إلى 1 يوليو 2026. وقد شاركت القوات المسلحة الأنغولية والقيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) في استضافة النسخة العاشرة من المؤتمر، الذي جمع رؤساء أركان الدفاع وكبار المسؤولين من أكثر من 35 دولة أفريقية، إلى جانب مسؤولين من الولايات المتحدة والبرازيل وشركاء آخرين. وكان شعار المؤتمر: “تعزيز نقاط قوتنا – الارتقاء بالأمن الإقليمي من أجل ازدهار دائم“.

لم يكن مؤتمر ACHOD 2026 مجرد اجتماع لمكافحة الإرهاب، بل كشف جدول أعماله عن تحول أوسع في صياغة مفهوم الأمن الأفريقي. ورغم أن الإرهاب والجريمة العابرة للحدود لا يزالان يشكلان هاجسين رئيسيين، إلا أن النقاشات ربطت بشكل متزايد بين الأمن العسكري والوصول البحري، والحرب المعلوماتية، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والبنية التحتية الحيوية، والاستثمار الخاص، والإنتاج الدفاعي المحلي.

وبرزت أربع استنتاجات رئيسية:

يُعاد النظر في مفهوم الأمن الأفريقي باعتباره مشكلة مترابطة وعابرة للحدود. ولا تستطيع الدول منفردةً مواجهة المنظمات التي تتنقل بين المناطق، وتستغل المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومات، وتستخدم أنظمة مالية واتصالات عابرة للحدود.

يتحول المجال المعلوماتي إلى ساحة عسكرية رسمية. ولم يعد يُنظر إلى مكافحة التضليل الإعلامي على أنها مجرد إدارة إعلامية، بل كقدرة عملياتية مرتبطة بالردع والشرعية والاستقرار السياسي.

وأصبح اقتصاديات الدفاع عنصرًا أساسيًا في المؤتمر. ولأول مرة، ضمّ مؤتمر ACHOD مائدة مستديرة مخصصة للصناعة، جمعت بين القادة العسكريين وشركات التكنولوجيا ومؤسسات التمويل التنموي والوكالات الحكومية.

أسفر المؤتمر عن مبادرات ثنائية هامة، لكن الالتزامات الجماعية كانت محدودة. كانت الشراكة بين الحرس الوطني الأنغولي والأوهايو ثمرة ملموسة، إلا أن وثائق المؤتمر المتاحة للعموم لم تُرسِ آلية قيادة أفريقية دائمة، أو هيكل تمويل مشترك، أو جدولاً زمنياً عملياتياً ملزماً.

لذا، مثّل المؤتمر منتدى استراتيجياً هاماً، ولكنه لم يُشكّل بعدُ بنية أمنية قارية.

1. خلفية المؤتمر

تطورت منظمة ACHOD لتصبح إحدى أهم المنتديات التي تربط القيادات العسكرية الأفريقية بالقيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم). وكان اجتماع عام ٢٠٢٦ هو النسخة العاشرة، واستمر على نهج عقد المؤتمر في دولة أفريقية بدلاً من اقتصاره على المنشآت العسكرية الأمريكية أو الأوروبية. وقد استضافت بوتسوانا النسختين السابقتين عام ٢٠٢٤ وكينيا عام ٢٠٢٥.

ترأس مؤتمر لواندا كل من الجنرال ألتينو كارلوس خوسيه دوس سانتوس، رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الأنغولية، والجنرال داغفين ر. أندرسون، قائد أفريكوم. وتحدث كبار القادة العسكريين الأمريكيين، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين ونائبه الجنرال كريستوفر ماهوني، إلى المشاركين عبر الإنترنت.

وقدّم المسؤولون الأنغوليون هذا الحدث باعتباره منتدى يربط بين السلام والسيادة الوطنية والاستقرار والازدهار الاقتصادي. أكد جواو إرنستو دوس سانتوس، وزير الدولة الأنغولي ورئيس ديوان الشؤون العسكرية الرئاسي، أن السلام يتطلب تعاونًا مستمرًا والتزامًا مؤسسيًا، بدلًا من اعتباره حالة دائمة.

