تقدير موقف

انعكاسات اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان على إفريقيا

 خلفية

في 7 أغسطس 2026 وقّعت تركيا والسعودية وباكستان في مكة المكرمة اتفاقًا للدفاع المشترك ينص على أن الاعتداء على أحد الأطراف يُعد اعتداءً على الأطراف الأخرى، مع توجه نحو تطوير آليات مؤسسية للتنسيق الدفاعي والأمني. الاتفاق لا يعني حتى الآن قيام قيادة عسكرية موحدة أو مظلة عملياتية شبيهة بالتحالفات العسكرية التقليدية، لكنه يمثل انتقالًا مهمًا في مستوى التعاون بين ثلاث دول تمتلك أدوارًا أمنية متزايدة من شرق المتوسط والخليج إلى جنوب آسيا. وتكمن أهميته الإفريقية في أن الدول الثلاث تمتلك بالفعل شبكات نفوذ وعلاقات دفاعية متنامية داخل القارة، ما يفتح المجال أمام تحول الاتفاق من إطار للدفاع الجماعي إلى منصة لتنسيق النفوذ الأمني والعسكري خارج حدود أعضائه.

التقدير العام

لا يُرجح أن تكون إفريقيا ساحة لتطبيق بند الدفاع الجماعي بصورة مباشرة، لكن الاتفاق قد تكون له آثار مهمة على هندسة الأمن الإفريقي، أسواق التسليح، المنافسة على البحر الأحمر، وشبكات النفوذ الإقليمية.

الأطراف الثلاثة لا تبدأ من فراغ. تركيا تمتلك شبكة عسكرية ودفاعية واسعة في إفريقيا، من الصومال إلى ليبيا والساحل. السعودية توسع حضورها السياسي والأمني على الضفة الإفريقية للبحر الأحمر، بينما بدأت باكستان تظهر بصورة أوضح كمورد للسلاح والتدريب وشريك أمني في عدد من الملفات الإفريقية.

القيمة الجديدة للاتفاق تكمن في احتمال ربط هذه الموارد المتفرقة:

تمويل سعودي، صناعة وانتشار عسكري تركي، وقدرات تدريبية وتسليحية باكستانية.

إذا تطور التنسيق بهذا الاتجاه، فقد يظهر فاعل أمني مركب ينافس النماذج الغربية والروسية والصينية والإماراتية الموجودة أصلًا في القارة.

البحر الأحمر والقرن الإفريقي: الأثر الأكثر مباشرة

المنطقة الأكثر حساسية لاتفاق مكة هي البحر الأحمر والقرن الإفريقي، لأن أمن الخليج لم يعد قابلًا للفصل عن أمن باب المندب والسواحل الإفريقية.

السعودية تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي ولحماية طرق الطاقة والتجارة. تركيا تمتلك وجودًا عسكريًا مؤسسيًا في الصومال وعلاقات قوية مع إثيوبيا والسودان. أما باكستان فتملك خبرة بحرية وعسكرية يمكن دمجها في ترتيبات حماية الملاحة والتدريب.

وهذا يفتح المجال أمام انتقال التعاون الثلاثي من الدفاع عن أراضي الدول الثلاث إلى أمن الممرات البحرية والموانئ وبناء القدرات العسكرية للدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.

كما أن المنافسة المتزايدة بين السعودية والإمارات في القرن الإفريقي تمنح الاتفاق بعدًا إضافيًا. فإذا بدأت الرياض باستخدام شراكتها مع أنقرة وإسلام آباد لتعزيز حضورها الأمني في الضفة الإفريقية، فقد تتغير موازين القوى داخل المنطقة دون الحاجة إلى إنشاء قواعد ثلاثية أو تحالفات رسمية جديدة.

الصومال: من الشراكات الثنائية إلى الأمن الشبكي

الصومال تقدم مثالًا واضحًا على كيفية انتقال الاتفاق إلى إفريقيا عبر تقاطع العلاقات الثنائية.

مقديشو ترتبط أصلًا بشراكة دفاعية عميقة مع تركيا، ووقعت في فبراير 2026 مذكرة تعاون عسكري مع السعودية. وفي 4 أغسطس وقعت اتفاق تعاون دفاعي وأمني مع باكستان، قبل ثلاثة أيام فقط من توقيع اتفاق مكة.

ثم استقبلت أنقرة قائد القوات المسلحة الصومالية بعد توقيع الاتفاق بأيام قليلة.

لا توجد حتى الآن أدلة على وجود ترتيب تركي-سعودي-باكستاني مشترك تجاه الصومال. لكن التطورات توضح أن دولة إفريقية واحدة باتت مرتبطة بعلاقات دفاعية مع الأطراف الثلاثة في الوقت نفسه.

هذا يقدم نموذجًا محتملًا لما يمكن أن نسميه networked security: لا تنضم الدولة إلى التحالف، لكن الاتفاقات الثنائية مع أعضائه تصبح قابلة للتنسيق في التدريب والتسليح والتمويل والأمن البحري.

تظهر أهمية الصومال هنا أنها قد تكون حالة اختبار مبكرة، وليس لأنها المحور الوحيد للانعكاسات الإفريقية.

إثيوبيا وSomaliland: إعادة تشكيل موازين البحر الأحمر

الانعكاسات قد تطال أيضًا التنافس حول الوصول إلى البحر الأحمر.

اعتراف إسرائيل بـ Somaliland، والحضور الإماراتي في بربرة، وسعي إثيوبيا المستمر للحصول على منفذ بحري، تجعل المنطقة ساحة لتقاطعات أمنية متعددة.

وجود شبكة أعمق بين السعودية وتركيا وباكستان قد يعزز موقف الحكومة الفيدرالية الصومالية، خصوصًا أن الأطراف الثلاثة تؤكد رسميًا وحدة الأراضي الصومالية.

لكن هذا لا يعني تشكل محور ضد إثيوبيا.

تركيا تحتفظ بعلاقات مهمة مع أديس أبابا ولعبت دور الوسيط بينها وبين مقديشو. ولذلك يُرجح أن تستخدم أنقرة نفوذها لمنع الحلول الأحادية أكثر من استخدامها لبناء سياسة احتواء ضد إثيوبيا.

النتيجة المحتملة هي رفع تكلفة فرض ترتيبات بحرية خارج التفاوض الإقليمي.

السودان: اختبار للتنسيق السعودي-الباكستاني

السودان يقدم حالة مختلفة لكنها شديدة الأهمية.

في 2026 أوقفت باكستان صفقة تسليح كبيرة للجيش السوداني بعد اعتراض سعودي، ما أظهر أن الرياض تستطيع بالفعل التأثير في اتجاه صادرات السلاح الباكستانية عندما تتعارض مع أولوياتها الإقليمية.

بعد اتفاق مكة، يمكن أن يصبح مثل هذا التنسيق أكثر انتظامًا.

وهنا قد لا يكون دور السعودية هو شراء السلاح فقط، بل تحديد أين وكيف يُستخدم رأس المال الأمني الباكستاني داخل إفريقيا.

السودان أيضًا يكشف المخاطر: إذا أصبح الاتفاق جزءًا من التنافس الخليجي داخل النزاعات الإفريقية، فقد يؤدي إلى زيادة تدويل الصراعات بدل احتوائها.

ليبيا: فرصة للتقاطع بين التسليح والوساطة

ليبيا مرشحة بدورها لأن تصبح ساحة مهمة.

باكستان دخلت بقوة إلى الملف عبر صفقات تسليح كبيرة مع شرق ليبيا، بينما وسعت تركيا خلال 2026 اتصالاتها مع قوات خليفة حفتر بعد سنوات من تمركز علاقاتها أساسًا في غرب البلاد. السعودية بدورها تملك مصالح سياسية وأمنية في الملف الليبي.

هذا التداخل قد يسمح للدول الثلاث بالانتقال من دعم أطراف منفصلة إلى تقاسم أدوار أكثر براغماتية: التسليح، التدريب، الوساطة، والاستثمار في إعادة بناء المؤسسات الأمنية.

لكن ليبيا أيضًا قد تكشف حدود الاتفاق إذا تعارضت مصالح الأطراف الثلاثة أو تحولت العلاقة إلى منافسة على السوق العسكرية.

الساحل: سوق أمني جديد أكثر من تحالف سياسي

في الساحل سيكون الأثر أبطأ، لكنه قد يكون واسعًا على المدى المتوسط.

تركيا هي الطرف الأكثر تقدمًا هناك، خصوصًا عبر العلاقات الدفاعية مع النيجر ومالي وبوركينا فاسو، إضافة إلى التعاون مع نيجيريا.

إدخال السعودية وباكستان إلى هذه الشبكات يمكن أن ينتج نموذجًا مختلفًا من التعاون الأمني:

رأس مال سعودي + طائرات مسيرة ومركبات ومدرعات تركية + تدريب وذخائر ومنصات باكستانية.

هذا النموذج قد يكون جذابًا للدول الإفريقية التي تريد تقليل اعتمادها على فرنسا والولايات المتحدة، دون الانتقال إلى اعتماد كامل على روسيا.

بذلك يصبح الاتفاق منافسًا في سوق الأمن الإفريقي، وليس مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول آسيوية وشرق أوسطية.

الهند وإسرائيل: البعد غير المباشر

هناك أيضًا انعكاسات غير مباشرة مرتبطة بالهند وإسرائيل.

توسع العلاقات الباكستانية في القرن الإفريقي سيُقرأ في نيودلهي من خلال المنافسة الهندية-الباكستانية، خصوصًا مع تدهور العلاقات التركية-الهندية بعد أزمة 2025.

وفي المقابل، ترتبط الهند بعلاقات دفاعية قوية مع إسرائيل، بينما تتوسع علاقاتها مع اليونان وقبرص.

هذا لا يعني ظهور محورين متقابلين في إفريقيا، لكنه يزيد احتمال انتقال المنافسات الآسيوية وشرق المتوسطية إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

إفريقيا هنا ليست هدفًا مستقلًا للتحالف بقدر ما تصبح نقطة التقاء لصراعات وتوازنات تنشأ خارجها.

التأثير على الدول الإفريقية

الاتفاق يمكن أن يمنح الحكومات الإفريقية خيارات إضافية في التفاوض على السلاح والتدريب والتمويل.

لكن زيادة الموردين لا تعني بالضرورة زيادة الأمن.

في السودان وليبيا والساحل والصومال، تعاني الأزمات من ضعف المؤسسات والانقسامات السياسية والاقتصاد الحربي بقدر ما تعاني من نقص القدرات العسكرية.

لذلك قد يؤدي الاتفاق إلى تحسين قدرات الجيوش وحماية الحدود والممرات البحرية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى توسيع عسكرة إدارة الأزمات الإفريقية إذا ركز التعاون على المعدات والقوة أكثر من بناء المؤسسات.

السيناريوهات المحتملة خلال 12–24 شهرًا

السيناريو الأرجح
تنسيق وظيفي غير رسمي. تستمر العلاقات الثنائية، لكن تظهر صفقات أو برامج تدريب وتمويل تشترك فيها بصورة غير مباشرة دولتان أو ثلاث من أطراف الاتفاق.

السيناريو الثاني
تبلور شبكة أمنية للبحر الأحمر والقرن الإفريقي، تكون الصومال واحدة من نقاطها، مع تعاون بحري وتدريب وتسليح أكثر تنسيقًا.

السيناريو الثالث 
انتقال التعاون إلى إطار مؤسسي أوسع يشمل شركاء أفارقة أو ترتيبات خاصة مع دول مثل الصومال أو مصر أو دول في الساحل.

الخلاصة

الانعكاس الإفريقي لاتفاق مكة لن يكون على الأرجح في صورة تمدد رسمي للتحالف أو إنشاء قواعد مشتركة جديدة.

الأهم هو احتمال نشوء تقسيم عمل أمني بين الأطراف الثلاثة:

تركيا تمتلك الشبكة الميدانية والصناعة الدفاعية، السعودية تمتلك القدرة التمويلية والثقل السياسي، وباكستان تقدم التدريب والصناعة العسكرية والقدرات البشرية.

الصومال تقدم حاليًا مثالًا مبكرًا على كيفية تقاطع هذه الشبكات، لكنها ليست سوى جزء من صورة أكبر تشمل البحر الأحمر والسودان وليبيا والساحل.

لذلك فإن السؤال الاستراتيجي الحقيقي هو:

هل يتحول اتفاق مكة من آلية للدفاع المشترك إلى منصة لتنسيق النفوذ العسكري والأمني في إفريقيا؟

إذا حدث ذلك، فلن يعني ظهور محور جديد فقط، بل دخول منافس إضافي إلى عملية إعادة تشكيل اقتصاد الأمن وموازين القوة في القارة الإفريقية.

 

 

إيهاب العاشق

باحث مختص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والدراسات الأمنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى