تحليلات

الاتحاد الإفريقي في الصومال بعثة لا تستطيع الاستمرار ولا يمكنها الانسحاب

لم تكن المذكرة العاجلة التي وجهتها مفوضية الاتحاد الإفريقي إلى سفارة الصومال في أديس أبابا، في 20 يوليو 2026، مجرد دعوة إجرائية إلى سلسلة من الاجتماعات. فقد كشفت، في مضمونها وتوقيتها، أن مستقبل الوجود الإفريقي في الصومال أصبح موضع مراجعة استراتيجية مفتوحة.

وقد دعت المذكرة إلى مشاورات فنية وخبرائية، أعقبتها اجتماعات لرؤساء الأركان ووزراء الدفاع، ثم قمة استثنائية للدول المساهمة بقوات وشرطة في بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال (African Union Support and Stabilization Mission in Somalia – AUSSOM)، من هنا فصاعدا نسنتخدم الاختصار بالعربي «أوصوم»، عُقدت في كمبالا في 31 يوليو 2026. ولم يكن النقاش متعلقًا بتعديل عملياتي محدود؛ بل شمل هيكل القوة، والتمويل، والدعم اللوجستي، والمخاطر، وترتيبات الانتقال، والخيارات الممكنة لمستقبل البعثة.

وتأتي هذه التحركات في لحظة شديدة الحساسية؛ فولاية أوصوم والدعم الذي يقدمه مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال ممتدان حتى نهاية ديسمبر 2026، غير أن الولايات المتحدة أبلغت الاتحاد الإفريقي بأنها لن تؤيد استمرار الدعم اللوجستي والتشغيلي الأممي للبعثة بعد ذلك التاريخ، مع عدم اعتراضها، من حيث المبدأ، على تجديد التفويض السياسي للبعثة نفسها.

وهذا الفصل بين بقاء التفويض ووقف الأدوات التي تسمح بتنفيذه يضع الاتحاد الإفريقي أمام معضلة واضحة، ألا وهي: بعثة ما تزال ضرورية لمنع التراجع الأمني؛ لكنها تفقد الشروط المالية واللوجستية التي تمكّنها من أداء مهمتها.

وعليه، يهدف هذا المقال إلى توضيح طبيعة هذه المعضلة، بعيدًا عن اختزالها في نقص التمويل وحده؛ إذْ تنبع أهميته من أن مصير أوصوم لا يرتبط بوجود قوات أجنبية في الصومال فحسب؛ بل بمستقبل الترتيبات الأمنية في البلاد، وقدرة المؤسسات الصومالية على احتواء حركة الشباب، واحتمال ظهور فراغ أمني تتجاوز آثاره حدود الصومال إلى منطقة القرن الإفريقي.

ولتحقيق ذلك، سيناقش هذا المقال هشاشة نموذج تمويل البعثة، واتساع مهامها مقارنة بقدراتها، وتعثر الانتقال الأمني إلى المؤسسات الصومالية، ثم يوضح لماذا أصبح استمرارها مكلفًا، بينما يبدو انسحابها السريع أكثر خطورة.

أزمة تتجاوز نقص التمويل

قد تبدو المشكلة الحالية مالية في المقام الأول، لكن اختزالها في نقص الأموال يحجب طبيعتها البنيوية. فالاتحاد الإفريقي يقود أوصوم سياسيًا وعسكريًا، بينما تعتمد قدرة البعثة اليومية على العمل على منظومة خارجية موزعة بين المساهمات الدولية، وبدلات القوات، والدعم الثنائي، والخدمات التي يقدمها مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال. وتشمل هذه الخدمات النقل الجوي والبري، والوقود، والإعاشة، والاتصالات، وصيانة المعدات، وإدارة سلاسل الإمداد، والإخلاء الطبي للجنود المصابين.

ومن ثم، فإن فقدان الدعم الأممي لا يعني تقليص بند مالي فقط؛ بل احتمال تعطيل العمود الفقري العملياتي للبعثة. وقد واجه مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال بالفعل تخفيضًا يقارب 25 في المئة من موازنته المعتمدة للسنة المالية الحالية، بما ينعكس مباشرة على الطيران، واستدامة القوات، وإدارة المعدات، والخدمات اللوجستية الأساسية.

وتكشف هذه البنية عن خلل واضحن يتمثل في الجهة التي تتحمل المسؤولية السياسية عن نجاح المهمة ليست هي نفسها التي تضمن تمويلها وتشغيلها. وعندما يتغير موقف مانح رئيس أو عضو دائم في مجلس الأمن، تصبح البعثة مهددة بصرف النظر عن تقديرات قادتها الميدانيين أو احتياجات الحكومة الصومالية.

وقد سبق لمقال نشره أفروبوليسي في مايو 2025 حيث أشار إلى أن أوصوم بدأت عملها وهي تحمل مشكلات التمويل التي واجهت البعثات السابقة، وأن التعويل على تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2719 لم يتحول إلى مصدر تمويل مستدام ومضمون. ولذلك لا تمثل الأزمة الحالية تطورًا مفاجئًا، بل تجسيدًا للمخاوف التي صاحبت إنشاء البعثة منذ البداية.

مهمة واسعة بقدرات أضيق

تتمثل المشكلة الثانية في التناقض بين اتساع تفويض أوصوم وتراجع الموارد المتاحة لتنفيذه. فالبعثة مطالبة بدعم القوات الصومالية في مواجهة حركة الشباب، وحماية المراكز الحيوية، وتأمين طرق الإمدادات، ومساندة عمليات الاستقرار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والمساهمة في بناء قدرات الجيش والشرطة، وصولًا إلى نقل المسؤولية الأمنية كاملة إلى المؤسسات الصومالية.

وهذه ليست مهام متوازية بسيطة؛ بل أدوار عسكرية وسياسية ولوجستية ومؤسسية متداخلة، تتطلب قوة قادرة على الانتشار والحركة والاحتفاظ بالمواقع وتقديم الإسناد المستمر.

لكن أوصوم تعمل بهيكل أكثر انكماشًا من البعثات الإفريقية السابقة، وفي بيئة لم ينته فيها التهديد الذي استدعى التدخل أصلًا. فحركة الشباب لا تزال تملك قدرة على الحركة، وتنفيذ الهجمات، وجمع الأموال، واختراق المجتمعات، واستغلال النزاعات المحلية، وضرب القوات الحكومية والإفريقية. وبذلك تبدو البعثة قادرة على منع الانهيار وحماية بعض المراكز، لكنها أقل قدرة على تحقيق حسم يخلق الشروط الضرورية لانسحابها.

ويدل ذلك على وجود خلل متكرر في تصميم البعثات الإفريقية في الصومال؛ فكلما تقلص عدد القوات والقواعد، اتسعت التوقعات المتعلقة بنقل المسؤولية وبناء المؤسسات وتحقيق الاستقرار. وبدل أن يؤدي الانتقال من «أميصوم» إلى «أتميس»، ثم إلى «أوصوم»، إلى تقليص الحاجة إلى التدخل الخارجي، بقيت الوظائف الأساسية متشابهة، مع موارد أقل وضغط زمني أكبر. لقد تغيرت أسماء البعثات وصيغ تفويضها؛ لكن الفجوة بين المهمة والقدرة ظلت قائمة.

انتقال أمني لم تكتمل شروطه

كان الهدف المعلن من مراحل الانتقال المتعاقبة هو تمكين المؤسسات الصومالية من تولي المسؤولية الأمنية. غير أن الانتقال لا يتحقق بمجرد تسليم قاعدة عسكرية أو رفع علم جديد فوقها؛ بل يتطلب قوات وطنية موحدة، وقيادة عملياتية متماسكة، ورواتب منتظمة، وقدرات نقل واستخبارات وإسناد جوي، ونظامًا فعالًا للإمداد والإخلاء الطبي، فضلًا عن إدارة مدنية قادرة على تثبيت الأمن وتقديم الخدمات في المناطق المستعادة.

وحققت القوات الصومالية تقدمًا مهمًا وخاضت عمليات واسعة ضد حركة الشباب؛ لكن القدرة على بدء الهجوم لا تعني دائمًا القدرة على الاحتفاظ بالأرض، وتأمين الطرق، وحماية السكان، ومنع عودة المسلحين. وكثيرًا ما تنشأ فجوة بين تحرير منطقة وإدارتها؛ فإذا لم تصل الشرطة والإدارة والخدمات، تحول الانتصار العسكري إلى مكسب مؤقت، واستعادت الحركة قدرتها على التسلل أو فرض شبكاتها المالية والقضائية.

ويزداد هذا الضعف بفعل الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات حول الانتخابات، والدستور، وتوزيع الصلاحيات والموارد، وقيادة الترتيبات الأمنية. فالأمن في الصومال ليس مسألة عسكرية منفصلة عن بناء الدولة؛ إذْ يصعب إنشاء جيش وطني موحد عندما تظل العلاقة بين المركز والأقاليم موضع نزاع. كما أن تعدد الشركاء الخارجيين الذين يدربون ويمولون وحدات مختلفة قد يرفع القدرة التكتيكية لبعض القوات؛ لكنه لا يضمن تلقائيًا بناء مؤسسة أمنية وطنية ذات قيادة وعقيدة ونظام تمويل موحد.

ولهذا لا يستطيع الاتحاد الإفريقي إتمام انتقال أمني في بيئة سياسية لم تستكمل شروط التوافق الداخلي. كما لا تستطيع البعثة أن تعوض إلى ما لا نهاية غياب التسويات السياسية والإدارية التي تمنح القوات الصومالية أساسًا مؤسسيًا مستقرًا.

وهذه هي نقطة الضعف التي تجعل الانسحاب محفوفًا بالمخاطر، وتجعل استمرار البعثة عاجزًا، في الوقت نفسه، عن معالجة أصل المشكلة.

البقاء مكلف والانسحاب أخطر

لقد أصبح الاتحاد الإفريقي محاصرًا بين خيارين يحمل كل منهما تكلفة مرتفعة. فالاستمرار بصيغة أوصوم الحالية يعني بقاء الاعتماد على تمويل غير مستقر، وتراكم المتأخرات والالتزامات، وتراجع حماس الدول المساهمة، واحتمال انخفاض القدرة العملياتية مع تقليص خدمات الدعم.

وقد يؤدي استمرار بعثة ضعيفة التمويل إلى وجود عسكري يحافظ على الانتشار الاسمي، لكنه يفتقر إلى الحركة والاستطلاع والإخلاء والإمداد الضرورية لتنفيذ مهامه.

وفي المقابل، قد يؤدي الانسحاب السريع إلى ترك قواعد وطرق ومراكز سكانية من دون حماية كافية، ووضع القوات الصومالية تحت ضغط يتجاوز قدراتها الحالية، ومنح حركة الشباب فرصة لإعادة الانتشار واستعادة المبادرة. والخطر الأكبر لا يتمثل في سقوط منطقة هنا أو هناك فحسب، بل في انهيار الثقة في مسار الانتقال كله، ودخول الدول المساهمة في انسحابات منفردة أو ترتيبات ثنائية متفرقة، بما يجزئ القيادة الأمنية ويحول الصومال إلى ساحة أوسع لتنافس الشركاء الإقليميين.

لهذا لا تمثل اجتماعات يوليو وقمة كمبالا إعلانًا بسيطًا عن تمديد البعثة أو إنهائها، بل اعترافًا بأن النموذج الحالي وصل إلى حدوده. فالاتحاد الإفريقي لا يستطيع تمويل وجود مفتوح المدة، لكنه لا يملك أيضًا ضمانات بأن الدولة الصومالية تستطيع تعويضه فورًا. والمشكلة الحقيقية ليست الاختيار النظري بين البقاء والانسحاب، بل الفجوة بين الموعد السياسي للخروج والقدرة الفعلية على تسلم المسؤولية.

إعادة تصميم الدور الإفريقي

لا يكون الخروج من هذه المعضلة بتغيير اسم البعثة مرة أخرى، ولا بتمديدها سنويًا من دون شروط واضحة. فالمطلوب هو إعادة تصميم الدور الإفريقي على أساس انتقال تدريجي واقعي، يحدد الوظائف التي لا يمكن التخلي عنها فورًا، مثل الإسناد الجوي، والإخلاء الطبي، وحماية طرق الإمداد، ودعم الاستخبارات، مع نقل المهام الأخرى إلى المؤسسات الصومالية وفق معايير قابلة للقياس، لا وفق جداول زمنية سياسية منفصلة عن الواقع الميداني.

ويقتضي ذلك ربط أي تمويل انتقالي بتقدم ملموس في توحيد القوات والرواتب والقيادة، وتحسين العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ووضع ترتيبات واضحة لإدارة المناطق المستعادة. كما ينبغي تنسيق الاتفاقات الأمنية الثنائية داخل إطار وطني مشترك، حتى لا تتحول المساعدات الخارجية إلى شبكات عسكرية متوازية تزيد الانقسام بدلًا من بناء قدرة الدولة.

ولقد أسهم الوجود الإفريقي، طوال ما يقارب عقدين، في حماية مؤسسات الدولة الصومالية ومنع حركة الشباب من السيطرة على المراكز الرئيسة، ولا يمكن تجاهل هذه الوظيفة. لكنه لم ينجح بعد في تحويل المكاسب العسكرية إلى نظام أمني وسياسي قادر على الاستمرار من دونه.

وهنا تكمن مفارقة أوصوم؛ فالبعثة أضعف من أن تحسم الصراع؛ لكنها ما تزال أهم من أن تنسحب فجأة. ولذلك فإن الخيار المسؤول ليس استمرارًا مفتوحًا ولا خروجًا تحت ضغط التمويل؛ بل انتقالًا ممولًا ومحدد المهام، يربط تقليص الوجود الإفريقي ببناء قدرة صومالية حقيقية، وليس بمجرد حلول موعد جديد للانسحاب.

الخاتمة

تؤكد المذكرة الصادرة عن مفوضية الاتحاد الإفريقي، وما أعقبها من مشاورات حول مستقبل أوصوم (AUSSOM)، أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص التمويل، بل أصبحت تمس نموذج الوجود الإفريقي في الصومال برمته. فقد أظهر المقال أن البعثة تواجه فجوة متزايدة بين اتساع مهامها وتراجع مواردها، وأن اعتمادها على الدعم المالي واللوجستي الخارجي يحد من قدرة الاتحاد الإفريقي على التحكم في مسارها.

كما أن الانتقال الأمني إلى المؤسسات الصومالية لا يزال يصطدم بضعف القدرات العملياتية، وتعدد هياكل القوات، واستمرار الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات.

ومن هنا تتضح المعضلة التي طرحتها المقدمة: استمرار البعثة بصورتها الحالية أصبح مكلفًا وغير مستدام، في حين أن انسحابها المتعجل قد يفتح فراغًا أمنيًا تستفيد منه حركة الشباب ويهدد المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية. لذلك، لا يكمن الحل في تمديد مفتوح للبعثة أو إنهائها تحت ضغط التمويل، بل في انتقال تدريجي ومضمون الموارد، يرتبط بتقدم فعلي في بناء المؤسسات الأمنية الصومالية، وتحسين التوافق السياسي الداخلي، والحفاظ مؤقتًا على الوظائف العملياتية التي لا تستطيع القوات الصومالية توليها بمفردها. ومن دون هذا المسار، ستظل “أوصوم” بعثة ضرورية لمنع التراجع الأمني، لكنها عاجزة عن تحقيق الشروط التي تجعل وجودها غير ضروري.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى