يعتبر مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي أحد أهم المبادرات السياسية في تاريخ إثيوبيا الحديث، إذ يأتي في سياق محاولات الدولة تجاوز مرحلة اتسمت بالحروب الأهلية، والاستقطاب الإثني، والأزمات الدستورية التي تفاقمت منذ اندلاع حرب التقراي عام 2020، ثم امتدت آثارها إلى إقليمي الأمهرا والأرومو. ويُنظر إلى المؤتمر باعتباره أول محاولة مؤسسية شاملة لفتح حوار وطني بين مختلف مكونات المجتمع الإثيوبي حول القضايا الخلافية التي ظلت تؤثر في استقرار الدولة منذ اعتماد النظام الفيدرالي الإثني في تسعينيات القرن الماضي. وبعد نحو أربع سنوات من المشاورات التي قادتها لجنة الحوار الوطني الإثيوبية، انطلقت أعمال المؤتمر الوطني في أديس أبابا في 15 يوليو/تموز 2026 بمشاركة نحو 4000 مندوب يمثلون مختلف الأقاليم والقطاعات المجتمعية.
المشروع والفكرة
تأتي فكرة إجراء الحوار الوطني في إثيوبيا من إدراك النخب السياسية الإثيوبية أن الأزمات المتراكمة والتظلمات التاريخية لم تعد قابلة للحل عبر الوسائل الأمنية أو العسكرية وحدها، وأن استمرار الصراعات المسلحة يهدد وحدة الدولة ومستقبلها. لذلك أقر البرلمان الإثيوبي في ديسمبر 2021 إنشاء لجنة الحوار الوطني الإثيوبية باعتبارها هيئة مستقلة تتولى جمع القضايا الخلافية من مختلف الأقاليم وتنظيم عملية حوار شاملة. ومنذ عام 2022 أجرت اللجنة مشاورات واسعة في معظم أنحاء البلاد، جمعت خلالها مئات الآلاف من المقترحات والآراء حول مستقبل الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم، قبل أن تُبلور هذه المخرجات في أجندة وطنية للحوار. ويستند المشروع إلى مبدأ أن معالجة الانقسامات التاريخية ينبغي أن تتم عبر التوافق الوطني، وليس من خلال فرض حلول أحادية، بما يعزز شرعية أي إصلاحات سياسية أو دستورية مستقبلية.
فلسفة المؤتمر ومرتكزاته
يصف رئيس الوزراء آبي أحمد المؤتمر بأنه “فرصة تاريخية” لكتابة فصل جديد من تاريخ إثيوبيا بأيدي الإثيوبيين أنفسهم، بعيداً عن الصراع والتدخلات الخارجية. ويقوم مشروع الحوار الوطني على عدد من المرتكزات الأساسية:
ــــ ترسيخ ثقافة الحوار بدلاً من اللجوء إلى العنف السياسي
ــــ إشراك مختلف المكونات الإثنية والدينية والسياسية في صياغة مستقبل الدولة.
ــــ معالجة القضايا التاريخية المثيرة للانقسام عبر النقاش المؤسسي
ــــ بناء توافق وطني حول شكل الدولة والنظام السياسي.
ــــ تعزيز المصالحة الوطنية وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة.
الأهمية السياسية للمؤتمر
تكمن أهمية المؤتمر السياسية في عدد من الاعتبارات:
يمثل المؤتمر أول منصة رسمية تجمع ممثلين عن مختلف الأقاليم والقوميات لمناقشة مستقبل الدولة في إطار مؤسسي جامع، كما يوفر المؤتمر فرصة لمراجعة بعض الأسس التي قام عليها النظام الفيدرالي الإثني، والتي تعد من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل إثيوبيا. إضافة إلى أن المؤتمر يوفر فرصة لمراجعة بعض الأسس التي قام عليها النظام الفيدرالي الإثني، والتي تعد من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل إثيوبيا. فضلا عن أنه يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي بأن إثيوبيا تسعى إلى معالجة أزماتها من خلال عملية سياسية يقودها الإثيوبيون أنفسهم.
قضايا المؤتمر الرئيسية
اعتمدت لجنة الحوار الوطني ثمانية محاور رئيسية تشكل جدول أعمال المؤتمر:
- بناء الدولة والهوية الوطنية، بما يشمل قضايا الهوية، والتاريخ، والانتماء الوطني، وإدارة التنوع الثقافي واللغوي.
- هيكل الدولة ونظام الحكم والفيدرالية، بما في ذلك توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم.
- وضع المدن الفيدرالية، خاصة أديس أبابا ودير داوا.
- العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية وتعزيز التعايش المجتمعي.
- سيادة القانون وحقوق الإنسان واستقلال القضاء والمؤسسات العامة.
- التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدالة في توزيع الموارد.
- مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة الرشيدة.
- السلام والمصالحة الوطنية وتسوية آثار النزاعات المسلحة.
الجهات الممثلة والمشاركة في مؤتمر الحوار
يشارك في المؤتمر 4000 مشارك يمثلون طيفا واسعا من المؤسسات يمكن تصنيفها على النحو التالي:
- الحكومة الفيدرالية والتي تمثلها حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، ومجلس الوزراء، مجلس النواب، والمؤسسات الفيدرالية المختلفة.
- حكومات الأقاليم: وفي إثيوبيا 12 إقليم، ومنطقتين إداريتين تتمتعان بوضع خاص، إضافة إلى مشاركة وفود من الإدارات المحلية والبلديات. وغياب كامل لإقليم التقراي، وأجزاء من إقليم الأمهرا المتأثرة بالنزاع المسلح.
- الأحزاب السياسية: يشارك عدد من الأحزاب السياسية التي تتمتع بالوضع القانوني، وفي مقدمتها حزب الازدهار، وبعض الأحزاب المعارضة التي وافقت على المشاركة والانخراط في عملية الحوار.
- القيادات الدينية: يشهد المؤتمر حضورا لعدد من قيادات الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الكنائس البروتستانتية، الكنيسة الكاثوليكية والقيادات الدينية التقليدية.
- شيوخ العشائر والزعماء التقليديون: اعتمدت اللجنة على الزعماء التقليديين وكبار السن (Elders) باعتبارهم عنصرًا مهمًا في المصالحات المحلية.
- المجتمع المدني: يشارك في المؤتمر ممثلون عن: منظمات المجتمع المدني، النقابات المهنية، الاتحادات النسائية، منظمات الشباب، الأكاديميين، الجامعات، الإعلاميين، رجال الأعمال وممثلين عن الجاليات الإثيوبية في الخارج.
الأطراف المقاطعة للمؤتمر
رغم اتساع المشاركة، فإن عدداً من القوى السياسية والعسكرية الرئيسية رفضت المشاركة أو شككت في العملية:
- جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF): تُعد جبهة تحرير التقراي أبرز المقاطعين للحوار، وترى أن الحوار لا يتمتع بالحياد، وإن اللجنة شُكلت من جانب الحكومة دون إشراك الآخرين، وترى إن الأولوية يجب أن تكون لتنفيذ اتفاق بريتوريا بصورة كاملة، كما أنه لا توجد ضمانات لتنفيذ مخرجات الحوار.
- جيش تحرير أورومو (OLA): رفض جيش تحرير الأرومو كان أكثر وضوحًا لأنه ما يزال يخوض مواجهات مسلحة مع الحكومة، ويطالب بوقف العمليات العسكرية وبالإفراج عن المعتقلين ويطلب ضمانات دولية للحوار، إضافة إلى رغيته في حوار منفصل مع الحكومة.
- بعض فصائل فانو: وفانو هي المليشيات التي تقاتل الجيش الحكومي في إقليم الأمهرا، ورفضت المشاركة أولا بسبب استمرار المواجهات العسكرية في إقليم أمهرا، رفضت معظم تشكيلات فانو الانخراط في الحوار، وثانيا لأنها ترى أن الحكومة تستخدم الحوار لإضفاء شرعية على سياساتها، وترى أن الأولوية يجب أن تكون لوقف إطلاق النار.
- بعض أحزاب المعارضة: أبدت أحزاب معارضة عدة تحفظات، منها أحزاب ضمن تكتلات المعارضة الوطنية، بحجة أن لجنة الحوار ليست مستقلة بصورة كافية وأن الحكومة هي التي تحدد أجندة الحوار، كما أن اختيار المشاركين لم يكن شاملاً.
أبرز تحديات المؤتمر
على الرغم من أهمية المبادرة، تواجه عدة تحديات قد تؤثر في نتائجها، أبرزها:
غياب بعض القوى السياسية والفصائل المسلحة، خاصة من الأمهرا والتقراي، أو مشاركتها بصورة محدودة، واستمرار العمليات العسكرية في بعض الأقاليم، ولا سيما أمهرا وأورمو، بالتزامن مع انعقاد المؤتمر، فضلا عن وجود تباينات حادة بشأن مستقبل الفيدرالية الإثنية وتقاسم السلطة، إضافة إلى ضعف الثقة المتبادلة بين الحكومة وبعض أطراف المعارضة والتساؤلات حول مدى إلزامية مخرجات المؤتمر وآليات تنفيذها.
النتائج المتوقعة
تتمثل النتائج المرجوة من الحوار الوطني الإثيوبي في تحقيق توافق وطني، وسلام دائم، ومصالحة. وتهدف هذه العملية إلى معالجة الخلافات العميقة المتعلقة بالهوية والحكم:
ومما لا شك فيه أن مؤتمر الحوار سيناقش القضايا الرئيسية التي تم وضعها كأجندة أساسية للحوار ويتوقع أن يفضي إلى عدد من النتائج:
ــــ صياغة رؤية وطنية مشتركة بشأن مستقبل الدولة الإثيوبية.
ـــ وضع أسس جديدة للعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم.
ـــ تعزيز المصالحة الوطنية وتقليل فرص العودة إلى الصراع المسلح
ــــ تعزيز مكانة إثيوبيا إقليمياً بوصفها دولة قادرة على إدارة أزماتها عبر الحوار
ـــ تقديم توصيات لإصلاح النظام السياسي والدستوري.
خاتمة
يعتبر مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي محطة مفصلية في مسار إثيوبيا، إذ يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمات السياسية والأمنية المتراكمة لا يمكن معالجتها بالوسائل العسكرية وحدها، بل تتطلب حوارًا وطنيًا شاملًا يشارك فيه مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمعيين. ورغم أن انعقاد المؤتمر يشكل خطوة إيجابية نحو بناء توافق وطني، فإن نجاحه سيظل مرهونًا بمدى شمولية المشاركة، واستيعاب القوى السياسية والمسلحة التي ما زالت خارج العملية، إضافة إلى توافر الإرادة السياسية لتنفيذ مخرجاته وتحويلها إلى إصلاحات مؤسسية ودستورية ملموسة.
كما أن استمرار التوترات في أقاليم الأمهرا والأرومو والتقراي يفرض تحديات حقيقية أمام تحقيق أهداف الحوار. وفي المقابل، فإن التوصل إلى توافقات بشأن القضايا الجوهرية، مثل الفيدرالية، وتقاسم السلطة، والهوية الوطنية، والمصالحة، يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي وبناء الدولة. ومن ثم، فإن المؤتمر لا يمثل نهاية للأزمة، بل بداية لمسار طويل تتوقف نتائجه على الالتزام بالتنفيذ، واستمرار الحوار، وتقديم التنازلات المتبادلة بما يحفظ وحدة إثيوبيا واستقرارها.