يتمتع الموقع بأهمية استراتيجية بالغة، إذ تقع أنغولا بين وسط وجنوب أفريقيا، وتمتلك ساحلًا ممتدًا على المحيط الأطلسي، وتلعب دورًا محوريًا في ممر لوبيتو الذي يربطها بجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا. ونتيجةً لذلك، ربط المؤتمر التعاون العسكري القاري بالممرات البحرية، وأمن البنية التحتية، وسلاسل إمداد المعادن، والاستثمار الإقليمي.

2. المحاور الرئيسية للمؤتمر

2.1 تأمين المشاعات العالمية

ناقش المنتدى الرئيسي الأول، بعنوان “المشاعات العالمية – تجاوز الحدود“، التهديدات الأمنية التي تتجاوز الحدود الوطنية، وتتداخل فيها المجالات البرية والبحرية والجوية. وتركزت المناقشات على الممرات البحرية، والمجال الجوي المشترك، وشبكات التهريب، وصعوبة ملاحقة المنظمات المسلحة أو الإجرامية العاملة عبر ولايات قضائية متعددة.

حدد قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، الجنرال أندرسون، على وجه الخصوص، المنظمات المتطرفة العنيفة وشبكات تهريب المخدرات كجهات فاعلة تعمل بشكل متزايد عبر هياكل دولية. وكانت حجته الأساسية هي ضرورة تطوير المؤسسات الأمنية لشبكات مماثلة لتبادل المعلومات الاستخباراتية والتواصل والاستجابة المنسقة.

يعكس هذا النهج مشكلة جوهرية في التعاون الأمني ​​الأفريقي: فالمنظمات المسلحة غالباً ما تعمل على المستوى الإقليمي، بينما تظل الاستجابات العسكرية والاستخباراتية مجزأة على المستوى الوطني.

ويتجلى هذا التفاوت في عدة جبهات:

تتنقل المنظمات الجهادية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر وساحل غرب أفريقيا. وتنشط حركة الشباب في جميع أنحاء الصومال، وتدير شبكات تؤثر على كينيا ومنطقة القرن الأفريقي ككل. وتستغل المنظمات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية الروابط بين موزمبيق وتنزانيا ومنطقة البحيرات العظمى. وتربط شبكات التهريب البحري خليج غينيا وموانئ المحيط الأطلسي وممرات الصحراء الكبرى.

وقد أقر المؤتمر، بشكل صحيح، بأن التهديدات الإقليمية لا يمكن احتواؤها من قبل القوات الوطنية التي تعمل بمعزل عن بعضها البعض. ومع ذلك، لم يعلن المؤتمر علناً عن مركز دائم لدمج المعلومات الاستخباراتية أو هيكل قيادة على مستوى القارة.

2.2 مجال المعلومات

ركز المنتدى الثاني، بعنوان “مجال المعلومات – امتلاك زمام القصة“، على التضليل الإعلامي، وعمليات التأثير الخارجية، والتواصل الحكومي، ومصداقية المؤسسات. واعتبر المؤتمر عمليات المعلومات عنصرًا أساسيًا في الحرب المعاصرة، لا مجرد وظيفة ثانوية للعلاقات العامة.

وصف الجنرال ماهوني بيئة المعلومات بأنها “أرضية خصبة”، وأكد على ضرورة أن تدافع المؤسسات العسكرية عن المعلومات الموثوقة بنفس الجدية التي تدافع بها عن أراضيها. وحذر من أن شبكات التأثير الخارجية قد تستغل المظالم المحلية، وانعدام الثقة، والاستقطاب السياسي لزعزعة استقرار الحكومات.

يمثل هذا تحولًا عقائديًا هامًا. فقد اعتادت الحكومات الأفريقية التعامل مع الروايات المعادية كمشاكل تُحل عبر الرقابة، أو الاعتقالات، أو القيود المفروضة على الصحافة. ​​أما تركيز منظمة “أكود” على التواصل الشفاف والمعلومات الموثوقة، فقد أوحى بنهج مختلف: إذ يجب على الحكومات التنافس على الشرعية العامة بدلًا من مجرد قمع الروايات المنافسة.

ومع ذلك، ترك المؤتمر توترًا لم يُحسم. قد يُعزز مفهوم مكافحة التضليل التواصل الاستراتيجي، ولكنه قد يُستخدم أيضًا لتصنيف النقد المشروع كتهديد أمني. فبدون ضمانات قانونية، ورقابة مستقلة، وتعريفات واضحة، يُمكن أن تُصبح حرب المعلومات ذريعةً للقمع السياسي.

2.3 الأمن والاستثمار والازدهار الاقتصادي

كان المنتدى الثالث، بعنوان “الفرص الاقتصادية – الربط بين الاستقرار والازدهار“، أحد أبرز عناصر مؤتمر ACHOD 2026. وقد ربط هذا المنتدى المؤسسات الدفاعية بوكالات تمويل التنمية، والمستثمرين التجاريين، ومسؤولي التجارة الحكوميين.

أكد المشاركون أن انعدام الأمن يزيد من المخاطر التجارية، ويُثبط الاستثمار، ويُلحق الضرر بشبكات النقل، ويُقلل من إيرادات الدولة. في المقابل، قد يُساهم الاستثمار في البنية التحتية، والتوظيف، والأنظمة الاقتصادية المرنة في الحد من بعض الظروف التي تستغلها المنظمات المتمردة والإجرامية.

ناقش ممثلو مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية وإدارة التجارة الدولية موضوعات التأمين ضد المخاطر السياسية، وتمويل البنية التحتية، والطاقة، والمعادن الحيوية، والتحول الرقمي، والتصنيع. أشارت مؤسسة تمويل التنمية إلى إمكانية حصول المشاريع التجارية المؤهلة على تأمين ضد المخاطر السياسية يصل إلى مليار دولار.

عُرض ممر لوبيتو كنموذج يربط بين بناء البنية التحتية والتكامل الاقتصادي والأمن الإقليمي. ويهدف الممر إلى تسهيل الحركة بين ساحل أنغولا الأطلسي ومناطق إنتاج المعادن في جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا. وقد تناولت مناقشات المؤتمر حماية هذه البنية التحتية ليس فقط من منظور اقتصادي، بل كمسؤولية عسكرية استراتيجية. وكان هذا أيضًا تعبيرًا عن السياسة الاقتصادية الأمريكية. إذ أكدت واشنطن على ضرورة أن يُهيئ التعاون الأمني ​​الظروف المواتية للاستثمار، وأن شراكات البنية التحتية يمكن أن تُوفر للحكومات الأفريقية بديلًا عن العلاقات الأمنية القائمة حصريًا على نقل الأسلحة أو حماية الأنظمة.

2.4 التكنولوجيا والطائرات المسيّرة والابتكار الدفاعي

تناول المنتدى الرابع، بعنوان “حلول مبتكرة – ما وراء التكنولوجيا في العمليات“، الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وشركات التكنولوجيا المدنية والخدمات اللوجستية والإنتاج الدفاعي المحلي.

وحذر القادة العسكريون الأمريكيون من اعتبار الابتكار مجرد شراء معدات متطورة. أكد الجنرال ماهوني على ضرورة دمج التكنولوجيا مع مشغلين مدربين، وصيانة موثوقة، ودعم لوجستي، وعقيدة مؤسسية، وتدريبات مشتركة واقعية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للقوات المسلحة الأفريقية. إذ تحصل العديد من المؤسسات الدفاعية على منصات متطورة تصبح لاحقًا غير صالحة للاستخدام بسبب عدم كفاية الصيانة، أو نقص قطع الغيار، أو الاعتماد على مقاولين أجانب، أو عدم كفاية التدريب التقني.

كما ضم المؤتمر ممثلين عن القطاع الخاص الأفريقي. وأكد ناثان نواشوكو، من شركة تيرا للصناعات، بأن أفريقيا لا يمكنها الاعتماد إلى ما لا نهاية على أنظمة الأمن المستوردة، وأنها بحاجة إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية سيادية على مستوى القارة الأفريقية.

وربما كانت هذه أهم حجة أفريقية طُرحت خلال الاجتماع. فالاستقلال الاستراتيجي يتطلب أكثر من مجرد شراء المعدات من قوى أجنبية منافسة، بل يتطلب إنتاجًا محليًا، ومرافق إصلاح، وقدرات برمجية، ومؤسسات بحثية، وأنظمة شراء قادرة على دعم التكنولوجيا العسكرية بعد اقتنائها.

3. أول اجتماع طاولة مستديرة لقطاع الصناعة في مؤتمر ACHOD

شهد مؤتمر ACHOD 2026 أول اجتماع طاولة مستديرة مخصص لقطاع الصناعة. شارك فيه أكثر من إحدى عشرة شركة أمريكية وأفريقية، بالإضافة إلى شركاء صناعيين، إلى جانب مسؤولين دفاعيين وممثلين عن الحكومة الأمريكية ومؤسسات تمويل التنمية.

حدد الاجتماع عدة عقبات أمام الاستثمار في قطاع الدفاع، منها:

ـــ المخاطر السياسية والمالية.

ــــ محدودية ميزانيات الدفاع الأفريقية.

ــــ إجراءات الشراء البيروقراطية.

ـــــ مخاوف حماية البيانات.

ــــ المنافسة غير المتكافئة التي تشمل شركات أجنبية مدعومة من الدولة.

ـــ محدودية الربط بين المتطلبات العسكرية والقدرات التكنولوجية المحلية.

تضمنت الحلول المقترحة دمج الأدوات الدبلوماسية والإعلامية والعسكرية والاقتصادية من خلال إطار عمل DIME؛ واستخدام آليات ائتمان الصادرات وإدارة المخاطر السياسية؛ وتعزيز حماية البيانات؛ تصميم تقنيات أمنية ملائمة للظروف المحلية.

أظهر إشراك القطاع الخاص أن القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) توسع نموذج شراكتها. أصبح التعاون العسكري مرتبطًا بالوصول إلى الأسواق والاستثمار التجاري والبنية التحتية ومبيعات الدفاع.

يحمل هذا التطور مزايا ومخاطر. بإمكانها دعم القدرات التكنولوجية الأفريقية وتوفير بدائل للموردين غير الموثوق بهم. مع ذلك، قد تُخضع قرارات الشراء الأفريقية لمصالح تجارية خارجية.

تحتاج الحكومات الأفريقية إلى قواعد شراء شفافة ومتطلبات لنقل التكنولوجيا، بدلاً من مجرد استبدال الاعتماد على مورد أجنبي بآخر.

4. النتائج الملموسة: الشراكة بين أنغولا وأوهايو

كان أبرز النتائج المؤسسية المرتبطة بمؤتمر ACHOD 2026 هو التفعيل الرسمي لبرنامج الشراكة بين القوات المسلحة الأنغولية والحرس الوطني لأوهايو.

وقّع الجنرال ألتينو دوس سانتوس واللواء ماثيو وودروف، قائد الحرس الوطني لأوهايو، اتفاقية الشراكة العسكرية في لواندا في ٢٩ يونيو، قبيل افتتاح المؤتمر مباشرةً. أرست الاتفاقية إطارًا طويل الأمد يشمل:

ـــ التعليم العسكري الاحترافي.

ـــ تطوير القيادة.

ـــ التأهب الطبي.

ــــ القدرات السيبرانية.

ـــ الاستجابة للكوارث.

ـــ التخطيط العملياتي المشترك.

ـــ إدارة الطوارئ وحماية البنية التحتية.

صُممت الشراكة على أساس تبادلات مؤسسية دورية بدلًا من مناورة عسكرية واحدة. أصبحت أنغولا ثالث شريك لأوهايو في البرنامج، بعد المجر وصربيا.

بالنسبة لأنغولا، تتيح الاتفاقية الوصول إلى التدريب والمعرفة المؤسسية والتعاون التقني. بالنسبة للولايات المتحدة، يُرسي هذا النموذج علاقة أمنية متينة مع دولة ذات موقع استراتيجي، حافظت تاريخيًا على علاقات عسكرية قوية مع روسيا وروابط اقتصادية واسعة مع الصين.

