في الرابع من ديسمبر 2025، نشر البيت الأبيض استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، وهي أول مراجعة شاملة لسياسة الأمن القومي خلال الولاية الثانية للرئيس ترامب، وأول وثيقة من هذا النوع يُلزم القانون الإدارة الأمريكية بإصدارها. وتعكس الوثيقة بوضوح رؤية “أمريكا أولاً”، القائمة على إعادة ترتيب الأولويات الجيوسياسية، وتقليص الالتزامات الخارجية، وتعظيم المكاسب المباشرة للولايات المتحدة، بما يؤسس لمرحلة يمكن وصفها بـ”الواقعية النفعية”.
وفي نهاية يناير 2026، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية استراتيجية الدفاع القومي، التي جاءت في نحو 34 صفحة، ولم تذكر القارة الإفريقية إلا في فقرة واحدة، أكدت فيها أن الأولوية الأمريكية في إفريقيا تتمثل في منع التنظيمات الإرهابية من استخدام الملاذات الآمنة لشن هجمات ضد الولايات المتحدة. كما أوضحت الوثيقة أن واشنطن ستواصل تنفيذ عمليات مباشرة ضد الجماعات التي تمتلك القدرة أو النية لاستهدافها، مع الاعتماد بصورة أكبر على التنسيق مع الحلفاء والشركاء الإقليميين.
ويعكس هذا التوجه انتقال مركز الاهتمام الاستراتيجي الأمريكي نحو آسيا وبحر الصين وأمريكا اللاتينية، مع تقليص الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط وإفريقيا، بما يمثل مراجعة للرؤية التي تبنتها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، حين اعتبرت نفسها الضامن الرئيس للنظام الدولي الليبرالي.
وحملت الوثيقة طابعاً مميزاً من خلال إدراج لفظ الجلالة “الله” (GOD) بشكل صريح فيها، وهي سابقة لم تتكرر إلا في ظل قيادة ترامب؛ إذ كان ذلك واضحاً في وثيقة الأمن القومي التي أُصدرت عام 2017 أثناء رئاسته الأولى، ويتجدد هذا النهج في استراتيجية 2025، بما يعبّر عن التوجه المحافظ الذي يتسم به ترامب.
من الأمن إلى الاقتصاد: إعادة ترتيب الأولويات
ورغم هذا التراجع النسبي في الاهتمام الأمني، فإن إفريقيا لا تزال تحتفظ بمكانة مهمة في الحسابات الأمريكية، ولكن من زاوية اقتصادية بالدرجة الأولى؛ إذ وضعت الاستراتيجية الموارد الطبيعية الإفريقية في صميم المصالح الأمريكية، خاصة مع تصاعد الطلب العالمي على المعادن الاستراتيجية اللازمة للصناعات المتقدمة والرقائق الإلكترونية وتقنيات الطاقة النظيفة.
وتعيد الاستراتيجية الأمريكية تشكيل خريطة النفوذ العالمي بناءً على مبدأ “القوة مقابل المصالح”؛ فلم تعد الأولوية تتركز على نشر القيم الديمقراطية بقدر ما أصبحت ترتكز على إدارة الصراعات باستخدام القوة، وحماية الداخل سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري، مع تشجيع الحلفاء على تعزيز اعتمادهم على أنفسهم.
الثقل الديمغرافي والجغرافي للقارة
تملك القارة الأفريقية ثقلاً ديمغرافياً وازناً؛ إذ يقترب عدد سكانها من 1.5 مليار نسمة (نحو خمس سكان العالم)، ما يجعلها القارة الثانية من حيث عدد السكان على الصعيد العالمي بعد القارة الآسيوية، وستكون القارة الأولى الأكثر احتضاناً لليد العاملة مستقبلاً؛ نظراً لارتفاع نسبة السكان الذين تقل أعمارهم عن 25 عاماً. وتبلغ مساحة أفريقيا أكثر من 30 مليون كيلومتر مربع (نحو ربع مساحة اليابسة في العالم). وتضم القارة 55 دولة تشكّل عضوية الاتحاد الأفريقي، وتشغل في الوقت ذاته عضوية الأمم المتحدة، وهو رقم يمثل وزناً دبلوماسياً وسياسياً معتبراً في التأثير على تصويت الأمم المتحدة والمؤسسات المنبثقة عنها.
وتعكس السياسة الخارجية الأمريكية الحالية تجاه أفريقيا إلى حد كبير مزاج الرئيس ترامب؛ فهي سياسة يصعب توصيفها أو ضبط معالمها، بسبب ما يشوبها من تقلبات ومفاجآت غير متوقعة مرتبطة بشخصية ترامب. وتبدو العلاقات الأمريكية الأفريقية اليوم في مهب الريح، مع قرار إدارة ترامب إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والتوجيه لإنهاء القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، إضافة إلى فرض رسوم على البضائع الأفريقية.
وأثارت قرارات ترامب رفع الرسوم الجمركية على بعض الصادرات الأفريقية، التي وصلت في بعض الحالات إلى 40-50%، غضباً واسعاً في القارة؛ إذ اعتبرتها دول مثل ليسوتو ومدغشقر ضربة مؤلمة للاقتصادات المحلية، وأكدت أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى تراجع في التجارة والاستثمار مع الولايات المتحدة.
المعادن الاستراتيجية: مصدر الثقل الجديد
وتبرز أهمية إفريقيا من خلال امتلاكها احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة؛ إذ تنتج جمهورية الكونغو الديمقراطية أكثر من 70% من الكوبالت العالمي، بينما تمتلك غينيا أكبر احتياطيات معروفة من البوكسيت، وتُعد موزمبيق من أكبر الدول المالكة لاحتياطيات الجرافيت، إلى جانب جنوب أفريقيا ومدغشقر وتنزانيا وبوروندي التي تزخر بمعادن استراتيجية أخرى تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية.
وعلى المستوى الدبلوماسي، تراجعت إفريقيا في سلم الأولويات الأمريكية، دون أن يعني ذلك انسحاباً كاملاً من القارة؛ فالولايات المتحدة لا تغادر إفريقيا، وإنما تعيد تموضعها فيها، مركزةً على المناطق المرتبطة مباشرة بأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، في نهج يقوم على تقليل الكلفة السياسية والمالية مع الحفاظ على القدرة على التدخل عند الضرورة.
وفي هذا السياق، تمثل الأزمات الممتدة في غرب ووسط وشرق إفريقيا، ولا سيما في نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا، إضافة إلى التوترات المرتبطة بملف سد النهضة، نقاط ارتكاز مهمة في الحسابات الأمريكية، لارتباطها بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي وتأثيرها في أمن الملاحة الدولية وسلاسل التجارة العالمية.
جنوب افريقيا: نموذج العلاقة المركّبة
تشكل العلاقات بين الولايات المتحدة وجمهورية جنوب أفريقيا، منذ مطلع عام 2025، نموذجاً مركباً يكشف عن تحولات علاقة الأقطاب الأفريقية الرئيسية بالولايات المتحدة منذ عودة الرئيس ترامب للحكم؛ إذ جمعت بين مظاهر التعاون الاستراتيجي المستمر من جهة، والتوترات السياسية والأيديولوجية الحادة من جهة أخرى.
فقد اتخذت إدارة دونالد ترامب موقفاً حاداً تجاه الموقف الجنوب أفريقي من إسرائيل في أعقاب حرب غزة، حين قادت جنوب أفريقيا جهوداً لعرض قضية الانتهاكات الإسرائيلية أمام محكمة العدل الدولية. وعلى المستوى الداخلي، تصاعد الخطاب الأمريكي الناقد لسياسات حيازة الأرض التي تستهدف تحقيق مستوى أكبر من العدالة التوزيعية بين المزارعين البيض والمزارعين من الجماعات الأفريقية، مما دفع حكومة جنوب أفريقيا إلى تبني خطاب رافض لما اعتبرته تدخلاً أمريكياً في شؤونها الداخلية. كما أثار الإعلان الأمريكي عن اعتزام إطلاق برنامج لاستقبال لاجئين من جنوب أفريقيين البيض، باعتبارهم “ضحايا اضطهاد عرقي”، ردود أفعال جنوب أفريقية غاضبة.
وزاد من حدة التوترات ما شهدته الفترة ذاتها من تنامي علاقات جنوب أفريقيا مع روسيا والصين، مع تصاعد دورها داخل تجمع بريكس وتبنيها خطاباً علنياً يؤيد التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، وهو ما أثار الحفيظة الأمريكية.
وشهدت العلاقات الدبلوماسية توترات مماثلة مع دول أفريقية أخرى، من بينها ليسوتو والكاميرون؛ إذ أعربت هذه الدول عن استيائها من تصريحات ترامب المهينة، ومنها وصفه ليسوتو بأنها دولة “لم يسمع عنها أحد”، إضافة إلى قرارات قطع المساعدات، وترحيل الكاميرونيين الذين كانوا يتمتعون بالحماية المؤقتة في الولايات المتحدة.
شرعت الولايات المتحدة الأمريكية في إدارة علاقاتها بتوازن دقيق بين كل من مصر وإثيوبيا وإريتريا، في محاولة لعدم التظاهر بالانحياز إلى طرف معين؛ إذ إن الدول الثلاث بينها قدر عالٍ من الخلافات، مما يجعل الاقتراب من إحداها يُفهم على أنه موقف ضد بلد آخر.
وتُعد إثيوبيا من أكبر مستلمي المساعدات الأمريكية في إفريقيا لدعم التنمية والحد من الفقر، رغم التخفيضات والقيود المؤقتة التي فُرضت بسبب النزاعات والانتهاكات. وتتأرجح السياسة الأمريكية تجاه إثيوبيا بين المصالح الاستراتيجية وضغوط حقوق الإنسان، متأثرةً بأزمات إقليم تيغراي وملف المساعدات الإنسانية، قبل أن تتجه واشنطن مؤخراً، في منتصف عام 2026، إلى رفع حظر تصدير الأسلحة في خطوة تعيد دمج أديس أبابا في الحسابات الاستراتيجية. ورأت واشنطن أن إثيوبيا — كأكبر قوة بشرية واقتصادية في المنطقة — اتجهت خلال السنوات الأخيرة نحو تعميق تعاونها العسكري مع قوى منافسة للغرب، معتمدة بشكل متزايد على المسيّرات التركية والإيرانية، إضافة إلى الدعم الروسي والصيني. ومن هنا، إنهاء حظر الأسلحة على إثيوبيا، وإلغاء سياسة الرفض الشامل لطلبات التصدير الدفاعي، مع إخضاع الطلبات الجديدة للمراجعة حالة بحالة محاولة مباشرة لتقديم البديل الدفاعي الغربي واستعادة جزء من النفوذ المفقود؛ فخلال فترة الحظر، زادت إثيوبيا من اعتمادها على المعدات العسكرية القادمة من دول عدة، من بينها روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة وإيران وأذربيجان.
وأعلنت الولايات المتحدة تعليق جزء من مساعداتها المالية لإثيوبيا بسبب ملء سد النهضة من دون اتفاق مع مصر والسودان، مما دفع إثيوبيا إلى اتهام الولايات المتحدة بالتحيز للقاهرة. إذ أشار الرئيس الأمريكي ترامب مراراً إلى أنه لم يكن ليسمح ببناء سد النهضة، وقال إن السد الإثيوبي بُني بأموال أمريكية، ووجّه انتقادات لإدارة أوباما لإسهامها في بنائه، ووصف ذلك بأنه “هدر للأموال العامة وإخلال بأمن أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة”، في إشارة إلى مصر، إضافة إلى تصريحاته المتكررة حول السد، بما فيها تلك التي لمّح فيها إلى إمكان اتخاذ مصر تدابير عسكرية ضد منشآت السد الإثيوبي.
وفي المقابل، اكتسبت إثيوبيا قوة إضافية كأحد عناصر الاستراتيجية التي أعلن عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عام 2016 تحت شعار “العودة إلى أفريقيا”، واستطاعت إسرائيل أن ترعى الطموح الإثيوبي منذ البداية بمبدأ الفائدة المتبادلة بين الدولتين.
وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال، في الثالث والعشرين من أبريل 2026، أن إدارة ترامب تدرس إعادة ضبط علاقاتها مع إريتريا وتخفيف بعض العقوبات المفروضة عليها منذ عقود، وفقاً لتصريح إيجابي أدلى به متحدث باسم الوزارة بشأن العلاقات الأمريكية–الإريترية، قال فيه إن “إدارة ترامب تهدف إلى تعزيز السلام والازدهار في القرن الإفريقي، وتتطلع إلى توطيد علاقة الولايات المتحدة مع شعب وحكومة دولة إريتريا”.
وتجدر الإشارة إلى أن إريتريا تُعد الدولة الأفريقية الوحيدة التي رفضت الانخراط مع قيادة أفريكوم وصندوق النقد الدولي، وظلت من أشد الدول المُعاقَبة أمريكياً، إذ استُبعدت حتى من منظومة SWIFT للتحويلات المالية الدولية. وتمتلك إريتريا ما يزيد على 1,120 كيلومتراً من ساحل البحر الأحمر، في مجاورة مباشرة لأحد أخطر ممرات الملاحة الدولية.
والقرار الأمريكي المرتقب برفع العقوبات عن إريتريا ليس مجرد إعادة تموضع تكتيكية، بل حدث جيوسياسي يُعيد توزيع الأرباح والخسائر بين معسكرين متنافسين في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ولفهم أبعاد هذا التحول
«يمكن رصد مجموعتين من التقاطعات والمصالح الإقليمية المتنافسة، وإن لم ترقَ هذه التقاطعات بالضرورة إلى مستوى التحالفات الرسمية؛ إذ تتقاطع مصالح إثيوبيا والإمارات وصوماليلاند وإسرائيل في بعض الملفات، في مقابل تقاطعات تجمع مصر وإريتريا والسودان والسعودية وتركيا وقطر في ملفات أخرى.»
وعرقلة طموح رئيس الوزراء آبي أحمد للوصول إلى البحر؛ فقد جادل آبي أحمد مراراً بأن إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، تملك “حقاً تاريخياً” في الوصول إلى منفذ بحري، وهي تصريحات فُسرت داخل إريتريا باعتبارها تمهيداً محتملاً لعمل عسكري. وفي هذا السياق، حملت الوثيقة الأمريكية المسرّبة رسالة واضحة إلى أديس أبابا مفادها أن واشنطن تعارض أي محاولة للحصول على منفذ بحري بالقوة، كما حذّرت كلاً من إثيوبيا وإريتريا من الأدوار المزعزعة للاستقرار التي يلعبها الطرفان في شؤون بعضهما البعض. ومن شأن هذا الموقف الأمريكي، إذا تأكدت مضامين الوثيقة، أن يضيّق هامش أي خيار عسكري إثيوبي محتمل تجاه ميناء عصب.
كما استثمرت الإمارات سياسياً ومالياً وعسكرياً في مليشيا الدعم السريع بالسودان، في حين أن إعادة تأهيل إريتريا ودمجها في المجتمع الدولي تعني عملياً تعزيز موقع خصم الدعم السريع، أي الحكومة السودانية المدعومة من أسمرة. وكلما تعزز موقع إريتريا إقليمياً، تعززت معه أوراق السودان، وتراجع هامش المشروع الإماراتي داخل الخرطوم.
خاصة أن الرئيس الإريتري إسياس أفورقي كثيراً ما وجّه انتقادات لاذعة للإمارات، قائلاً إنها تقف خلف ما وصفه بـ”الأوهام التوسعية” لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للحصول على منفذ بحري بطرق غير مشروعة، ومؤكداً أن أبوظبي تتحرك كوكيل لأجندات دولية أكبر لتنفيذ مخططات تخريبية وتقسيمية تستهدف سيادة دول المنطقة، وحدّد “إسرائيل” بالاسم.
ويبدو أن النهج الأمريكي الجديد القائم على التقارب مع أسمرة لا يُحوج واشنطن إلى خيارات دبلوماسية تتسبب لها في صدام مع الاتحاد الأفريقي أو مع دول مؤثرة كالسعودية ومصر، اللتين ترفضان بشكل قاطع الاعتراف بصوماليلاند، هذا بخلاف رفض الصومال الفيدرالي أي انتقاص من سيادته؛ الأمر الذي إذا حدث (أي الاعتراف) سيدمر بلا شك العلاقات مع واشنطن ويؤثر على جهودها لمكافحة حركة الشباب.
وعلى الجانب المقابل، يبرز السودان بوصفه أحد أبرز المستفيدين من القرار الأمريكي المرتقب، إذ تُعد إريتريا العمق الاستراتيجي للجيش السوداني؛ فمنذ اندلاع الحرب، تستضيف إريتريا وتدرّب جماعات مسلحة سودانية متحالفة مع الجيش، كما قدّمت أسمرة دعماً خاصاً لجماعات من مجتمعات شرق السودان. ويقف خلف الجيش السوداني تحالف من الداعمين يضم مصر وإريتريا وتركيا وقطر وإيران، ومعه بشكل متزايد المملكة العربية السعودية. وكل دولة ضمن هذا المحور تكتسب وزناً إضافياً مع رفع العقوبات عن إريتريا..
ركائز الاستراتيجية الأمريكية تجاه إفريقيا
تقوم استراتيجية إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه إفريقيا على ثلاث مرتكزات رئيسة:
الأمن أولاً، والتجارة بلا شروط سياسية، وتقليص المساعدات التقليدية، انسجاماً مع مبدأ “أمريكا أولاً”، وهو ما يعني منح الأولوية للأمن الداخلي الأمريكي مع تقليل الوجود العسكري الخارجي، بما في ذلك داخل القارة الإفريقية.
وفي هذا الإطار، صرّح قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، الجنرال مايكل لانغلي، بأن على الدول الإفريقية أن تتحمل مسؤولية أكبر في مواجهة تحدياتها الأمنية، وهو ما انعكس في النسخة الخامسة والعشرين من مناورات “الأسد الإفريقي”، حيث جرى التركيز على التنسيق وبناء القدرات بدلاً من توسيع الانتشار العسكري.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تسعى واشنطن إلى تفعيل مبادرات تجارية تعزز الصادرات الأمريكية، وتفتح الأسواق الإفريقية أمام الشركات الأمريكية، من خلال عقد قمم ولقاءات انتقائية مع عدد من القادة الأفارقة تركز بصورة أساسية على إبرام صفقات اقتصادية واستثمارية محددة، بدلاً من إطلاق برامج مساعدات واسعة النطاق.
البحر الأحمر في الحسابات الأمريكية
يحتل البحر الأحمر موقعاً محورياً في الاستراتيجية الأمريكية، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية العالمية وأكثرها ارتباطاً بالمصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة وحلفائها. وترتكز السياسة الأمريكية في هذه المنطقة على ضمان حرية الملاحة، وحماية خطوط التجارة الدولية، وتأمين تدفقات الطاقة، ومواجهة التهديدات العسكرية والإرهابية والقرصنة البحرية، مع تعزيز التعاون الأمني مع الدول المطلة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وتُعد القارة الأفريقية منطقة استراتيجية بالغة الأهمية للأمن القومي الأمريكي، خصوصاً فيما يتعلق بجهود مكافحة الإرهاب والتنافس المتزايد مع النفوذ الصيني. وتُسلّط الوثائق ذات الصلة الضوء على عدد من الدول الأفريقية كعناصر رئيسية في هذه الديناميكية، من بينها السودان والصومال وإريتريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وإثيوبيا، باعتبارها دولاً محورية لتحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة. دعم مسارات التسوية الدبلوماسية للأزمات الممتدة مثل الأزمة الليبية وقضية الصحراء الغربية..
وتحافظ الولايات المتحدة على وجود عسكري دائم في المنطقة يضم نحو ثلاثين ألف جندي موزعين على عدد من القواعد العسكرية في أكثر من خمس عشرة دولة، إضافة إلى انتشار بحري مستمر. ويُعد الأسطول الأمريكي الخامس، المتمركز في البحرين، أبرز أدوات هذا الحضور؛ إذ تمتد منطقة عملياته من البحر الأحمر إلى الخليج العربي مروراً ببحر العرب والمحيط الهندي، بما يعزز النفوذ الأمريكي ويحمي طرق التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وتنبع الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر من احتضانه مضيق باب المندب، الذي يربطه بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم؛ إذ يبلغ عرضه نحو ثلاثين كيلومتراً، وتعبره قرابة 10% من التجارة البحرية العالمية، بما في ذلك نحو 4.8 ملايين برميل من النفط يومياً، إضافة إلى ما يقارب عشرة آلاف سفينة سنوياً، منها نحو أربعة آلاف ناقلة نفط.
كما تتعزز أهمية هذا الممر بارتباطه المباشر بقناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وتشكل أحد أهم شرايين التجارة الدولية؛ إذ يمر عبرها نحو 12% من حجم التجارة البحرية العالمية، ويعبرها سنوياً ما يقارب عشرين ألف سفينة، الأمر الذي يجعل أمن البحر الأحمر جزءاً لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي العالمي ومن الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.
السودان في الحسابات الأمريكية الجديدة
يكتسب السودان أهمية جيوسياسية متصاعدة في الحسابات الأمريكية الجديدة، بحكم موقعه على البحر الأحمر، وقربه من باب المندب والقرن الإفريقي، وارتباطه بالتنافس الأمريكي–الصيني وموازين القوى الدولية الأخرى.
وترتكز السياسة الأمريكية تجاه السودان حالياً على وقف الحرب، ودعم الانتقال المدني، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتبرز في هذا الملف محاور رئيسية تشمل الضغط الدبلوماسي، والعقوبات الفردية، والجهود الإقليمية لوقف القتال بين أطراف النزاع. وتتحرك واشنطن عبر مسارات دبلوماسية وتشريعية وأمنية مكثفة لحسم الصراع ومعالجة أكبر أزمة نزوح إنساني في العالم، أبرزها:
مشروع قانون سلام السودان (PEACE Act 2026): مشروع قانون مدعوم من الحزبين في مجلس الشيوخ الأمريكي، يهدف إلى تجفيف مصادر تمويل وتسليح أطراف النزاع. ينظر مجلس الشيوخ إلى مشروع “قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026” (مشروع قانون سلام السودان)، الذي قدمه أعضاء بارزون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهم أعضاء مجلس الشيوخ، جيم ريش، وكريس كونز، وجون كورنين، وجين شاهين. وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور ريش، إن الحرب في السودان كارثة إنسانية، ومصدر لعدم الاستقرار في أفريقيا، وتهديد للأمن القومي الأميركي.
محاسبة الأطراف الخارجية: يركّز التشريع على فرض عقوبات مشددة على الدول والجهات الخارجية التي تمد الأطراف بالأسلحة والمسيّرات.
تصنيف الإرهاب: يدرس الكونغرس مشروع قانون موازياً لتصنيف قوات الدعم السريع (RSF) كمنظمة إرهابية.
خاتمة
الولايات المتحدة لا تنسحب من إفريقيا، وإنما تعيد صياغة حضورها فيها؛ فقد انتقلت من دور “الضامن الأمني الدولي” إلى دور “الشريك التجاري والأمني الحذر”، وهو تحول يفرض على الدول الإفريقية تعزيز قدراتها الذاتية، وتنويع شراكاتها الدولية، وبناء سياسات أكثر استقلالية في مواجهة التحولات المتسارعة في النظام الدولي. كما يبقى أمن البحر الأحمر أحد الثوابت الرئيسة في السياسة الأمريكية، لما يمثله من أهمية حيوية لحماية التجارة العالمية، وتأمين مصادر الطاقة، والحفاظ على النفوذ الأمريكي في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
المراجع
استراتيجية الأمن القومي 2025 — USNI News (النص الكامل): https://news.usni.org/2025/12/05/2025-u-s-national-security-strategy
استراتيجية الدفاع القومي 2026 (صدرت 23 يناير، 34 صفحة) — Military.com: https://www.military.com/feature/2026/01/23/department-of-war-releases- national-defense-strategy-homeland-forefront.html
تحليل استراتيجية الدفاع وموقف إفريقيا فيها — Atlas Institute: https://atlasinstitute.org/the-2026-national-defense-strategy-decoding-the-pentagons-priorities/
تصريحات الجنرال لانغلي حول مسؤولية الدول الإفريقية — News24: https://www.news24.com/world/africa/us-military-adjusts-africa-security-strategy-20250612-0230
مناورات الأسد الإفريقي 2026 (الأعداد والدول المشاركة) — AFRICOM: https://www.africom.mil/article/36205/a-shared-burden-african-lion-26-planning-concludes-uniting-nato-and-african-partners-
إحصاءات مضيق باب المندب (4.8 مليون برميل يومياً، 10-12% من التجارة): https://themiddleeastinsider.com/2026/03/29/bab-al-mandeb-strait-houthi-global-trade-2026/
إحصاءات قناة السويس (12% من التجارة العالمية) — Ahram Online: https://english.ahram.org.eg/NewsContentP/1/574027/Egypt/Egypt%E2%80%99s-Suez-Canal-carries–of-global-maritime-tra.aspx
كشف وول ستريت جورنال عن مسعى واشنطن لتخفيف العقوبات عن إريتريا — Addis Standard (نقلاً عن WSJ، 23 أبريل 2026):
https://addisstandard.com/u-s-weighs-sanctions-relief-diplomatic-reset-with-eritrea-wsj/
استبعاد إريتريا من AFRICOM وصندوق النقد الدولي ونظام SWIFT — Black Agenda Report:
https://www.blackagendareport.com/us-seeks-turn-eritrea-bulwark-against- iranian-influence
تصريحات ترامب المتكررة بأن سد النهضة “بُني بأموال أمريكية” — Borkena:
https://borkena.com/2025/07/21/president-donald-trump-claims-u-s-finances- gerd-for-third-time-this-month/
استراتيجية نتنياهو “العودة إلى أفريقيا” 2016 وتوطيد العلاقة مع إثيوبيا — International Policy Digest:
https://intpolicydigest.org/ethiopia-and-israel-s-pivot-to-africa/
الوثيقة الأمريكية المسرّبة التي تعارض الحصول على منفذ بحري بالقوة وتحذّر الطرفين من الأدوار المزعزعة للاستقرار — Marine Link:
اتهامات الرئيس الإريتري إسياس أفورقي للإمارات بالوقوف خلف “الأوهام التوسعية” لإثيوبيا — EritreaLive:
https://eritrealive.com/instability-in-the-horn-of-africa-eritrea-accuses-abu-dhabi/
تصريحات الجنرال مايكل لانغلي حول مسؤولية الدول الإفريقية عن أمنها (نفس المرجع المستخدم سابقاً) — News24:
https://www.news24.com/world/africa/us-military-adjusts-africa-security-strategy-20250612-0230




