تحوّل غياب بول بيا الطويل عن الكاميرون، مع تجاوز إقامته خارج البلاد شهرين، من مجرد «إقامة خاصة» للرئيس إلى قضية سياسية ودستورية تثير نقاشًا متزايدًا حول إدارة الدولة ومستقبل السلطة في البلاد. وكان بول بيا قد غادر ياوندي في 7 يونيو 2026 برفقة زوجته شانتال بيا، فيما أعلنت الرئاسة حينها أنه توجه إلى أوروبا في «إقامة خاصة قصيرة»، من دون تحديد موعد لعودته.
لكن استمرار الغياب لأكثر من ستين يومًا، مع محدودية ظهوره العلني، أعاد إلى الواجهة الأسئلة المرتبطة بصحته وقدرته على مواصلة مهامه، وفتح في الوقت نفسه نقاشًا داخليًا أوسع بشأن كيفية ممارسة السلطة في غياب رئيس يتمتع بصلاحيات واسعة داخل النظام السياسي الكاميروني.
ولم يعد الجدل مقتصرًا على وسائل الإعلام والتكهنات بشأن موعد عودة الرئيس؛ إذ امتد إلى الأوساط السياسية والقانونية؛ حيث ظهرت دعوات إلى بحث إمكانية ثبوت العجز أو شغور منصب الرئاسة، مقابل قراءات ترى أن استمرار عمل مؤسسات الدولة وصدور القرارات الرئاسية لا يسمحان بالحديث قانونًا عن فراغ في السلطة.
وقد زاد من تعقيد هذا النقاش أن الترتيبات الدستورية المتعلقة بالخلافة الرئاسية أصبحت بدورها موضع خلاف، ولا سيما في ظل عدم تعيين نائب للرئيس حتى الآن.
وفي هذا السياق، لا يسعى هذا المقال إلى تتبع التكهنات بشأن الحالة الصحية لبول بيا بقدر ما يحاول قراءة ما كشفه غيابه الطويل عن بنية الحكم ومستقبل انتقال السلطة في الكاميرون. ويمكن التوقف، بصورة موجزة، عند ثلاث قضايا رئيسة، وهي:
- دلالات استمرار ممارسة السلطة الرئاسية من خارج البلاد وحدود إدارة الدولة في ظل غياب الرئيس.
- الإشكال الدستوري المتعلق بالعجز وشغور المنصب وترتيبات الخلافة.
- التداعيات السياسية والاقتصادية المتزايدة لعدم اليقين بشأن مستقبل القيادة في الكاميرون.
وقد بدأت هذه الأخيرة تتجاوز الجدل السياسي الداخلي، مع ظهور مؤشرات إلى انعكاس حالة عدم اليقين على تقييم المستثمرين للمخاطر السيادية الكاميرونية.
أولا: طبيعة الحكم في غياب الرئيس
تكشف قضية غياب بول بيا الطويل أولًا عن طبيعة العلاقة بين مؤسسة الرئاسة وآليات إدارة الدولة في الكاميرون. فمن الناحية الرسمية، لا تتعامل الحكومة مع وجود الرئيس خارج البلاد باعتباره عائقًا أمام ممارسة مهامه؛ إذ تؤكد أن بيا يتابع شؤون الدولة، فيما استمر صدور مراسيم وقرارات باسمه خلال فترة إقامته في أوروبا. وذهب وزير العمل والضمان الاجتماعي غريغوار أوونا إلى القول إن الرئيس في إجازته السنوية، لكنه يواصل العمل، مستشهدًا بالمراسيم التي تصدر بصورة منتظمة.
فمن هذه الزاوية، لا يتعلق الإشكال بقدرة الإدارة الكاميرونية على الاستمرار في تسيير أعمالها اليومية؛ فالدولة لم تتوقف، والوزارات والأجهزة والمؤسسات واصلت عملها. لكن طول الغياب يطرح سؤالًا مختلفًا يتعلق بمدى اعتماد النظام السياسي على الرئيس نفسه بوصفه مركز القرار النهائي. فكلما طال غياب رئيس يتمتع بصلاحيات واسعة، ازدادت أهمية معرفة كيفية اتخاذ القرارات الكبرى، وكيف تنتقل الملفات إليه، وما حدود الصلاحيات التي تستطيع المؤسسات الأخرى ممارستها من دون حضوره المباشر.
وقد أصبح هذا الجانب محورًا بارزًا في النقاش الإعلامي المحلي. فبعض التغطيات لم تعد تركز على المكان الذي يقيم فيه بيا بقدر تركيزها على كيفية ممارسة الوظيفة الرئاسية نفسها من الخارج، خصوصًا مع غياب ظهور علني منتظم يوضح نشاطه الرسمي.
وأشارت منصة Mimi Mefo Info، على سبيل المثال، إلى استمرار صدور وثائق رسمية باسم الرئيس خلال غيابه؛ لكنها طرحت في المقابل أسئلة حول مسار اتخاذ القرار وآليات المصادقة عليه في ظل هذا الوضع.
وهذا هو البعد الأهم في المسألة. فوجود الدولة واستمرار الإدارة لا يعنيان بالضرورة غياب مشكلة الحكم؛ بل قد يكشفان عن الفجوة بين استمرارية الجهاز الإداري ووضوح مركز القرار السياسي. وفي نظام شديد المركزية، يصبح الغياب الطويل للرئيس اختبارًا لمدى قدرة المؤسسات على العمل بصورة مستقلة عن الشخص الذي يقف في قمة هرم السلطة.
ثانيا: معضلة الشغور والخلافة
أما المسألة الثانية فهي أكثر تعقيدًا لأنها تتصل مباشرة بالقواعد الدستورية المنظمة لاستمرار السلطة. فغياب الرئيس، مهما امتد، لا يعني تلقائيًا شغور منصبه. وهذا ما تستند إليه الحكومة في رفضها الحديث عن فراغ في السلطة؛ إذ أكد وزير الاتصال رينيه إيمانويل سادي أن المجلس الدستوري لم يعلن شغور الرئاسة، وأن بيا لم يستقل ولا يزال يمارس مهامه.
غير أن استمرار الغياب فتح نقاشًا قانونيًا حول الحالة التي يمكن عندها الانتقال من مجرد «غياب» إلى البحث في وجود عجز دائم يمنع الرئيس من أداء وظائفه. وقد طالب سياسيون معارضون وفاعلون في المجتمع السياسي باتخاذ خطوات في هذا الاتجاه، في حين دعا آخرون البرلمان إلى تحديد مدة قانونية قصوى لبقاء رئيس الجمهورية خارج البلاد.
ففي 7 أغسطس، طالب رئيس حركة MP3 سامويل هيرام إيودي الجمعية الوطنية بالتشريع بشأن مدة الإقامة الرئاسية في الخارج، قبل أن يعتبر لاحقًا أن الوضع قد يندرج ضمن حالة العجز الدائم.
ويزداد الإشكال تعقيدًا بسبب التغيير الدستوري الذي شهدته البلاد في أبريل 2026، عندما أُعيد منصب نائب الرئيس وأصبح جزءًا من ترتيبات الخلافة الرئاسية، بينما ظل المنصب نفسه من دون شاغل حتى الآن. وقد دفع ذلك رئيس حزب المصالحة الوطنية الكاميروني، كابرال ليبي، إلى القول إن هناك مشكلة قانونية في تفعيل بعض إجراءات إثبات الشغور في ظل عدم تعيين نائب للرئيس، وهي قراءة أثارت بدورها جدلًا بين سياسيين وقانونيين.
بذلك، كشف الغياب الحالي عن مفارقة لافتة، وهي: أنّ الكاميرون عدّلت قواعد الخلافة؛ لكن الاختبار الأول لهذه القواعد تقريبًا يأتي في وقت لم تكتمل فيه البنية المؤسسية اللازمة لتطبيقها. والمشكلة هنا ليست في توقع نهاية حكم بيا أو افتراض حدوث شغور قريب، وإنما في أن قواعد الانتقال يجب أن تكون واضحة وقابلة للتطبيق قبل حدوث الأزمة، لا أن تصبح هي نفسها موضوعًا للخلاف عندما تظهر الحاجة إليها.
ثالثا: كلفة عدم اليقين السياسي
لا تتوقف آثار هذه الحالة عند حدود الجدل الدستوري. فكلما بقيت الأسئلة المتعلقة بقدرة الرئيس ومستقبل القيادة بلا إجابات واضحة، اتسعت دائرة عدم اليقين المحيطة بالمشهد السياسي الكاميروني. ولهذا بدأت القضية تستقطب اهتمامًا يتجاوز الأحزاب ووسائل الإعلام إلى المستثمرين والأسواق المالية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن عدم اليقين لا يتعلق فقط بمدة غياب الرئيس الحالية، وإنما بما تعنيه بالنسبة إلى انتقال السلطة في مرحلة ما بعد بول بيا. فالرئيس يقود الكاميرون منذ عام 1982، وطول بقائه في السلطة جعل استقرار النظام مرتبطًا بدرجة كبيرة باستمرار مركز سياسي واحد لعقود.
وعندما يغيب هذا المركز فترة طويلة من دون وجود شخصية واضحة تتولى الوظيفة التنفيذية مؤقتًا أو مسار سياسي مستقر للخلافة، تتحول المسألة تدريجيًا إلى عامل مخاطر في حسابات الفاعلين داخل البلاد وخارجها. وقد رصدت الصحافة الكاميرونية بالفعل اتساع الجدل السياسي مع تجاوز الغياب شهرين.
والأهم أن بعض آثار هذا القلق بدأت تظهر في المجال الاقتصادي. فقد نقلت وسائل إعلام كاميرونية عن بيانات للأسواق أن السندات السيادية الكاميرونية المقومة بالدولار سجلت أداءً ضعيفًا مقارنة بعدد من نظيراتها الأفريقية خلال فترة الغياب، وربطت ذلك بتصاعد تساؤلات المستثمرين حول استمرارية القيادة وترتيبات الخلافة. كما أثار Financial Afrik المسألة من زاوية أوسع، متسائلًا عن الكلفة المؤسسية والاقتصادية التي يمكن أن تنتج عن غياب رئيس الدولة لفترة قياسية.
ولا يعني ذلك أن غياب الرئيس وحده يفسر حركة الأسواق أو المشكلات الاقتصادية التي تواجه الكاميرون؛ فهذا الربط سيكون مبالغًا فيه. لكن أسواق الدين، والاستثمار طويل الأجل، والقرارات الاقتصادية الكبرى تتأثر بطبيعتها بدرجة وضوح البيئة السياسية.
ولذلك تصبح المشكلة الحقيقية هي تراكم عدم اليقين؛ حيث الغموض الذي يحيط بشأن مدة الغياب، وجدال حول قدرة الرئيس، وخلاف حول آليات الشغور، وعدم اكتمال ترتيبات الخلافة. وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح ما بدأ باعتباره شأنًا شخصيًا للرئيس مسألة تتصل تدريجيًا بمخاطر الدولة نفسها.
الخاتمة
قد تنتهي الأزمة المباشرة بعودة بول بيا إلى ياوندي، وهو ما تؤكد الحكومة أنه سيحدث قريبًا. لكن عودته، إذا تمت، لن تلغي الأسئلة التي كشف عنها غيابه. فقد أظهر الحدث هشاشة المسافة الفاصلة بين استمرارية مؤسسات الدولة واستمرار حضور الرئيس، كما وضع ترتيبات الشغور والخلافة أمام اختبار لم تكن تفاصيله محسومة سياسيًا ودستوريًا.
ومن ثم، فإن الأهمية الأساسية لغياب بيا لا تكمن في عدد الأيام التي قضاها خارج البلاد، بل فيما كشفه عن مشكلة أوسع تتعلق بمأسسة السلطة وانتقالها. فبعد أكثر من أربعة عقود من حكم رئيس واحد، تبدو حاجة الكاميرون إلى قواعد واضحة وفاعلة لاستمرارية القيادة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وفي هذا المعنى، قد تنتهي الإقامة الخاصة بعودة الرئيس؛ لكن النقاش حول مستقبل الحكم بعده مرشح للاستمرار.




