مقدمة
تنهض الدولة الصومالية اليوم على مفارقة بنيوية عميقة؛ فكلما اشتدت أزماتها الداخلية ازداد اعتمادها على الخارج بوصفه مصدرًا للنجاة، وكلما حاولت استعادة زمام المبادرة من داخلها، تكاثرت عوامل التعطيل التي تنتجها بيئتها السياسية والاجتماعية. وهذه المفارقة ليست مجرد توصيف لحالة سياسية معينة، بل تمثل إطارًا تفسيريًا يساعد على فهم طبيعة الخلل الذي لازم مشروع إعادة بناء مؤسسات الدولة الصومالية منذ انهيارها عام 1991 وحتى اليوم.
لقد أصبح الخارج، بما يملكه من أدوات سياسية وأمنية واقتصادية، جزءًا من معادلة بقاء الدولة واستمرارها، بل تحول إلى رافعة أساسية لاستمرارها، بعد أن وفر ما عجزت البنية الداخلية عن إنتاجه من موارد ومؤسسات وآليات دعم. ولا يقتصر المقصود بالخارج على الأمم المتحدة فحسب، وإنما يشمل شبكة واسعة من الفاعلين الدوليين والإقليميين الذين أصبحوا جزءًا من المشهد المؤسسي للدولة الصومالية.
تمثل الولايات المتحدة أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا في الملف الصومالي، بينما تضطلع الأمم المتحدة بدور محوري عبر بعثاتها السياسية والإنسانية وبرامجها التنموية. كما شكّل الاتحاد الإفريقي، من خلال بعثاته العسكرية المتعاقبة (AMISOM ثم ATMIS ثم AUSSOM)، العمود الفقري للأمن الوطني طوال سنوات. وأسهم الاتحاد الأوروبي في تمويل المؤسسات وإعادة بنائها، في حين قاد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي برامج الإصلاح الاقتصادي وإعادة هيكلة المالية العامة. وإلى جانب ذلك، لعبت دول شريكة، مثل تركيا وقطر والإمارات وإثيوبيا وكينيا، أدوارًا متفاوتة في مجالات الأمن والتدريب والبنية التحتية.
ولم تعد هذه الجهات مجرد شركاء داعمين، بل أصبحت جزءًا من آليات عمل الدولة نفسها، إذ تعتمد عليها الحكومة في التمويل وبناء القدرات وإدارة ملفات حساسة، مثل الأمن والانتخابات والإصلاحات الاقتصادية. وهكذا تحول الخارج إلى فاعل بنيوي داخل الدولة الصومالية، يصعب فصل تأثيره عن مسارها السياسي والمؤسسي.
وفي المقابل، ظل الداخل، بما يحمله من انقسامات سياسية وضعف وهشاشة مؤسسية وتشظي في الولاءات، منتجًا مستمرًا للأزمات. فكثيرًا ما تعاملت النخب السياسية مع الدولة باعتبارها أداة لتحقيق المكاسب الفئوية أو تصفية الحسابات، لا باعتبارها مشروعًا وطنيًا جامعًا. كما بقيت الولاءات العشائرية والإقليمية والمناطقية تتقدم على الولاء الوطني، الأمر الذي أضعف المؤسسات وحوّل الدولة من إطار لإدارة الخلافات إلى ساحة لإنتاجها.
ومن ثم، فإن هذه الثنائية بين خارج يصنع النجاة وداخل يصنع الأزمات تمثل أحد أهم المفاتيح لفهم طبيعة الدولة الصومالية المعاصرة، كما تفسر محدودية قدرتها على إنتاج حلول ذاتية أو بناء مشروع وطني مستدام.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل هذه المفارقة من منظور سببي–تحليلي، يستند إلى العلاقة بين بنية الدولة وسلوك الفاعلين وطبيعة التحديات، مستلهمة منهجية التحدي والاستجابة لفهم كيفية تشكل هذا الاختلال، والبحث في السبل الكفيلة بإعادة الاعتبار للداخل بوصفه مصدرًا للحلول لا مصدرًا للأزمات.
أولًا: المفارقات التاريخية والسياسية
المفارقة الأولى: الصومال الدولة التي صنعها الخارج أكثر مما صنعها الداخل
إذا كانت معظم الدول الحديثة قد تشكلت عبر مسارات تاريخية داخلية قادتها نخب وطنية أو حركات اجتماعية، فإن الحالة الصومالية تقدم نموذجًا مختلفًا؛ إذ إن نشأة الدولة الحديثة ارتبطت، إلى حد كبير، بتفاعلات النظام الدولي أكثر من ارتباطها بتطور سياسي داخلي متدرج. فمنذ أن لفت الموقع الجغرافي للصومال أنظار القوى البحرية الأوروبية في القرن الخامس عشر، أصبح هذا الإقليم جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الدولية، قبل أن يصبح دولة مستقلة بقرون.
لقد أدركت القوى الأوروبية مبكرًا أن الصومال لا يمثل مجرد امتداد جغرافي في شرق إفريقيا، بل يشكل عقدة استراتيجية تتحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، حيث يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن، ويطل على المدخل الجنوبي لمضيق باب المندب، وهو ما منح المنطقة قيمة استثنائية في حركة التجارة العالمية، وفي الصراعات الجيوسياسية بين القوى الكبرى.
ومن هنا، لم تكن الاستكشافات الأوروبية مجرد رحلات علمية أو ملاحية، وإنما شكلت المرحلة الأولى في بناء المعرفة الاستراتيجية عن الصومال. فقد أنتجت الخرائط البحرية، وحددت الموانئ ومراكز التجارة، ورصدت الخصائص الاقتصادية والاجتماعية للسواحل الصومالية، وهي المعرفة التي تحولت لاحقًا إلى أساس للتوسع الاستعماري وفرض النفوذ السياسي والعسكري خلال القرن التاسع عشر.
ومع انطلاق التنافس الاستعماري على إفريقيا في نهاية القرن التاسع عشر بعد مؤتمر برلين، أصبح الصومال أحد ميادين الصراع بين بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، ثم إثيوبيا، وانتهى ذلك بتقسيم الأراضي الصومالية إلى كيانات استعمارية متعددة، وفق مصالح القوى الكبرى، وليس وفق الاعتبارات التاريخية أو الاجتماعية للسكان. وهكذا، فإن الحدود السياسية التي ورثتها الدولة الصومالية بعد الاستقلال لم تكن نتاج توافق وطني، وإنما كانت امتدادًا لترتيبات دولية فرضتها موازين القوة في ذلك العصر.
غير أن المفارقة الكبرى تتمثل في أن العامل الخارجي الذي أسهم في ولادة الدولة ظل حاضرًا في جميع مراحل تطورها. فبعد الاستقلال، أصبحت الصومال ساحة للتنافس الدولي خلال الحرب الباردة، ثم تحولت بعد انهيار الدولة عام 1991 إلى ميدان للتدخلات الإنسانية والعسكرية، ولاحقًا إلى محور رئيسي في استراتيجيات مكافحة الإرهاب، وتأمين الملاحة الدولية، والتنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ويكشف هذا الامتداد التاريخي أن قيمة الصومال بالنسبة للعالم لم تكن نابعة من قوته المؤسسية، بل من موقعه الجيوسياسي الفريد. فالدول الكبرى تعاملت مع الصومال، في كثير من الأحيان، باعتباره ركيزة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، أكثر من كونه دولة تحتاج إلى مشروع مستدام لبناء مؤسساتها الوطنية.
ومن ثم، فإن المفارقة الأولى في تاريخ الدولة الصومالية تتمثل في أن الخارج كان شريكًا رئيسيًا في نشأتها أي تشأة الدولة الصومالية، وظل فاعلًا مؤثرًا في مسارها، بينما بقي الداخل عاجزًا عن تحويل هذه الأهمية الجيوسياسية إلى مصدر للقوة والاستقرار والتنمية. لقد امتلك الصومال موقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، لكنه لم ينجح، حتى الآن، في تحويل هذا الموقع إلى مشروع وطني يعزز سيادة الدولة ويكرس استقلال قرارها السياسي، بل تحول الموقع في كثير من الأحيان إلى بوابة لتكثيف التدخلات الخارجية وتعميق الانقسامات الداخلية.
وهكذا، تتجلى أولى مفارقات الدولة الصومالية في أن الخارج أسهم في صنع إطارها السياسي، وما يزال يؤدي دورًا مؤثرًا في إعادة تشكيل مساراتها، في حين ظل مشروع بناء الدولة من الداخل يواجه تحديات بنيوية حالت دون استثمار المزايا الاستراتيجية التي يمتلكها الصومال لصالح دولته ومجتمعه.
وعليه، نستنتج أن المفارقة الأولى في مسار الدولة الصومالية تتمثل في أن نشأتها الحديثة كانت نتاجًا لتفاعلات خارجية فرضتها القيمة الجيوسياسية لموقعها الاستراتيجي، أكثر من كونها حصيلة تطور سياسي داخلي خالص. فقد أسهم الموقع الجغرافي للصومال في جذب اهتمام القوى الدولية، وفي تشكيل حدوده وكيانه السياسي منذ مرحلة الاستكشافات الأوروبية وصولًا إلى الاستقلال. والمفارقة أن هذا البعد الخارجي لم يفقد أهميته بعد أكثر من ستة وستين عامًا على قيام الدولة، بل ما زال يمثل أحد أهم مرتكزات السياسة الصومالية ورهانها الرئيس في تعزيز الأمن، وجذب الدعم الدولي، وإعادة بناء الدولة، في ظل استمرار ضعف العوامل الداخلية القادرة على قيادة هذا المشروع بصورة مستقلة.
المفارقة الثانية: التدخل الإثيوبي عام 2006…حين أنقذ الخصم التاريخي الدولة الشرعية
مثّل التدخل العسكري الإثيوبي عام 2006 محطةً مفصليةً في تاريخ الدولة الصومالية الحديثة، ليس فقط بسبب تأثيره المباشر في موازين القوى داخل البلاد، بل لأنه كشف عن مفارقة متعددة الأبعاد في علاقة الصومال بمحيطه الإقليمي. فقد تدخلت إثيوبيا – الخصم التاريخي في الوجدان الصومالي – لدعم الحكومة الفيدرالية الانتقالية (T.F.G)برئاسة الرئيس الراحل عبد الله يوسف أحمد، في لحظة كانت فيها الدولة على وشك الانهيار الكامل، بعد أن بسط اتحاد المحاكم الإسلامية سيطرته على معظم مناطق جنوب ووسط البلاد، بما في ذلك العاصمة مقديشو.
ورغم الجدل الواسع الذي أحاط بشرعية هذا التدخل وتداعياته السياسية، فإن الوقائع تشير بوضوح إلى أن إثيوبيا كانت العامل الحاسم في منع سقوط الحكومة الانتقالية. فبدون تدخلها العسكري المباشر، كانت مؤسسات الدولة معرضةً للانهيار، وربما دخلت البلاد مرحلةً جديدةً من الفراغ السياسي، يصعب التنبؤ بمآلاتها.
إثيوبيا… الخصم الذي أصبح المنقذ
تكمن المفارقة في أن الدولة التي ارتبطت تاريخيًا في الوعي الجمعي الصومالي بالعداء والصراع الحدودي، هي ذاتها التي أسهمت – عمليًا – في إنقاذ الحكومة الشرعية من الانهيار. ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن الحسابات الاستراتيجية التي حكمت القرار الإثيوبي، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات رئيسية:
- الخوف من انتقال التهديدات الأمنية والسياسية
كانت أديس أبابا تدرك أن انهيار الدولة الصومالية، أو سيطرة حركة ذات توجهات إسلامية متشددة على مقديشو، سيشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وقد يفتح المجال أمام انتقال الفوضى وعدم الاستقرار إلى داخل حدودها، ولا سيما في المناطق المتاخمة للصومال.
- الحفاظ على توازنات القرن الإفريقي
رأت إثيوبيا أن ترك الساحة الصومالية دون تدخل سيؤدي إلى تغيير جوهري في موازين القوى الإقليمية، وربما يتيح لقوى إقليمية أو دولية منافسة ملء الفراغ، وهو ما يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية ونفوذها في القرن الإفريقي.
- منع تشكل نموذج سياسي معادٍ على حدودها
كانت أديس أبابا تخشى أن يؤدي صعود اتحاد المحاكم الإسلامية إلى نشوء كيان سياسي يتبنى خطابًا تعبويًا قد يعيد إحياء النزاعات التاريخية، أو يشجع الحركات المسلحة والمعارضة داخل إثيوبيا.
الدور السياسي… رغم الجدل الأخلاقي
وعلى الرغم من أن التدخل الإثيوبي أثار انقسامًا سياسيًا وشعبيًا واسعًا داخل الصومال، فإن القراءة الموضوعية تقتضي الإقرار بأن إثيوبيا أدت دورًا محوريًا في حماية الحكومة الشرعية خلال تلك المرحلة الحرجة. فقد وفرت الغطاء العسكري والسياسي الذي مكّن مؤسسات الدولة من الصمود، وأعاد فتح المجال أمام استئناف العملية السياسية، ومنح الحكومة الانتقالية فرصة لإعادة ترتيب أوضاعها وتعزيز وجودها.
وهكذا تتجلى المفارقة بوضوح؛ فالدولة التي ارتبط اسمها تاريخيًا بالعداء للصومال، كانت هي نفسها التي أسهمت في إنقاذ حكومته الشرعية من الانهيار. وربما كان دافعها الرئيس حماية أمنها القومي ومنع تداعيات الفوضى من الامتداد إلى أراضيها، إلا أن النتيجة النهائية تمثلت في الإسهام في الحفاظ على استمرارية الشرعية السياسية الصومالية.
ويعكس هذا الحدث طبيعة العلاقة المعقدة بين الصومال ومحيطه الإقليمي، ويؤكد أن الدولة الصومالية، في لحظات الأزمات الوجودية، اعتمدت على الدعم الخارجي أكثر من اعتمادها على قدراتها الذاتية، وأن بقاء مؤسساتها واستمرارها كان، في كثير من الأحيان، مرهونًا بتدخلات خارجية، حتى وإن جاءت من خصوم تاريخيين.
ثانيًا: المفارقة الراهنة… أزمة الشرعية السياسية واستيراد الحلول من الخارج
تعيش الصومال اليوم واحدة من أكثر مراحلها السياسية تعقيدًا منذ قيام الجمهورية الثالثة؛ إذ لم تعد الأزمة مقتصرة على الخلاف حول موعد الانتخابات أو آليات تقاسم السلطة، بل تحولت إلى أزمة شرعية سياسية ودستورية تمس جوهر النظام السياسي ومستقبل مشروع بناء الدولة. فبعد أكثر من عامين من الجدل حول التعديلات الدستورية، وطبيعة النظام السياسي، وشكل الانتخابات، وصلت الثقة بين السلطة والمعارضة إلى أدنى مستوياتها، وبات السؤال الأكثر إلحاحًا: من يمتلك الشرعية السياسية والأخلاقية لقيادة المرحلة الانتقالية؟
وتزداد حدّة هذا السؤال مع انتهاء مدة المؤسسات الدستورية دون التوصل إلى توافق وطني بشأن إدارة المرحلة الانتقالية، الأمر الذي عمّق الشعور بغياب مرجعية دستورية واضحة، وفتح الباب أمام تأويلات متضاربة للنصوص القائمة وهكذا تحولت الأزمة إلى فراغ شرعي ودستوري يهدد استمرارية الدولة، ويضع مشروعها الوطني أمام اختبار مصيري.
ويعود هذا الفراغ إلى استمرار العمل بالدستور المؤقت وعدم استكمال الدستور الدائم، وهو ما أوجد مساحة واسعة لتعدد التأويلات القانونية والسياسية، وجعل كل طرف يفسر النصوص بما يخدم رؤيته ومصالحه. ونتيجة لذلك، انتقل الخلاف من كونه تنافسًا سياسيًا طبيعيًا إلى أزمة بنيوية تهدد شرعية المؤسسات وتربك المسار الدستوري برمته.
وفي محاولة لتجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، انطلقت جولات الحوار السياسي برعاية ودعم دوليين، تشارك فيها تركيا إلى جانب الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، في مسعى لتقريب وجهات النظر وتوفير مظلة سياسية تحول دون انهيار العملية السياسية. غير أن استمرار الخلافات الجوهرية وفشل الوصول إلى تفاهمات حاسمة يشيران إلى أن فرص نجاح هذا المسار أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن احتمالات تعثره وفشله لا يمكن استبعادها.
وإذا أخفق هذا الحوار، فإن تداعيات ذلك قد تتجاوز الأزمة السياسية الراهنة لتطال مجمل مشروع بناء الدولة الصومالية. فالفشل لن يعني فقط تعثر التوافق بين الحكومة والمعارضة، بل قد يؤدي إلى إضعاف شرعية المؤسسات، وتعميق الانقسام السياسي، وربما إعادة البلاد إلى دوامة الاستقطاب التي رافقت مراحل سابقة من تاريخها الحديث.
وتبرز هنا مفارقة مؤلمة؛ فعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على انهيار الدولة، لا يزال الصوماليون عاجزين عن إدارة خلافاتهم الكبرى عبر حوار وطني خالص داخل مؤسساتهم الوطنية. ففي معظم المنعطفات التاريخية، كانت التسويات السياسية الكبرى تتم برعاية إقليمية أو دولية، سواء في نيروبي أو جيبوتي أو أديس أبابا أو غيرها، بينما ظل الحوار الصومالي–الصومالي داخل الوطن يواجه صعوبات متكررة في الوصول إلى تسويات مستدامة.
ومن ثم يبرز سؤال جوهري: إلى متى ستظل الصومال تستورد حلولها السياسية من الخارج؟ وإلى متى ستبقى الإرادة الوطنية عاجزة عن إنتاج توافقاتها بنفسها؟ إن استمرار الاعتماد على الوسطاء الخارجيين لا يعكس فقط أهمية الدور الدولي، بل يكشف أيضًا عن أزمة داخلية في بناء الثقة بين النخب السياسية، وعن ضعف الثقافة التوافقية التي تُعد أساسًا لاستقرار الدول الخارجة من النزاعات.
ولا تقع مسؤولية هذا الانسداد على طرف واحد، بل تبدو مسؤولية مشتركة. فمن جهة، تُوجَّه انتقادات للرئاسة بسبب الإصرار على تمرير خيارات سياسية لا تحظى بإجماع واسع، وهو ما أدى إلى اتساع فجوة الثقة وإضعاف فرص الوصول إلى توافق وطني. ومن جهة أخرى، تواجه قوى المعارضة انتقادات تتعلق بتشتت مواقفها، وضعف قدرتها على تقديم بدائل سياسية جامعة، واعتماد بعض أطرافها على الدعم أو الضغوط الخارجية، أو تبني مواقف يغلب عليها الرفض دون تقديم رؤية متكاملة لإدارة المرحلة المقبلة.
وهكذا، لا تبدو الأزمة الراهنة مجرد خلاف بين سلطة ومعارضة، بل تعكس أزمة أعمق في طبيعة الممارسة السياسية الصومالية. فكلما تعثر أو فشل الحوار الداخلي الحوار الصومالي الصومالي ، تعاظم حضور الخارج بوصفه وسيطًا وضامنًا، وكلما ضعفت الإرادة الوطنية، ازدادت الحاجة إلى الرعاية الدولية. وتلك هي المفارقة التي ما زالت ترافق التجربة الصومالية منذ نشأة الدولة الحديثة: كلما عجز الداخل عن إنتاج التوافق، تولى الخارج مهمة صناعة التسوية، حتى أصبح التدخل الخارجي جزءًا من آلية إدارة الأزمات بدلًا من أن يكون استثناءً تفرضه الضرورة.
ثالثًا: أزمة الثقافة السياسية
تكشف التجربة الصومالية الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود عن أزمة عميقة في الثقافة السياسية، وهي أزمة تتجاوز الخلافات الظرفية بين السلطة والمعارضة لتلامس البنية الذهنية التي تُدار بها الدولة. فلم تتمكن النخب السياسية، سواء في الحكم أو المعارضة، من بناء نموذج وطني قادر على إدارة الخلافات عبر مؤسسات الدولة أو من خلال آليات الحوار الداخلي، بل ظلّ الاعتماد على الوساطة الخارجية هو الخيار الأكثر حضورًا في كل أزمة كبرى.
فمعظم التسويات السياسية التي عرفتها الصومال منذ انهيار الدولة لم تكن نتاج توافق داخلي، بل جاءت نتيجة ضغوط أو رعاية إقليمية ودولية، سواء في نيروبي أو جيبوتي أو أديس أبابا أو غيرها. وهذا النمط من إدارة الأزمات لم يرسّخ فقط حضور الخارج، بل أضعف قدرة الداخل على تطوير ثقافة سياسية قائمة على التفاوض، والتنازل المتبادل، واحترام قواعد اللعبة الديمقراطية.
ولا يقتصر أثر هذه الأزمة على المجال السياسي، بل يمتد إلى بنية الدولة نفسها؛ إذ يعتمد جزء كبير من الموازنة العامة على المنح والمساعدات الخارجية، بينما يرتكز القطاع الأمني بصورة واسعة على التمويل والتدريب والدعم اللوجستي الدولي. ونتيجة لذلك، أصبحت استمرارية مؤسسات الدولة مرتبطة باستمرار هذا الدعم، مما عزّز ثقافة الاتكالية السياسية، وأضعف قدرة الدولة على بناء نموذج مستقل في إدارة شؤونها.
ومن هنا، فإن أخطر ما تواجهه الصومال اليوم ليس الانقسام السياسي وحده، ولا هشاشة المؤسسات فحسب، بل ترسخ ثقافة انتظار الحلول الجاهزة القادمة من الخارج. فالدول لا تُبنى بالمساعدات وحدها، ولا تستقر بالوساطات الدائمة، وإنما تُبنى بإرادة وطنية قادرة على إنتاج التوافق، واحترام الدستور، وتعزيز سيادة القانون، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية والعشائرية والفئوية.
وهكذا، تبدو أزمة الثقافة السياسية أحد أهم المفاتيح لفهم المفارقة المركزية في التجربة الصومالية: كلما عجز الداخل عن إنتاج الحلول، تولى الخارج مهمة صناعة النجاة؛ وكلما ضعفت الإرادة الوطنية، تعاظم حضور الوسطاء الدوليين. وهي مفارقة لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة بناء ثقافة سياسية جديدة تؤمن بالحوار الوطني، وتحتكم إلى المؤسسات، وتستعيد للداخل دوره الطبيعي بوصفه صانعًا للحلول لا منتجًا للأزمات.
خاتمة
إن تجاوز هذه المفارقة التاريخية والسياسية يقتضي إعادة تعريف مفهوم السيادة، باعتباره ممارسة مؤسسية ومسؤولية وطنية، لا مجرد شعار سياسي. كما يتطلب بناء ثقافة سياسية جديدة تؤمن بالحوار، وتحتكم إلى الدستور، وتُعلي من شأن المؤسسات، وتمنح الداخل القدرة على إنتاج الحلول بدلًا من انتظارها من الخارج.
فما لم تستطع النخب الصومالية تحويل الداخل إلى مصدر للشرعية والتوافق وصناعة القرار السيادي، ستظل الدولة تدور في حلقة مفرغة ، حيث يبقى الخارج صانع النجاة، بينما يستمر الداخل في إنتاج الأزمات.