5. التقييم الاستراتيجي

التحول من مكافحة الإرهاب إلى الأمن المتكامل

لم يتخلَّ مؤتمر ACHOD 2026 عن مكافحة الإرهاب. فقد ظلت المنظمات المتطرفة العنيفة من بين التهديدات الرئيسية التي حددها المشاركون. إلا أن المؤتمر تجاوز المنطق الضيق المتمثل في تدريب القوات الأفريقية على تنفيذ عمليات مكافحة التمرد.

يجمع النموذج الناشئ بين:

ـــ التعاون العسكري.

ــــ الأمن البحري وأمن الحدود.

ـــ عمليات المعلومات.

ــــ حماية البنية التحتية.

ـــ الاستثمار الخاص.

ـــ تطوير الصناعات الدفاعية.

ــــ الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الطائرات المسيّرة.

يعكس هذا النموذج إدراكًا بأن العمليات العسكرية وحدها لم تُفلح في تحقيق استقرار دائم في منطقة الساحل، والصومال، وحوض بحيرة تشاد، وشمال موزمبيق.

بقيادة أفريقية” ولكنه لا يزال مُهيكلًا خارجيًا

وصف المسؤولون الأمريكيون مرارًا وتكرارًا النموذج المُفضَّل بأنه “بقيادة أفريقية، وبدعم من الشركاء”.

يُقرّ هذا النهج بالسيادة الأفريقية ويرفض أي مسؤولية خارجية مباشرة عن النزاعات الأفريقية. إلا أنه في الواقع، صُمّم المؤتمر بالتعاون مع القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، وتأثر بشكل كبير بالمتحدثين الأمريكيين، وارتبط بمؤسسات التمويل الأمريكية، وهياكل الحرس الوطني، والجهات التجارية.

 إذ يُبرز الخطاب القيادة الأفريقية، بينما يبقى الإطار المؤسسي مُنظّماً بشكل أساسي حول الأولويات والموارد الاستراتيجية الأمريكية.

إعادة التموضع الاستراتيجي لأنغولا

عزز استضافة مؤتمر ACHOD وتفعيل شراكة أوهايو توجه أنغولا نحو تنويع علاقاتها الخارجية. لا تتخلى لواندا عن علاقاتها التاريخية مع روسيا أو عن علاقاتها الاقتصادية الكبيرة مع الصين، بل تُوسّع تعاونها مع الولايات المتحدة لزيادة خياراتها الدبلوماسية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز مكانتها كفاعل أمني إقليمي.

كما ربط اختيار أنغولا للمؤتمر بأمن الملاحة البحرية في المحيط الأطلسي، وإدارة النزاعات في وسط أفريقيا، وممر لوبيتو، والتنافس على سلاسل إمداد المعادن الحيوية.

محدودية التأسيس المؤسسي

أثمر المؤتمر حوارًا واجتماعات ثنائية وعلاقات تجارية، إلا أن الملخصات الرسمية ركزت في المقام الأول على الالتزامات بالتعاون بدلًا من القرارات العملياتية القابلة للقياس.

لم يُعلن عن آلية قارية مفصلة علنًا لـ:

ـــ تبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي.

ــــ ملاحقة الجماعات المسلحة عبر الحدود بشكل منسق.

ـــ معايير موحدة للطائرات المسيّرة أو الأمن السيبراني.

ــــ المشتريات المشتركة.

ــــ المراقبة البحرية الدائمة.

ــــ رصد تنفيذ التزامات المؤتمر.

ــــ تمويل العمليات العسكرية الإقليمية.

هذه هي نقطة الضعف الرئيسية في مؤتمر ACHOD. تُعقد مؤتمرات أمنية أفريقية عديدة، لكن التنفيذ لا يزال متقطعًا. في غياب مؤسسات دائمة وتمويل، تحقق الحوار الاستراتيجي، وحضورًا دبلوماسيًا أسرع من القدرة العملياتية.

6. الآثار المترتبة على المناطق الأمنية الأفريقية

في منطقة الساحل، يُعدّ التركيز على الشبكات العابرة للحدود أمرًا بالغ الأهمية، إلا أن التعاون سيظل صعبًا في ظل ابتعاد مالي وبوركينا فاسو والنيجر عن المؤسسات الأمنية الغربية وتطوير علاقات منفصلة مع روسيا.

في خليج غينيا، يُمكن للمراقبة البحرية وأمن الموانئ وتبادل المعلومات أن تُحسّن الاستجابة للقرصنة والاتجار بالبشر وتحركات المنظمات المسلحة في منطقة الساحل جنوبًا.

في القرن الأفريقي، يُمكن لهذا النموذج أن يدعم الأمن البحري وعمليات مكافحة المخدرات. وقد استشهد الجنرال ماهوني بعملية “بحري صافي” الكينية، التي أسفرت عن ضبط أكثر من ألف كيلوغرام من الميثامفيتامين من خلال التنسيق الإقليمي والدولي، كمثال على الوعي المشترك الذي يُحقق نتائج عملية.

في وسط وجنوب أفريقيا، قد تستغل أنغولا المؤتمر لتعزيز مكانتها كجسر دبلوماسي وأمني بين المنطقتين. وسيزداد أمن البنية التحتية على طول ممر لوبيتو أهميةً مع توسع الاستثمارات وصادرات المعادن.

7. التوصيات

  • ينبغي على المشاركين الأفارقة تحويل مؤتمرACHOD من منتدى دبلوماسي سنوي إلى عملية تنفيذ خاضعة للمراقبة. ويجب أن ينشر كل مؤتمر الأهداف المتفق عليها، والمؤسسات المسؤولة، ومصادر التمويل، ومؤشرات التقدم.
  • ينبغي تطوير ترتيبات إقليمية لتبادل المعلومات الاستخباراتية من خلال المؤسسات الأفريقية القائمة، بدلاً من الاعتماد على الوصول الثنائي إلى الأنظمة الأمريكية.
  • ينبغي على الدول الأفريقية جعل نقل التكنولوجيا والصيانة المحلية وتدريب الأفراد عناصر إلزامية في عمليات الشراء الدفاعية الرئيسية.
  • يجب أن تميز استراتيجيات أمن المعلومات بين التلاعب الأجنبي المتعمد والصحافة المستقلة والمعارضة السياسية المشروعة.
  • ينبغي أن يدعم التعاون الصناعي الدفاعي الشركات والمؤسسات البحثية الأفريقية، بدلاً من أن يكون مجرد سوق للمقاولين الأجانب.
  • وأخيرًا، ينبغي حماية الممرات الاقتصادية، مثل ممر لوبيتو، من خلال التنسيق المدني العسكري، ولكن لا ينبغي السماح للقوات المسلحة باستبدال الوكالات المدنية في إدارة التنمية الاقتصادية.

الخلاصة

أظهر مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة لعام 2026 أن النقاش الأمني ​​القاري يشهد تحولاً. لم يعد السؤال المحوري مقتصراً على كيفية تمكّن الجيوش الأفريقية من دحر الجماعات المتمردة، بل بات يُعنى بشكل متزايد بكيفية تأمين الدول لحدودها، وممراتها البحرية، وأنظمة معلوماتها، وبنيتها التحتية، واستثماراتها، وسيادتها التكنولوجية في آن واحد.

كانت أبرز إسهامات المؤتمر دمج الدفاع والاقتصاد والمعلومات والابتكار في نقاش استراتيجي واحد. أما أبرز إنجازاته الملموسة فكان الشراكة المؤسسية بين أنغولا والحرس الوطني في ولاية أوهايو.

فيما تمثلت أبرز عيوبه في الفجوة بين الخطاب الاستراتيجي والتنفيذ الجماعي. لا يزال مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة منتدىً مؤثراً، ولكنه لم يُصبح بعد نظاماً أمنياً أفريقياً عملياً. وستعتمد قيمته على المدى البعيد على ما إذا كانت الاجتماعات المستقبلية ستنتقل من مجرد تصريحات حول الشراكة إلى هياكل استخباراتية دائمة، ومعايير مشتركة، وتمويل شفاف، وقدرات إقليمية قابلة للقياس.

المصادر:
African defence chiefs meeting in Luanda

Industry, economics and innovation a focus at the African Chiefs of Defense Conference 2026

 

 

 

إيهاب العاشق

باحث مختص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والدراسات الأمنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى