تحليلات

الأزمة السياسية الصومالية المعاصرة: صناعة خارجية أم نتاج داخلي؟

تُعدّ الصومال من الدول الأفريقية-العربية التي تخوض مساراً شبه دائم بحثاً عن استقرار سياسي مستدام. ويمكن القول إن السمة البارزة في مسيرتها السياسية المعاصرَة هي السعي الحثيث نحو تحقيق استقرار متين شبه غائب عن بيئتها الداخلية على مدار 66 عاماً من الاستقلال. وتبدو الحالة الصومالية استثنائية في طول أمد هذه الرحلة المضنية مقارنةً بغيرها من دول المنطقة التي مرت بتجارب تاريخية شبيهة في مخاضها الانتقالي. وقد يعود السبب في ذلك —في جزء منه— إلى طبيعة موقعها الجغرافي المتميز وحدودها المفتوحة، مما يجعلها عرضةً لتأثيرات خارجية متواصلة، ويفرض تفاعلا بين الأوضاع الداخلية والأطماع الخارجية على أكثر من مستوى.

يتمتع الصومال بشريط ساحلي يُعدّ الأطول على مستوى القارة الأفريقية، إذ يمتد بطول 3,330 كم، ويشمل المنطقة المائية الواقعة بين المحيط الهندي وخليج عدن باتجاه بحر العرب، كما يشرف على مضيق باب المندب في البحر الأحمر. وتزيد مساحته المائية البالغة830,400 كم² عن مساحة يابسته البالغة بـ637,657 كم²، ويغطيهما معاً مجال جوي يُعرف بـ ( Mogadishu FIR ) يُقدّر بنحو 2.2 م كم² . وهذه المساحة المائية الممتدة منفتحة جغرافياً على قارة أستراليا، وشبه القارة الهندية، ودول جنوب غرب آسيا البحرية، وصولاً إلى دول الخليج واليمن ودول البحر الأحمر شرقاً وشمالاً. كما ترتبط من جهة الجنوب الغربي بالشريط الساحلي لدول شرق إفريقيا المنفتح على جنوب القارة. وهذا يعني أن الصومال يمثل حلقة رئيسية في التفاعل الثقافي المتبادل بين الأجناس، والتواصل بين الحضارات البشرية؛ مما جعل موقعه الفريد شريان ربط عالمي بين الشرق والغرب، وممراً بحرياً يجسر التفاعل بين العالم الإسلامي مع العالم غير الإسلامي، ومحوراً رئيسياً في التواصل التجاري المنتظم بين حوض المتوسط وقارة إفريقيا على مر التاريخ. ونتيجة لذلك، زار أغلب الرحالة والمكتشفين الدوليين الصومال في مختلف العصور التاريخية؛ بدءاً من البحارة الإغريق والرومان في العصور القديمة، مروراً بالرحالة الصينيين والمسلمين في العصور الوسطى، وصولاً إلى المستكشفين الأوروبيين في العصور الحديثة.

وقد ترك هؤلاء  الرحالة جميعاً وصفا مسهبا عن الخصائص الجغرافية للصومال، الخصوصيات الديموغرافية للصوماليين، الازدهار الاقتصادي والنهضة العمرانية التي حظيت بها المدن الساحلية على وجه الخصوص وكذلك محورية الموقع في محيطه الجغرافي، وعلاقاته التجارية النشطة مع مختلف النظم السياسية والاقتصادية في العالم آنذاك، وحسن ضيافة أهله للغرباء المسالمين. ومن اللافت للنظر أنَّ مؤلفات الرحالة المسلمين الثمينة —أمثال ابن بطوطة، وياقوت الحموي، وابن سعيد المغربي، وكذلك المسعودي والإدريسي— تحمل تأكيداً واضحاً على الهوية الثقافية الإسلامية للصوماليين، وترسم مهاراتهم العالية في التجارة والصيد والإبحار على مر القرون. وتزخر كتبهم بوصف السلع التجارية المصدرة إلى خارج البلاد كالذهب، والعاج، واللبان، والمواشي، والجلود، والصمغ، وكذلك العنبر الفاخر إلى دول عدة من بينها مصر والصين، مع إجماعهم على أن الصوماليين يمثلون سلالة متميزة في ملامحها وتكوينها الفسيولوجي، وأنهم  جنس متوسط بين الحبشة والزنوج وفق وصف ياقوت الحموي (1229-1179). أما المستكشفون الأوروبيون، فقد وصفوا الصوماليين بالذكاء الوقاد والاعتزاز الشديد بالنفس، وبأنهم محاربون أشداء يتمتعون بالفصاحة والقدرة الفائقة على الحفظ. ومن هذا المنطلق، أبرزوا خطورة وحدتهم وتجانسهم المُميَّزَيْنِ على جوارهم الإقليمي المغاير، ومن ثمَّ رفعوا توصياتهم إلى المجتمعين في مؤتمر برلين (1884–1885م) بتقسيم أرضهم المتماسكة؛ كبداية لشلِّ فاعليتهم على المدى الطويل.

جغرافية الموقع ومحددات التأثير

صَنَّفَ علماء الجغرافيا السياسية والعلوم السياسية الموقع الجغرافي للصومال بأنه من أكثر المواقع أهمية في العالم المعاصر؛ إذ تمثل البلاد “حلقة الوصل الرئيسية بين القارات والمسارات البحرية” ، وتُشكّل “البوابة الشرقية لإفريقيا” و”محور الارتكاز في المحيط الهندي”. كما وصفوا البلاد بأنها “العمق الجيوسياسي لشرق إفريقيا”، و”خط التماس المباشر مع أهم الممرات المائية الدولية”. وبالإضافة إلى ذلك، أطلقوا عليها لقب “الحارس الجغرافي لمدخل المحيط الهندي من جهة البحر الأحمر”، و”البوابة الحتمية لشرق القارة” في المجالين الجوي والبحري، فضلاً عن كونها “الجسر الرابط بين الهويتين العربية والإفريقية”، و”صلة الوصل الاقتصادية بين دول الخليج وشرق إفريقيا”؛ وذلك وفقاً للمنظور العلمي الذي رآه المستكشفون والباحثون في الجغرافيا السياسية والديمغرافية العامة للبلاد.

ويجد الدارس لتاريخ الصومال في عصوره الحديثة بالذات صعوبة بالغة في فصل التأثير الخارجي عن تطور الأحداث المحلية، أو عزل الأسباب الداخلية المؤدية إليها، كما يصعب عليه رصد أي حراك سياسي ممتد في أنحاء البلاد دون تلمّس بصمة التدخل الخارجي أو التأثير الأجنبي فيه. ويبدو أن حدّة هذه التأثيرات الخارجية قد تصاعدت منذ افتتاح قناة السويس عام 1869، وظهور الاستقطاب الدولي الحاد إبان الحرب الباردة، وصولاً إلى التحديات الجيوسياسية المستجدة، وهو ما جعل الصومال من أكثر المناطق جذباً للتنافس الدولي، ومحوراً للتسابق في التأثير أو صناعة قراره الاستراتيجي. ومن منظور العلوم الاجتماعية والانسانية بشكل عام، فإنه لا يوجد عامل أحادي يؤدي بمفرده إلى نشوء أزمة ما، أو يدفع تطورها من مشكلة عابرة إلى معضلة مستعصية؛ ومن ثم فإن الأزمة السياسية الصومالية ليست نتاج عامل منفرد، بل هي نتاج من التفاعل العضوي بين معطيات داخلية تُوفّر التربة الخصبة، وتأثيرات خارجية تستهدف إعادة تشكيل مسارات الأزمة وتوجيهها بما يخدم المصالح الجيوسياسية للقوى المتنافسة في جانبها السلبي.

وتكمن خطورة الأزمة السياسية الصومالية الحديثة بالذات في أن التكوين الجغرافي الرخو للبلاد، وحدودها المفتوحة، يُسهّلان على الجهات الخارجية الطامعة الوصول إلى من تريدهم أن يكونوا وكلاء لها في الداخل. ويتفاعل هذا السعي الخارجي مع بحث بعض القوى الداخلية نفسها عن داعمين أساسيين لرعاية أجنداتها الخاصة. كما تطرأ أحياناً عوامل أخرى تدفع الأنظمة السياسية للدولة لتقديم طلب المساعدة لسبب أو لآخر؛ مثل حدوث الكوارث الطبيعية، والحروب الأيديولوجية، والقلاقل الأمنية المهدِّدة لبقاء الدولة، مما يفتح الباب لدخول الدول والقوى الخارجية تحت غطاء المساعدات الإنسانية أو ضبط موازين القوى.

الفراغ المؤسسي والاستقواء بالخارج

تتجلى علاقة نفاذ التأثير الخارجي بغياب الدولة القوية بوضوح في الحالة الصومالية؛ إذ أدّى انهيار الحكومة المركزية إلى تراجع فاعلية المؤسسات الضابطة والأجهزة الرادعة للشأن السياسي. ومع هذا الانهيار، غابت القوى السياسية المحلية ومنظمات المجتمع المدني المترسخة تحت مظلات مؤسسية تُحتكم إليها لبناء الثقة، أو تُرعى من خلالها المصالح المتنافسة. وقد دفع هذا الفراغُ المؤسسي كثيراً من القوى الداخلية إلى الاستقواء العلني بالأطراف الخارجية؛ بغية تعزيز مواقفها ضد الخصوم المحليين وترسيخ نفوذها في معركة السلطة. وكلما سعى نظام سياسي إلى بناء توافق وطني يُحقّق الاستقرار المنشود ويستعيد استقلالية القرار السيادي، تحركت الضغوط والتأثيرات الخارجية لإعادة ترتيب المشهد السياسي وتوجيهه نحو مسارات أخرى وذلك بهدف فرض واقع جديد يضع القائمين على السلطة أمام خيارات أحلاها مُرّ. وبالإضافة إلى ذلك، يعتمد الصومال بشكل كبير على الدعم المالي الخارجي لتغطية الميزانية العامة للدولة، وتسوية ملفات إعفاء الديون، وتمويل برامج التنمية، ودعم المصالحة الوطنية، فضلاً عن اعتماده الأمني على القوات الأفريقية المُعزَّزة دولياً. ويمنح هذا الاعتمادُ بعض الأطرافَ الدولية والإقليمية أوراق ضغط مؤثرة، تتدخل عبرها لتوجيه المسارات الأمنية، وإدارة الأزمات السياسية، وتطويع الحلول الاقتصادية بما يخدم رؤيتها ومصالحها.

ويبدو أن الدول الغنية بالموارد الطبيعية والضعيفة مؤسسياً تتحول جغرافيتها الثرية إلى مطمع دائم للقوى الخارجية؛ إذ تتدخل الأخيرة بأساليب غير مباشرة لدعم فصيل سياسي أو قائد جهوي، أو لتغذية الصراعات الداخلية وتجريد أي نظام حكم يحمل رمزية وطنية من شرعيته، مما يُسهّل استنزاف هذه الثروات في ظل غياب رقابة وطنية حازمة. وفي السياق ذاته، يُؤدي غياب الحواجز الطبيعية وجودة الحدود الرخوة إلى جعل الدولة أكثر عرضة للتدخلات العسكرية والاختراقات المباشرة، مما يخفض كلفة التدخل الخارجي مقارنة بغيرها من الدول، ويسهل تدفق الجماعات المسلحة العابرة للحدود وتنامي عمليات التهريب، وهو ما يمنح القوى الخارجية ذرائع متجددة للتدخل تحت غطاء شعارات تتغير بتغير المراحل والأهداف.

جدلية الأزمة بين الخارجية وداخلية النشأة

أولا. العوامل الداخلية والتحديات البنيوية


  1. الدستور ونظام المحاصصة القبلية (4.5):

أسهم النموذج الفيدرالي وصيغة المحاصصة القبلية المتضمنة في الدستور المؤقت في تحقيق قدرٍ من الاستقرار والتوازن المرحلي، وخلقا قاعدةً متوافقٌ عليها لتقاسم السلطة منذ اعتماد هذه الصيغة عام 2000م؛ غير أن الاستمرار في تطبيقها بصورتها الحالية كشف عن عوائق جذرية تحول دون استكمال بناء الدولة الوطنية الموحدة، وتعيق النهوض بالخدمات العامة وتحقيق العدالة الاجتماعية. كما يُكرّس هذا النموذج تباين المواقف بين المركز والأطراف، وتحول مع مرور الوقت إلى عائق رئيسي أمام بناء دولة منسجمة الأركان، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب من بينها:

  1. ترسيخ الولاءات الفرعية:يرسخ هذا العُرف الولاء القبلي الضيق على حساب الولاء الوطني الجامع.
  2. هشاشة المؤسسات: يجعلالمؤسسات العامة عرضة للتقلبات والاستقطابات السياسية التي لا تنتهي.
  3. غياب المحاسبة:يسهم في تحصين مرتكبي الجرائم السياسية والمالية تحت غطاء الدفاع عن مصالح القبيلة.
  4. شلل التنسيق الحكومي : يعرقل التعاون المفترض بين الوحدات الإدارية المختلفة للدولة، ويقوض قدرتها على العمل المشترك والانسجام المؤسسي.

وبناءً على ذلك؛ فإن الخلاف بين الحكومة المركزية والولايات ليس مجرد تباينٍ قانونيٍّ حول نصوصٍ مجردة، بل هو صراعٌ حقيقيٌّ بين القوى السياسية المتمايزة في هوياتها السياسية حول المسار الواجب اتِّباعه في إعادة بناء الدولة لمرحلة ما بعد انهيار الحكم المركزي. فبينما يرى المركزُ أن قوة الصومال تكمن في مركزية قرارها وهيبتها السيادية، ترى بعض الولاياتُ أن ضمان الاستقرار يتحقق عبر توزيعٍ حقيقيٍّ ولامركزيٍّ للسلطة يحمي الخصوصيات الإقليمية ويوزع الصلاحيات بين الطرفين، وهو أمر يعود جزءٌ منه إلى محتوى الدستور ذاته، الذي شابَ استقلاليةَ إخراجه نفوذٌ خارجيٌّ بالغُ الأثر منذ مراحل إعداده وصياغته الأولى عام 2004م.

  1. أزمة التجاذب بين السلطة الفيدرالية والولايات

يمثل التجاذب المستمر بين السلطة الفيدرالية والولايات الإقليمية أحد أبرز منافذ التدخل الخارجي، وأخطر مهددات الاستقرار السياسي في الصومال؛ إذ يتركز هذا النزاع حول: تقاسم السلطة والنفوذ، آليات إدارة توزيع الموارد الطبيعية، عائدات الجمارك والضرائب، توحيد المناهج التعليمية وتطبيق القوانين التجارية، طرق هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية، مسار الانتخابات وحسم النموذج الانتخابي على المستويين الولائي والفيدرالي، إتمام الدستور ونقله من صيغته المؤقتة إلى دستور دائم. ويتصل بهذا التباين رواسب الفراغ المؤسسي لمرحلة ما بعد الانهيار، وبقايا عقلية حكم الجبهات القبلية، فضلاً عما يمنحه الدستور الحالي للولايات من هامش واسع للمناورة أمام السلطة الفيدرالية، مما يشكل استنزافاً مستمراً لجهود التنمية وبناء مؤسسات الدولة المتكاملة على مستوى السلطة الفيدرالية والولايات على حد سواء. وتظهر في هذا المشهد بوضوح بصمات القوى الخارجية المناوئة للصومال الموحد، والتي تسعى دوماً لتكريس حالة جمود الأوضاع السياسية، وعرقلة معافاة البلاد من وهدة الانهيار.

  1. شح الموارد وانتشار الجهل

لا يمثل الفقر والأمية مجرد مشكلات اجتماعية أو اقتصادية داخلية، بل هما في المنظور الجيوسياسي والواقعي بمثابة ثغرة كبيرة في جدار الأمن القومي لأي دولة. وعندما يجتمع الفقر والجهل في مجتمع ما، فإنهما يخلقان بيئة مثالية تتيح للقوى الخارجية التدخل وفرض نفوذها بأشكال متعددة. وعندما تعاني الدولة من فقر مدقع وشح في الموارد البشرية بالذات، تصبح مرتهنة للمعونات الخارجية، وعاجزة عن تمويل مشاريعها الأساسية أو توفير حياة كريمة لمواطنيها. ويعرضها هذا العجز لخطر تسييس المساعدات أو قطعها عند اتخاذ أي موقف سياسي لا يرضي القوة المانحة — مما يهدد الاستقرار الداخلي. وبالإضافة إلى ذلك، يمنح هذا العجز القوى الأجنبية فرصة التدخل عبر فخ القروض وغطاء الاستثمار الأجنبي المباشر، أوتقديم المساعدات المشروطة بإملاءات سيادية واقتصادية، مثل خصخصة قطاعات حيوية، فرض قيود على فرص الوظائف، أو فتح الأسواق بشكل يضر بالإنتاج المحلي كما وقع في كثير من الدول النامية. 

وإذا كان الفقرُ يُشرع الأبواب للأزمات الاقتصادية، (54% من السكان تحت خط الفقر الوطني) فإن الجهل والأمية بمفهومهما الشامل (50% -60%) يفتحان عقول المجتمعات للاختراق والتوجيه الخارجي. ففي ظل محدودية التعليم الرصين والافتقار إلى الوعي النقدي، تضعف المناعة الثقافية للمجتمع وتفقد البلاد بوصلتها الحضارية؛ فينشأ عن ذلك اغترابٌ فكريٌّ لدى بعض النخب المحلية ، وتسود الخرافة بشكل مخيف، ويسهل تصديق الزيف المصنوع على حساب الحقائق العلمية المجردة. وفي بيئة كهذا ، يتغلب التعصب للولاءات الضيقة والفرعية على حساب الولاء الوطني الجامع، وتتفاقم مخاوف البعض من التغيير، بينما يطغى المستفيدون من إبقاء الواقع على حاله لحماية مصالحهم؛ مما يجعل هذه البيئة أرضاً خصبة لانتشار الشائعات والدعاية الموجهة (البروباغندا) عبر وسائل الإعلام الخارجي للتلاعب بالرأي العام، ويُسهّل ذلك كلّه إحداث البلبلة السياسية، وتوجيه الشارع نحو تغذية الصراعات البينية، وصولاً إلى تمويل أطراف بعينها وتسليحها لإشعال حروب أهلية تضمن إبقاء الدولة ضعيفة، ومرهونة دوماً للتدخلات الخارجية لحلحلة نزاعاتها الداخلي.

ثانيا. العوامل الخارجية

  1. إرث الحدود الاستعمارية وتوجّس الجوار

تسببت الحدود التي ورثتها الدولة الصومالية عن الحقبة الاستعمارية في نزاعاتٍ حدوديةٍ استنزفت مقدراتها، وأحدثت انقساماً مجتمعياً وأسرياً بين أبناء الشعب الواحد. كما أوجدت هذه الحدود حالةً من التوجس الدائم لدى دول الجوار خشيةَ استعادة الصومال لمركزيته، وما قد يترتب على ذلك من تهديدٍ لمكاسبها السياسية. وقد دفع هذا التوجسُ الدول المجاورة إلى التنسيق المستمر فيما بينها لدعم أنماط حكمٍ تضمن بقاء موازين القوى لصالحها الاستراتيجي؛ وذلك عبر تقديم الدعم للكيانات الانفصالية، وتعميق الفجوة السياسية بين السلطة المركزية والولايات، فضلاً عن توجيه موجات الهجرة من البلاد وتسهيل التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية.

  1. الانتخابات والتمويل الخارجي

غالباً ما يكون هناك ارتباط وثيق بين العملية الانتخابية في الصومال والتدخل الخارجي الذي يمس القرار السيادي للبلاد، ويعود ذلك إلى عدة عوامل مترابطة من بينها:

  • تمويل الحملات الانتخابية:نظراً لضعف الموارد المالية المحلية وغياب آليات الرقابة الصارمة على تمويل القوى السياسية والأحزاب، فإن النخب السياسية والمترشحين يعتمدون بشكل كبير على المال السياسي الخارجي القادم من قوى إقليمية ودولية متنافسة تحت مسميات مختلفة. وبالطبع، فإن هذا التمويل لا يأتي كمنحة، بل كاستثمار سياسي نافذ يظهر أثره بعد توليه الفريق أو المسؤول السياسي السلطة، مما يدفع البلاد أحياناً لاتخاذ مواقف دبلوماسية أو اقتصادية تطغى عليها المحاباة على الحيادية والموضوعية.

ويعتمد الصومال على نظام انتخابي معقد يمزج بين المحاصصة القبلية وتقاسم المسؤولية بين سلطات الولايات والسلطة الفيدرالية. وبالطبع ، يوزع هذ النظام السلطة بين الحكومة الفيدرالية المركزية والولايات الإقليمية، مما يولد مناكفات سياسية مستمرة تترك الباب موارباً لدخول القوى الخارجية البراجماتية ، مستغلة بذلك رغبة تلك القوى في تقوية مواقفها ضد بعضها البعض أو ضد السلطة الفيدرالية، ومن ثمّ تقوم ببناء علاقات اقتصادية واتفاقيات أمنية مع القوى السياسية المتنافسة بمعزل عن السلطات الحكومية المختصة في حماية جدار السيادة للدولة. ومما لا شك فيه أن تنافساً دورياً كهذا في نهاية كل أربع سنوات يضعف الجبهة الداخلية ويديم الارتهان الخارجي، ويمزق وحدة القرار السيادي للبلاد، ويعدم استقلالية فصل سلطة المؤسسات ما بين السياسية وغير السياسية.

  • الاعتماد الأمني والعسكري على الخارج

يواجه الصومال تحديات أمنية مستمرة في مكافحة الإرهاب، مما جعله معتمداً منذ عام 2007 على قوات دولية ومساعدات إقليمية، ومؤخراً على شراكات عسكرية ثنائية متزايدة مع دول مثل تركيا ومصر والسعودية وغيرها من الدول الشقيقة. وتستغل الكثير من الدول التي تقدم الدعم العسكري أو تشارك في بعثات حفظ السلام هذا النفوذ للضغط على القرار السياسي للدولة، والتأثير على الانتخابات المحلية الدورية، وتعيين القيادات الأمنية أو اختيار بعض القادة السياسية في الدولة وذلك لضمان بقاء مصالح تلك الدول واستراتيجياتها الجيوسياسية في منطقة القرن الأفريقي الحيوية، خصوصاً من الدول التي تربطها بالصومال خصومات أو عداوات تاريخية معروفة المنشأ. ويمثل ذلك المشهد نافذة مفتوحة تتيح لبعض الدول غير الملتزمة بالقواعد الدولية المنظمة للعلاقات بين الدول المستقلة فرض أجنداتها، مما يضعف سيادة القرار الصومالي ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني الداخلي.

تداخل الأجندات ومسارات التنافس

يُعدّ التنافس الإقليمي والدولي والتأثير الأجنبي في الصومال من أبرز العوامل المسببة لانعدام الاستقرار السياسي منذ استقلاله، ومصدراً رئيساً للتدخلات الخارجية. وقد ترك هذا التدخل أثراً مزدوجاً (إيجابياً وسلبياً) في مسيرة بناء المؤسسات الوطنية خلال العقود الأخيرة. ونظراً للموقع الجغرافي المفتوح حدودياً للصومال في منطقة القرن الأفريقي، وقربه من الممرات الحيوية كمضيق باب المندب، تتداخل على أرضه أجندات إقليمية ودولية تميزت بالتقاطع في تاريخها، وتسير في الآونة الأخيرة ضمن مسارين متناقضين:

  1. مسار مساند:يُعزز الأولويات المرحلية للصومال، ويدعم استقلالية قراره السيادي، ويُؤيد خطط تجاوزه للأوضاع الراهنة المعقدة؛ إذ تُشكل تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر وكذلك قطر نموذجاً عملياً لهذا الاتجاه على مستوى المنطقة وليس الدولي
  2. مسار مناوئ:يقف ضد قيام دولة صومالية قوية وموحدة منذ اللحظات الأولى لاستقلالها، ويسعى بأساليب مختلفة إلى تفكيك جغرافيتها السياسية إلى كانتونات قبلية متشظية؛ وتُعد إثيوبيا وإسرائيل مثالين بارزين لهذا النهج على المستوى الإقليمي أيضا. ويلا حظ على إنّ الأدوار التي يؤديها رواد هذين المعسكرين تُشكل اتجاهين متعاكسين للجهود الشاملة المتقاطعة فوق الجغرافيا السياسية للبلاد، ويُمثلان تكتلين سياسيين بينهما تمايزٌ كاملٌ في المنطلق وتَبايُنٌ كلي في الفكر الاستراتيجي.

ولايوجد دراسات علمية رصينة ترسم خرائط دقيقة لتلك الدول والكتل من حيث العدد، وتُحدد عمق تأثيرها وطبيعة تفاعلها مع المشهد السياسي المحلي. كما تغيب الرؤية الحاسمة في تحديد أصل  الأزمة : هل التأثيرات الخارجية هي التي تُنتج تطورات الأزمة ، أم أن العكس هو الصحيح؟

ويبدو أن هذه الجدلية  اللامحسومة بعد تشبه إلى حد كبير السجال الفكري في علم الجيوبوليتيك بين نظريّة “قلب الأرض” (Heartland) للعالم البريطاني هالفورد ماكندر (1861–1947)، التي ترى في البرّ المحدد الأساسي لقوة الدولة، ونظريّة “حافة الأرض” (Rimland) للعالم الأمريكي نيكولاس سبايكمان (1893–1943)، التي ترجح أن البحر والمحيط الساحلي هما المحدد الرئيسي للقوة. وبالتأكيد، يمنح الموقع الجغرافي الدولة أهمية استثنائية تزيد موقفها السياسي بقوة إضافية. فبينما تُشكل الجغرافيا لبعض الدول درعاً واقياً يدرأ عنها الأطماع، تفرض على دول أخرى عبئاً ثقيلاً يجعلها منكشفة أمام التدخلات. وفي غالب الأحوال ، فإن الدول المشاطئة للممرات المائية أو المطلة على المضائق الحيوية — كالصومال — يُرسم واقعها الجيو-اقتصادي وفق ما يُعرف بـ القدر الجيوسياسي؛ حيث تتحمل وطأة التأثيرات الخارجية، ويرتبط أمنها الوطني بأمن القوى الإقليمية والدولية. ومعنى ذلك أن الأزمة الصومالية المعاصرة ليست نتاجاً ناعماً لمؤامرات خارجية بحتة، ولا هي فشل محلي معزول؛ بل هي تفاعل متبادل وتأثير رجعي بين العوامل الخارجية المتجددة والداخلية المتموجة.

ويؤدي هذا التشابك المستمر إلى تعميق الانقسامات، ويحول دون الاستقرار المتين، كما يُصعّب إيجاد معالجات عبر مسارات ظرفية؛ إذ لا تكفي الحلول الداخلية المحضة وحدها في ظل هذه التجاذبات السائدة، ولا الوصفات الدولية الجاهزة قادرة بمفردها على فرض استقرار مستدام. وتُعد التجاذبات اللانهائية بين السلطة الفيدرالية والولايات الأعضاء الجوهر البنيوي والمظهر المجسّد لهذا التشابك المستمر. ورغم تبني الدستور المؤقت عام 2012 كإطار لحل الفروقات السياسية، إلا أن صياغته جاءت حمالة أوجه ومؤجلة لملفات سيادية حساسة، تاركة تنفيذ أغلب فصوله الـ 15 محل حوار بين المركز والولايات في ظل غياب آليات إلزامية مستقلة فيما بينهما، مما جعل تفسير مواده أو تعديل بعض فصوله ساحة صراع مستمرة. وينعكس بقاء هذه التجاذبات سلباً على تحقق الأولويات الحكومية في الحفاظ على الوحدة السياسية، والتعافي الاقتصادي، ومكافحة الإرهاب؛ لأنها تعطّل التواصل المباشر، وتضعف التنسيق الميداني، وتشتت الجهد العسكري، وتُحدث خللاً في توزيع الموارد المالية المحدودة في القضيا المشتركة.

خاتمة

ختاماً؛ لا تُعدُّ حتميةُ الجغرافيا قدراً مطلقاً؛ إذ يظلُّ العاملُ الحاسمُ هو حكمة القيادة وترسيخ الوعي الاستراتيجي المجتمعي، اللذين يتجاوزان فروض الطبيعة ومحدداتها. كما يُعدُّ بناءُ توافقٍ وطنيٍّ صلبٍ حول القضايا المصيرية (الوحدة الترابية للبلاد، واستكمال الدستور، وتحديد نموذج الحكم، والانتخابات)، وتوسيع خدمات التنمية البشرية، أمرين ضروريين لتعزيز مناعة الدولة ضد الاختراق الخارجي، وتحصين الجبهة الداخلية من نفاذ التأثيرات الخارجية المهدِّدة لتماسكها أو المستهدفة على ديمومتها . فالسيادة الحقيقية لا تحميها القوة العسكرية وحدها، بل يصونها رشدٌ قيادي ورؤيةٌ علمية تُشكِّلان وعياً مدعوماً بمنظومة مؤسسية متكاملة، واقتصادٍ قوي يضمن الاكتفاء الذاتي ويحمي استقلالية القرار الوطني .

سيد عمر معلم عبد الله

مؤرخ ودبلوماسي صومالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى