مقدمة
تُعدُّ جمهورية الصومال الفيدرالية ضمن الدول الأفريقية السبع التي نالت استقلالها مبكراً عن الاستعمار الأوروبي في الأول من يوليو عام 1960م. وقد تشكّلت دولتها الوطنية الحديثة بناءً على اتحادٍ طوعي بين الشمال والجنوب؛ اللذين خضعا تاريخياً للاستعمارين البريطاني (1884-1960) والإيطالي (1885-1960) على التوالي. ومثّل الاستقلال للصوماليين ميلاد فجر جديد للحياة الكريمة، وطيّاً لحقبة تاريخية مريرة كابدوا فيها صنوف العسف والظلم السياسي والتفكيك القومي. وتجسدت في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ الصومال الحديث آمال عريضة وحماسة وطنية دافقة، لم تقتصر على تحقيق التحرر من الاستعمار فحسب، بل امتدت لتشمل التطلع إلى وحدة كبرى تجمع شتات الأمة الصومالية في منطقة “القرن الأفريقي” الذي وصفه البروفيسور سعيد السَمَتر (1943 – 2015) بأنه “القرن الصومالي” بامتياز، وفقاً لمعايير ديموغرافية وجغرافية ولم يكن لأحدٍ من الآباء المؤسسين أو المناضلين الأوائل أن يتخيّل أن يمرّ الصومال بهذه الدرجة البالغة من العناء، بعد تلك الفرحة الجماهيرية المشهودة التي أبكت العيون، والالتفاف الشعبي العارم في يوم الاستقلال وعيد الحرية ورفع العلم. ولم يكن يدور في خلد أولئك الآباء أن يعتقد بعضٌ من ذريتهم بأن قتل بني جنسهم وتفجير الأبرياء منهم هو أقرب الطرق للخلود في الجنة! أو أن يرضيهم تبييض وجه “نتنياهو” الملطخة يداه بدماء 16,503 طفل من أطفال فلسطين وسوّت آلته العسكرية بالأرض 909 مسجد، وألحقت بـ 251 مسجداً آخر أضراراً جعلتها غير صالحة للاستخدام وفقاً للإحصاءات الرسمية؛ كما لم يكن متوقعاً أن يصل الخلاف بين النخب السياسية إلى حدٍّ يكاد يصبح مستعصياً على الحل، ويطغى على ما سواه من القواسم الأخرى الجامعة فيما بينهم.
ويقف الصومال اليوم على أعتاب مرحلة فاصلة لاستعادة إرادته الوطنية وإدارة مصيره بنفسه، في وقت يواجه فيه تحديات معقدة وجسيمة تتداخل فيها الأزمات الموروثة بالقضايا المتجددة. وتجد الدولة نفسها مطالبة بلمّ شمل مواطنيها في الشتات، وتوحيد صفوف أبنائها في الداخل؛ لمواجهة تحديات وجودية تمس قضاياها المركزية، وفي مقدمتها: الحفاظ على الاستقلال والوحدة، وصون إرث الآباء المؤسسين، وحماية التماسك الجيوسياسي للإقليمين المتحدين بدلاً من تطلعهم بيوم الفرحة التالي الذي سيُتوَّج باستعادة الأقاليم المستقطعة عسفاً لتكتمل به بهجة الاستقلال، وهي أراضٍ تفوق مساحتها الإجمالية عن مساحة الجمهورية الحالية.
الصومال وعيد الاستقلال
كان الصوماليون قبل الاستقلال أمةً موحدة متجانسة الأركان في بنيتها الثقافية والعرقية، تعيش في رقعة جغرافية واحدة متصلة ومتسعة لأكثرمن مليون كم²، وخالية من أي حواجز طبيعية تعيق تنقلاتهم البينية وغاياتهم الرعوية والتجارية والثقافية. ويذخر الصومال بموارد طبيعية هائلة ومتنوعة، متناثرة فوق الأرض وتحتها، ولم تُستغل بعدُ بما يكفي لتحقيق منافعها . ويلاحظ على أن الأهمية الاستراتيجية للصومال تضاعفت بشكل لافت بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، وبروز العلاقة الارتباطية بين مصر والشعوب والدول المشاطئة لخليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر؛ مما أوجد رابطاً مباشراً بين افتتاح القناة ووصول الاستعمار الأوروبي إلى الأراضي الصومالية، وانسحاب مصر من شمال البلاد. ودفع هذا الموقع الفريد بالقوى الاستعمارية إلى التكالب على المنطقة؛ فاحتل البريطانيون الشمال والغرب والجنوب الغربي، بينما استقر الإيطاليون في الجنوب، وتمركز الفرنسيون في جيبوتي الحالية (1884-1977)، بهدف التنافس على سيطرة المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وإيجاد موطئ قدم في مياه القرن الإفريقي؛ منعاً لانفراد أي قوة دولية بالتحكم فيه، وتفادياً لتعطيل المصالح الإمبراطورية للدول الكبرى الممتدة بين الشرق والغرب.
ويعني هذا أن التجانس في النسيج والوحدة في الوجدان والثقافة هما الأصل في الصومال، وما كان الانقسام إلا مرحلة طارئة لم تتجاوز سبعة عقود عابرة، ولم يوجد مثيل لقساوة الظلم والعدوان السياسي الذي تعرض له الصوماليون في أرضهم، لا سيما في جزئية تشتيت شملهم القومي، وتقويض فرص الاستقرار، وسلب القرار الوطني لدولتهم بعد الاستقلال. وصحيحٌ أنه لا يوجد تاريخ حكم مركزي مشترك وممتد بين الصوماليين على مر العصور في عهد ما قبل الاستقلال، والمناطق الجغرافية الصومالية المختلفة في الشمال والشرق والجنوب خضعت لنظم حكم محلية وأخرى أجنبية في فترات تاريخية متعاقبة وتحت أولويات متباينة، إلا أن التاريخ يثبت في الوقت ذاته ديمومة الشعور القومي الموحد بين الصوماليين، والتكاتف والتعاضد البيني في مواجهة التحديات المشتركة؛ سواء في ميادين درء العدوان الخارجي، أو حماية المكاسب السياسية، والحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمع على مر العصور، فضلاً عن حرية الانتقال وتبادل المصالح التجارية والضرورات الثقافية.
ولا يختلف الصوماليون في افتقادهم لحكم مركزي سابق عن الشعوب الأخرى المجاورة في شمال البلاد وجنوبها، والتي كانت تعيش على أراضيها في صورة قبائل وقوميات لا يربطها نظام حكم موحد قبل الاستقلال، بل كانت تحكم نفسها بنظم محلية أو خضعت لسيطرة قوى خارجية بمسميات مختلفة، ثم نالت استقلالها السياسي لاحقاً سواء كان ذلك بالمنح أم بالانتزاع أم بدمجهما معاً. ولو كان هناك ترابط وثيق بين شرعية حكم الدول على أراضيها ووجود تاريخ حكم مركزي مشترك سابق في مكوناتها المجتمعية، لتناقص عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (193) دولة إلى أقل من النصف بكثير. ولا بدّ من الإشارة إلى أن الاستهداف الممنهج لاغتيال الجغرافيا السياسية للصومال، واستعداء تجانسه العرقي والثقافي النادر الوجود في المنطقة —إن لم يكن على مستوى العالم ككل— لا يرجع فقط إلى حسد القوى الخارجية أو خشيتها من توافر عوامل القوة لدى الصومال مستقبلاً؛ بل يهدف كذلك إلى حماية النفوذ الإقليمي للدول المجاورة المتحالفة مع المجتمع الأطلسي أوالدول الاستعمارية الغربية. ومن هنا، لم يكن كفاح الآباء الصوماليين الأوائل لنيل الاستقلال وبناء الدولة الوطنية الموحدة سوى تعبير سياسي ناضج عن وعيهم بهذا الفكر السمج للدول الاستعمارية؛ ورفضاً للانقسام المجتمعي بين مكوناتهم، ومناهضةً للتقسيم السياسي في أراضيهم الجغرافية، ومقاومةً لتكريس التمايز الثقافي المصاحب للاستعمار، فضلاً عن السعي لاسترداد الأراضي التي اقتطعها المحتل ومنحها للغير بإجحاف علني وخلفيات سياسية معلومة الأهداف والدوافع؛ دحضاً لكل ما تروّجه بعض الأقلام والأفواه الموجهة أو غير المنصفة بطبيعتها.
تركة الاستعمار وآثاره
إن أخطر ما تركه الاستعمار في الصومال هو تشويه الذاكرة الجمعية لبعض شرائح الطبقة المثقفة والنخب السياسية؛ حيث انتزع منهم حاسة الثقة بالذات، وزرع في نفوسهم ثقافة التبعية والاتكال، ورابط بين التنصل من ثقافتهم وبين تنمية الذات وكسب المعرفة. ويبدو أن الاستعمار صوّر وجوده بأنه حمل لواء الحضارة والتقدم إلى الصوماليين، وزعم أنه أورثهم دولة حديثة استنفعوا بها بعد رحيله. ونتيجة لذلك، بات الكثير من هذه النخب يعتقد أنه لا يمكن بناء دولة مستقرة أو تحقيق تنمية اقتصادية للبلاد دون الدعم الخارجي، والغربي على وجه الدقة؛ وهي كلها مغالطات وتعمية ممنهجة جرى توظيفها لإخفاء جرائمه السياسية والتاريخية الواسعة النطاق. وتكشف الحقائق التاريخية أن الصومال، وبخاصة الجزء الشمالي منه، كان يزخر بتعددية ثقافية، وعاشت مكوناته المجتمعية المتنوعة في أمن وانسجام، واسترزقت من وضع اقتصادي إنتاجي متطور، أفضل بكثير مما تركه المستعمر؛ إذ كان الصومال يصدر إنتاجه الحيواني والزراعي إلى خارج حدوده الإقليمية والدولية بوسائل نقل بحرية مملوكة لأبنائه.
غير أن الاستعمار ترك هذه المكونات متناحرة ومتقاتلة فيما بينها، وحوّل الحياة في المنطقة إلى بيئة طاردة جدباء، وقنّن مستواها التعليمي بما يخدم وجوده فقط وحجم عنها الخدمات الصحية، وعطّل المرافق الاقتصادية الحيوية بما في ذلك الموانئ، فضلاً عن نقله الأوبئة والأمراض الفتاكة، وعسكرة الحياة المدنية، وقتله علماء الدين ومطاردة رواد المقاومة والكفاح الوطني .وأكثر من هذا، فقد ساهم الاستعمار في تفاقم آثار الجفاف نتيجة منحه أراضي “الهود” والمناطق المحجوزة لإثيوبيا، والتي تصل إلى قرابة 40% من المساحة العامة للشمال؛ حيث أدى حرمان السكان من مناطق شريان الحياة والمياه والمراعي الأساسية للرعاة إلى مضاعفة حدة موجات الجفاف، وخلق نزاعات مستدامة على الماء والكلأ، لا تزال آثارها المريرة مستمرة ومتجددة حتى يومنا هذا. ويكمن القاسم المشترك بين الاستعمار في الجنوب والشمال في تقوية دور السلطة التقليدية، وتقويض السلطة الدينية، فضلاً عن استعداء رواد المجتمع المدني؛ كالحقوقيين، والشعراء، والمعلمين، والتي كانت تشكّل جميعها مصدر الوعي والاستنارة المعرفية. كما عمد الاستعمار إلى تعطيل الاقتصاد الريفي الإنتاجي المزدهر، وتحويل السكان إلى كتلة بشرية استهلاكية مُسخَّرة لخدمة رفاهية سلطاته؛ بل إنّه صمّم نظام التعليم ليخدم أسباب وجوده في البلاد، لا لإحداث تنمية مجتمعية مستدامة، وهو الأمر الذي ما زالت آثاره شاخصة في أكثر من مظهر وصورة. ومن ثمّ، فإن تصوير الحقبة الاستعمارية على أنها فترة تقدم وازدهار، ينبثق من فكرٍ مقطوع الجذور، فاقدٍ للتوازن، ومنفصلٍ تماماً عن سياقه التاريخي.
الاستقلال والتحديات المتراكمة
مع حلول غرة هذا الشهر، يحيي الصومال ذكرى استقلاله الـ 66. وقد عاصرت الدولة الوطنية عهوداً سياسية متباينة في أيديولوجياتها الفكرية، وتقلبات حادة تأرجحت بين فترات من الازدهار والرخاء والاستقرار، وأخرى من الحروب والمجاعات وطغيان الإرهاب. وفي الوقت الحالي، يواجه الصومال تحديات داخلية متشابكة؛ تشمل الانقسام المجتمعي، واختلاف القوى السياسية حول القضايا المصيرية، بالإضافة إلى سيادة النزعات الانفصالية، وبروز نظام فيدرالي هش لم ينجح بعد في إيجاد مواءمة مستقرة بين مسؤوليات الحكومة المركزية وصلاحيات الولايات الإقليمية، وأنتج دساتير محلية تتناقض بعض موادها مع الدستور الفيدرالي المؤقت. ويضاف إلى ذلك خطر الإرهاب الذي يستنزف مقدرات الدولة، ويعرقل جهود التنمية والتعافي الاقتصادي، ويعكّر تدفق الاستثمارات الدولية. وتتفاقم هذه الأوضاع بفعل التغيرات المناخية وما ينتج عنها من دورات جفاف متكررة؛ وهي كلها عوامل تؤدي مجتمعة إلى إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة الأطماع الخارجية، وتغذية الهجرة والنزوح، فضلاً عن إذكاء النزاعات حول الموارد المحلية وتراجع الثقة في المؤسسات الخدمية الحكومية. وتتداخل هذه التحديات الداخلية مع تهديدات جسيمة تفرضها وطأة الجغرافيا السياسية، والتي وضعت البلاد في بؤرة اهتمام القوى الكبرى والإقليمية، وطمعها في الأراضي والمياه والموانئ والموارد الطبيعية الزاخرة. وتظل إدامة هذه الأزمات الداخلية هي الفرصة السانحة لتلك القوى لتحقيق مآربها، مستندة إلى أطماع تاريخية قديمة وأخرى متجددة تفرضها التحولات الجيوسياسية المستمرة في المنطقة.
التحديات القائمة أمام تحقيق أهداف الاستقلال
شكّل استقلال الصومال عام 1960، والوحدة الطوعية الأبدية بين شماله وجنوبه، حدثاً تاريخياً استثنائياً في القارة الأفريقية؛ إذ حقق هذا الحدث مكاسب جوهرية، أبرزها: تجسيد الهوية القومية الواحدة، وإنهاء عقود من العسف والظلم الاستعماري، بالإضافة إلى بذل جهود مضنية لكسر الحدود المصطنعة التي فرضها الاستعمار، وقسّم بها البلاد إلى صومالات خمسة. ومع ذلك، يواجه الصومال اليوم جملة من التحديات الهيكلية المتشابكة التي صاغت مسار الدولة؛ وهي تحديات ليست معزولة عن سياقها التاريخي، بل تتداخل لتشكل مشهداً معقداً يعوق التنمية المستدامة وبناء مؤسسات راسخة. وقد انعكس هذا التعقيد مباشرة على طبيعة الحكم التي تذبذبت بين أنظمة مدنية، وعسكرية، وانتقالية، وفيدرالية، شهدت البلاد خلالها تعاقب 11 فترة رئاسية و21 رئيس وزراء منذ الاستقلال.
ويمكن تلخيص أبرز هذه التحديات المستمرة فيما يلي:
1.معضلة بناء الدولة المستقرة
على الرغم من التجانس الثقافي، والديني، واللغوي الفريد للشعب الصومالي، فإن البناء الاجتماعي التقليدي أو القبلي ظل يمثل الظل الموازي الأكثر نفوذاً في التفاعلات البينية. ولم تنجح الأنظمة المتعاقبة عقب الاستقلال في دمج الولاء القبلي ضمن إطار هوية وطنية جامعة تحظى بالسيادة على التعددية العشائرية، وذلك على الرغم من كثافة الجهود المبذولة وحسن النوايا التي أبدتها قيادات وطنية كثيرة. وما زال النظام السياسي في البلاد محكوماً بصيغة هجينة تجمع بين المحاصصة القبلية (نظام 4.5) لتوزيع السلطة والمناصب، وبين معيار الكفاءة الشخصية في الوظيفة العامة؛ إذ لم تفلح النظم السياسية المتعاقبة في تحويل التنوع القبلي القائم على الطابع العمودي إلى تعددية أفقية ترتكز على الأنماط الحزبية، والمدارس الفكرية، وبناء دولة مواطنة تقوم على معايير الكفاءة والحوكمة الرشيدة بشكل مستقر. وتعتبر السلطات الفيدرالية والولايات البناء القبلي مكوناً لا غنى عنه في هيكلة الحكم، وحشد المواقف في القضايا العامة، وتعبئة الموارد في المواسم الانتخابية، فضلاً عن حل النزاعات العشائرية، وهو أمر يعيق -إلى حد كبير- بسط سيادة الدولة على حدودها الطبيعية، وضبط آليات تقاسم الثروات، وتوزيع الصلاحيات الدستورية والأمنية بين الحكومة المركزية والولايات الأعضاء. كما يشكل هذا الوضع تحدياً مستمراً أمام بناء مؤسسات العدل والقضاء، وتجهيز قوة عسكرية وأجهزة أمنية وطنية قادرة على تسلم المسؤوليات الأمنية كاملة.
ويبدو أن النظام الفيدرالي المعتمد في البلاد منذ عام 2004 قد رسّخ الرؤية المناطقية، وكرّس البناء القبلي العمودي الطابع، وجزّأ الولاء الوطني العام، وخفّض مستوى التعاون المفترض في مواجهة التحديات المشتركة بين المؤسسات الوطنية المختلفة؛ إذ تحولت الولايات إلى ما يشبه جزراً منعزلة، أو كيانات مستقلة تعيش داخل إطار دولة واحدة. كما نقل هذا النظام معضلة العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد، ومعاناة مركزية الخدمات الأساسية —التي كانت قائمة سابقاً بين العاصمة والمحافظات— إلى داخل الولايات نفسها، وأعاد إنتاجها بين حواضر الولايات والمديريات الخاضعة لها. وغالباً ما تعلن سلطات الولايات تمسكها بمبدأ الشمولية في الحكم، وتعزيز دور نوابها وممثليها في المجالس الفيدرالية وفقاً لمبدأ التوازن العشائري، وتلحّ على ضرورة التوزيع العادل للموارد وفرص التنمية، ولكنها تتمنّع في الوقت ذاته عن التعاون مع السلطة الاتحادية لأداء المسؤوليات الخمسة المنوطة بها حصراً في مناطقها؛ مما يؤكد وجود حاجة ملحة لمراجعة المكاسب والمتاعب التي خلفها هذا النظام طيلة العشرين سنة الماضية، وتقييم مدى مساهمة النموذج الفيدرالي في تنمية أطر التعاون بين السلطتين، وتطوير القدرة الأدائية للمؤسسات الفيدرالية كنموذج حكم معتمد.
2. تحديات جيوسياسة ضاغطة
تتقاطع على الخريطة السياسية الصومالية أجندات دولية وإقليمية متناقضة منذ عهود ما قبل الاستقلال وما بعده؛ إذ تسعى قوى إقليمية إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية لمنطقة القرن الإفريقي على حساب السيادة الوطنية للصومال ووحدة أراضيه. وتتحوط تلك الدول بشعارات براقة، مغلفةً أهدافها بغطاء تقديم الدعم للدولة، وبناء الأجهزة الأمنية، والاستثمار في الموانئ الوطنية، ولا سيما الموانئ الشمالية والشرقية منها. وتشي ممارسات هذه الدول وخطاباتها السياسية بمناصبتها العداء لعودة حكومة مركزية قوية ضمن حدودها الجيوسياسية، تكون قادرة على التحكم في حدودها الطبيعية، كما تكشف عن رغبتها في تحويل الجغرافيا السياسية للبلاد إلى كانتونات عشائرية مقطوعة الأوصال، فضلاً عن توظيف الاضطرابات البحرية الحالية كغطاء وذريعة لتبرير التدخلات العسكرية والأمنية المستمرة، ونهب الموارد البحرية والوطنية.
وتمثل استراتيجية زعزعة الاستقرار، وإضعاف المؤسسات الرسمية، وفصل الشمال عن الجنوب ركيزة أساسية وثابتة في السياسة الخارجية الإثيوبية منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، وتنبثق عن عقيدة سياسية راسخة في أديس أبابا، لم تتأثر بتحول الأيديولوجيات الحاكمة للأنظمة المتعاقبة. فمنذ البداية، ناصبت إثيوبيا العداء لمشروع الوحدة الصومالية، وتحركت دبلوماسيًا لتقويض دمج الشطرين قبيل الاستقلال، كما غدت طرفًا فاعلاً في الانقلاب المجهض في الشمال أواخر عام 1961م. وتأتي إثيوبيا في طليعة الدول التي حرصت إسرائيل على بناء علاقات استراتيجية متعددة الأبعاد معها؛ تفعيلًا لـ “عقيدة المحيط او استراتيجية المحيط ” التي صاغها ديفيد بن غوريون للخروج من العزلة الإقليمية التي كانت تعاني منها، وتطويق الأمن القومي العربي، وخلق أوراق ضغط حيوية. ولهذا السبب، تحالفا سابقاً في دعم الجبهات المسلحة التي أسقطت النظام الصومالي عام 1991م، عبر تقديم التسهيلات العسكرية والاستخباراتية، وتوفير الغطاء الدبلوماسي لها. وتتمحور الرؤية المشتركة بينهما حول الحيلولة دون تحول البحر الأحمر إلى “بحيرة إسلامية”، ومقاومة قيام صومال موحد وقوي قد يهدد مصالحهما وحرية الملاحة في مضيق باب المندب، أو يتحالف مع خصومهما المشتركين كإيران، ومصر، وإريتريا، وتركيا الحالية. وتلتقي رغبة الدولتين في إيجاد موطئ قدم استراتيجي يخدم أجنداتهما الإقليمية؛ حيث تسعى إثيوبيا لتنويع منافذها البحرية كدولة حبيسة، بينما تروم إسرائيل تأمين عمق أمني أمامي يتيح لها رصد التهديدات الميدانية القادمة من إيران والحوثيين، ومراقبة النفوذ التركي المتزايد في المنطقة. وفي هذا السياق، يندرج اندفاعهما نحو المياه الشمالية المطلة على خليج عدن، وتقديم الغطاء للنزعة الانفصالية في هرجيسا، في استنساخ واضح للدور المنسق الذي أفضى سابقاً إلى فصل جنوب السودان عن شماله.
وتاريخيًا، انفردت أديس أبابا بإفشال مساعي المصالحة الوطنية الصومالية لإبقاء جذوة الصراع القبلي والفصائلي مشتعلة، وعمدت إلى تحكم وتوجيه مخرجات مؤتمرات المصالحة المختلفة، وتمكين نخب موالية لها في مفاصل السلطة الفيدرالية والولائية. كما كرّست سياسة التعامل المباشر مع الأقاليم قفزًا فوق السيادة المركزية، وفرضت -بالتعاون مع أطراف أخرى- النموذج الفيدرالي بديلًا عن النظام المركزي. وتلتقي هذه الديناميكية مع التطلعات الإماراتية الرامية إلى توسيع نفوذها البحري والاقتصادي في المنطقة، وسعياً منها لتطوير الموانئ المطلة على مياه خليج عدن والممرات اللوجستية المرتبطة بها؛ بما يعزز قدرتها على تأمين خطوط الملاحة الحيوية، ويرسخ دورها كحلقة وصل رئيسية لحركة التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر. وتُعدّ الجهود المختلفة التي تبذلها إسرائيل منذ ديسمبر 2025 للوصول إلى المياه الصومالية الشمالية، والأهداف التي سعت إثيوبيا لتحقيقها من وراء توقيع مذكرة التفاهم مع هرجيسا عام 2024، مؤشراً كافياً على تطابق وجهات النظر بين هذه الأطراف الثلاثة. كما أن الصمت المتبادل إزاء تحركات كل منها، وتبادل تقديم التسهيلات اللازمة للتفاعل مع هرجيسا، يُعدّان تعبيراً جلياً عن وجود اتفاق مشترك يقضي بتوزيع الأدوار والمهام في إطار أهدافها المشتركة في المنطقة الشمالية.
3. هشاشة اقتصادية مقلقة
يعاني الاقتصاد الصومالي ضعفاً هيكلياً مستمراً منذ الاستقلال، على الرغم من امتلاك البلاد ثروات طبيعية هائلة ومتنوعة. ويتجسد هذا الضعف الهيكلي في اعتماده شبه الكامل على الرعي، والزراعة المطرية، وصادرات المواشي؛ مما يجعله شديد الحساسية تجاه الصدمات الخارجية والتغيرات المناخية حادة الأثر. وتكاد البنى التحتية الحالية: كالطرق، والموانئ، وشبكات الكهرباء والمياه تعجز عن دعم الإنتاج الزراعي قبل الصناعي، أو تيسير الحركة التجارية الداخلية، فضلاً عن عجزها عن ضمان انتظام سلاسل التوريد؛ سواء بين الموانئ والمدن الداخلية، أو بين الموانئ الوطنية وعمق البلاد، وصولاً إلى ضعف الارتباط اللوجستي بين تلك الحواضر والحدود مع الدول المجاورة. علاوة على ذلك، فإن الخدمات اللوجستية اللازمة وشبكة الطرق الرئيسية المحفزة للنمو الاقتصادي قليلة العدد، ويعاني معظمها من رداءة التعبيد، وما رُصف منها بات يفتقر إلى الصيانة الدورية منذ فترة طويلة؛ مما جعل الانتقال السلس والآمن عبرها غير مأمون لشتى الأسباب.
ويبطئ هذا الواقع اللوجستي المعقد جهود محاربة الإرهاب واستدامة برامج إعادة الإعمار ويثبط تدفق الاستثمارات الأجنبية، كما يحد من القدرة على التحول نحو اقتصاد صناعي أو خدمي متطور. والتأثير الحاد للتغير المناخي على الإنتاج الزراعي والاقتصاد الريفي، وارتباطه الوثيق بالأزمات الإنسانية المتكررة لا يقل أهمية عن موضوع البنى التحتية غير المتحسن. ويكاد هذا التحدي البيئي يتحول إلى خطر وجودي مستمر يتزايد أثره المباشر على الحياة العامة عاماً بعد عام، ولا سيما في مجال الاقتصاد الزراعي والريفي الذي يمثل عصب الحياة لغالبية السكان. ولا يقل هذا الخطر المناخي خطورةً عن التحديات الجيوسياسية ومخططات القوى التي تنشغل بتفكيك الجغرافيا السياسية للبلاد؛ إذ تسهم هذه العوامل مجتمعة في تكرار دورات الجفاف وعودة الفيضانات المفاجئة، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير قطاع الثروة الحيوانية، واندثار المرافق الرئيسية للإنتاج الزراعي، وهجرة أهالي القرى القسرية من الريف نحو المدن الكبرى، والوقوع في شرك الاعتماد المستمر على المساعدات الإنسانية الدولية.
خاتمة
تأتي الذكرى الـ 66 لاستقلال بلادي الصومال هذا العام، والبلاد تمر بمرحلة مخاض سياسي حرج، وتواجه صعوبات حقيقية في توطيد أهداف الاستقلال الحيوية، والحفاظ على سيادتها الوطنية المهددة من جهات عدة. ولعل أبرز تحديين يواجهان الدولة في الحفاظ على مكاسب الاستقلال هما: الانقسام المجتمعي الغائر، وتغلغل الإرهاب، واشتداد صدمات التغير المناخي داخلياً؛ مقابل تكتلُ بعض القوى الإقليمية التي تستهدف الوحدة الترابية للبلاد، وغياب التنسيق الفعال في جهود الدول الخارجية الداعمة للوحدة والسيادة الصومالية. إن صون أمجاد الآباء المؤسسين، والحفاظ على التضحيات التي أورثوها لذريتهم، يتطلب حلاً جذرياً للإشكاليات السياسية التي تكاد تتحول إلى أزمة مستعصية، وتجديداً عاجلاً للعقد الاجتماعي بين الصوماليين، بالإضافة إلى بناء أطر تعاون وثيق بين السلطة الفيدرالية والولايات؛ وذلك لمواجهة التحديات المزدوجة الآخذة في الاتساع، وتمكين الدولة من التغلب على هذه الأزمات المتشابكة مع الاستهدافات الخارجية. ومما لا شك فيه، أنه يصعب تحقيق استقرار سياسي متين، أو إيجاد آلية تفاعل منضبطة بين المركز والولايات، أو بناء تعاون مثمر بين المؤسسات الصومالية والجهات الداعمة لها، في ظل عقد اجتماعي منفرط، وبيئة سياسية متنافرة، واقتصاد متعثر بطيء النمو والحركة.
والأمة الصومالية تملك من المقومات ما يؤهلها للتخلص من تبعات الحقبة الاستعمارية، وتجاوز مضاعفات انهيار الدولة المركزية، كما تتوافر لديها القدرات الضرورية لامتلاك إرادة المصير، وتحقيق أهداف الاستقلال الرئيسية التي رسمها الآباء المؤسسون. والصومال قادر على البرهنة عملياً على أن الأصل في شعبه هو وحدة الوجدان والضمير، والنهوض مجدداً من واقعه الحالي الذي يُسعد أعداءه ويُحزن أصدقاءه الدوليين. وصفحات التاريخ مسطرةٌ بالكثير من المواقف والمشاهد التي أثبت فيها الصوماليون وحدتهم القومية في مواجهة الغزو الخارجي، وحافظوا فيها على هويتهم الثقافية في مختلف الميادين. والأمر كلّه مرهونٌ بوجود قادة رأيٍ قادرين على تحويل التنوع القبلي إلى مصدر قوة بدلاً من أن يكون ذريعة للانقسام، وعلى التقاط الرسائل التي يحملها الإجماع الدولي والإقليمي غير المسبوق، والداعم لوحدة الصف الصومالي وسيادة الدولة. وبداية ذلك، تكون بالإدراك العميق للتلازم بين مراجعة مكاسب الاستقلال، وحماية وحدة التراب الوطني، ومواجهة تحديات الجغرافيا السياسية برؤية أقل تقليدية.
وإذا كانت التعددية في الفكر والرأي، والتنوع في الانتماء القبلي، والشمولية في العمل العام ضرورةً لازمة لتحقيق التطور وتثبيت الاستقرار السياسي؛ فإنه لا ينبغي لهذا التنوع أن يقود ورثة الآباء المؤسسين إلى إشهار خناجر سياسية حادة في وجه بعضهم بعضاً، وذلك بما يهدم المشترك، ويدمر الموروث، ويقضي على مكاسب الاستقلال والوحدة المتوائمين. وإذا كان ثمة سبب أو أسباب معينة تعطي بعض العذر للصوماليين في كثير مما لحق بهم سابقاً —بما في ذلك اقتسام أرضهم في حقبة ما قبل الاستقلال— فليس هناك أي عذرٍ اليوم يجعل حل المشكلات فيما بينهم مستعصياً، أو يحول دون التعاون في مواجهة تحدياتهم الوجودية بإصرار، وهم يحيون عيد استقلالهم الـ 66.




