- معتصم علي وآدم كيث
- 26 يونيو 2026
- مجلة جست سكيوريتي الرقمية
من السهل إدراك متى سئمت الولايات المتحدة من حكومة حليفة تتظاهر بعدم دعمها سرًا لطرف بالوكالة في حرب وحشية ومزعزعة للاستقرار.
في مارس/آذار، فرضت إدارة ترامب عقوبات على الجيش الرواندي بأكمله وعدد من كبار ضباطه، ومنعت الشركات والأفراد الأمريكيين من التعامل معهم. استمرت رواندا في دعم ميليشيا معروفة بانتهاكاتها عبر الحدود الكونغولية سرًا، حتى في الوقت الذي كانت فيه الإدارة تروج لاتفاق وقف إطلاق نار طموح بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
أما في السودان، فيبدو من غير المرجح أن تُعامل إدارة ترامب الإمارات العربية المتحدة بالمثل لدعمها المماثل لقوات الدعم السريع، وهي فصيل في الصراع السوداني الوحشي اتهمته الحكومة الأمريكية بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب حتى قبل أن تدمر قوات الدعم السريع مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول. أحدث مثال على هذا التنازل هو زيارة وزير الخارجية ماركو روبيو هذا الأسبوع إلى الإمارات العربية المتحدة، ضمن جولة شملت ثلاث دول خليجية لتهدئة المخاوف بشأن الاتفاق الأمريكي الإيراني الهادف إلى إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران. وقد تناول روبيو قضية السودان بعبارات عامة من غير المرجح أن تُحدث أي تغيير جوهري.
منذ اندلاع الحرب السودانية عام 2023، اعتبرت إدارتا بايدن وترامب الإمارات العربية المتحدة دولة بالغة القوة والأهمية بالنسبة لمصالح أخرى، ما حال دون فرض أي ضغط أو تدقيق يُذكر على تحركاتها في السودان. وبدلاً من ذلك، اختارت الولايات المتحدة محاولة غير مباشرة ورمزية إلى حد كبير لتغيير سلوك الإمارات، كفرض عقوبات على شركات يسيطر عليها قادة قوات الدعم السريع ومقرها الإمارات.
مع ذلك، يبدو أن حتى هذه الرمزية غير موفقة. فقد استخدمت الولايات المتحدة وحكومات أخرى مؤخراً عقوبات مالية لتسليط بعض الضغط والتدقيق على شبكة من المرتزقة الكولومبيين الذين تم نشرهم للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع. لكن حتى هذه العقوبات تحولت إلى استعراض للتردد، إذ لم تصل إلى حدّ التطرق إلى رجل الأعمال الإماراتي المرتبط بالحكومة، والذي يُزعم أن شركته تُزوّد هؤلاء المرتزقة، كما أكد ذلك تقرير جديد لمنظمة هيومن رايتس ووتش.
هذا التهرب ليس مجرد مراعاة لحساسيات الإمارات أو محاولة لحفظ ماء وجهها، بل هو تمكين لوحشية وكيلها. تغيير تصرفات الإمارات يتطلب ممارسة ضغط على سمعتها. يبذل المجتمع المدني وبعض المشرعين جهودًا حثيثة في هذا الصدد؛ وينبغي على الحكومات والقطاع الخاص التحلي بالشجاعة للتحرك أيضًا.
لا شيء يدعو للقلق
نفت السلطات الإماراتية مرارًا وتكرارًا وبشدة تقديم أي دعم لقوات الدعم السريع، بل وانضمت إلى الولايات المتحدة ودول أخرى في دعوات متعددة الأطراف لإنهاء الدعم الخارجي للمقاتلين. لكن تقارير صحفيين ومحققين من الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية قدمت أدلة، يبدو أنها مدعومة من وكالات الاستخبارات الأمريكية، على أن الإمارات تُساعد في تسليح قوات الدعم السريع وتزويدها بالإمدادات.
في أسابيعها الأخيرة، بدا أن إدارة بايدن تُقرّ ضمنيًا لأحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بأن الإمارات العربية المتحدة كانت تُسلّح قوات الدعم السريع، رغم أن بيانها نقل تأكيدًا من الإمارات بعدم تقديم أي دعم مماثل في المستقبل. حتى هذا التأكيد نفسه سرعان ما أُثيرت حوله شكوكٌ بعد أسابيع قليلة من خلال إحاطة استخباراتية أمريكية.
ليست الإمارات الدولة الوحيدة التي تدعم فصيلًا سودانيًا سرًا، إذ يُقال إن تركيا وإيران ساعدتا في تسليح الجيش السوداني الذي يُقاتل قوات الدعم السريع. لكن قوات الدعم السريع كانت وحشية بشكل خاص، ما استدعى اتهامها بارتكاب إبادة جماعية من قِبل إدارتي بايدن وترامب، ودعوات من الكونغرس لتصنيفها منظمة إرهابية أجنبية. أحد أبرز مُرتكبي هذه الجرائم في الجماعة قام بتصوير ونشر فظائعه في الفاشر على الإنترنت، ولم يُواجه سوى اعتقال صوري وجيز بعد أن لفتت أفعاله انتباه وسائل الإعلام.
في سياقٍ هام، أشارت سلسلة من التقارير الإعلامية وتقارير المنظمات غير الحكومية، مثل تقرير هيومن رايتس ووتش، إلى توفير مرتزقة كولومبيين لدعم قوات الدعم السريع وتدريب جنودها ومجنديها. وتشير التقارير إلى أن بعض المتدربين، والذين يُفترض إرسالهم إلى مناطق القتال، هم أطفال دون سن الثامنة عشرة، في انتهاكٍ للقانون الدولي المعمول به. بل إن بعضهم كان دون سن الخامسة عشرة، وهو السن القانوني الذي يُعتبر فيه استخدام الأطفال كجنود جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي الذي يحكم التحقيق الجاري للمحكمة الجنائية الدولية في دارفور، بما في ذلك أحداث الفاشر.
وفي المقابل، يبدو أن رجل الأعمال الإماراتي محمد حمدان الزعابي، المقرب من كبار المسؤولين، يمتلك الشركة الإماراتية التي تعاقدت على “مئات” المرتزقة الكولومبيين للخدمة في السودان، وفقًا لمنظمة “ذا سنتري” الاستقصائية. وتُقدّر صحيفة “لا سيلا فاسيا” الكولومبية عدد المرتزقة الكولومبيين المشاركين بنحو 300. وقد كشف تحقيقٌ حديثٌ عن استخدام مجموعة “كونفليكت إنسايتس” بيانات الهواتف المحمولة المتاحة تجاريًا، بالإضافة إلى معلومات تتبع الرحلات الجوية، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات أخرى مفتوحة المصدر، لإثبات أن بعض هؤلاء المرتزقة مروا عبر منشأة تدريب عسكرية إماراتية أو قاعدة ممولة إماراتيًا في الصومال في طريقهم إلى الفاشر في شمال دارفور.
يُعدّ تدفق المرتزقة هذا مجرد جانب واحد من جوانب الدعم الإماراتي المزعوم لقوات الدعم السريع. ولعلّ السبب في ذلك هو تورط مواطنين من دول أخرى، ما دفع عدة دول إلى اتخاذ إجراءات ملموسة ضده في الأشهر الأخيرة. فقد فرضت حكومتا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عقوبات مالية وحظر سفر على عدد من الأفراد والشركات الكولومبية المتورطة، بالإضافة إلى شركة واحدة من بنما. كما وافق أعضاء مجلس الأمن الدولي بالإجماع على فرض عقوبات على ثلاثة من هؤلاء الأفراد.
لكن جميعهم لم يصلوا إلى حدّ فرض عقوبات أو حتى توجيه اتهامات صريحة إلى الزعابي أو شركته أو غيرهم من الإماراتيين الذين قد يكونون متورطين في توفير المرتزقة. بدلاً من ممارسة الضغط من أجل التغيير، يبدو أن هذا النهج يؤكد أن الدول القوية ترفض ببساطة تسمية الدور الإماراتي، حتى عندما تحاول ظاهرياً معالجته.
العيش في الحقيقة
إنكار الإماراتيين يُسهم في جعل أي ملاحظة أو وصف لأفعال الإمارات عملاً عدائياً بالنسبة للحكومات الأخرى. فقد أفادت التقارير أن مسؤولين إماراتيين ألغوا اجتماعات مع نظرائهم البريطانيين عام ٢٠٢٤ بعد استيائهم من عدم دفاع الممثل البريطاني بشكل استباقي عن الإمارات في جلسة لمجلس الأمن الدولي، حيث اتهمها السودان بدعم قوات الدعم السريع.
وبالتالي، يُغذي الصمت أو الغموض الناتج عن الحكومات حالةً من عدم اليقين الزائف بشأن الوضع، مما يُصعّب ممارسة الضغط. فإذا ما تم تجاهل دعم الإمارات لقوات الدعم السريع باعتباره مسألة خلاف، سيجد الطرف الثالث الذي قد يكون له نفوذ على الإمارات – من الحكومات إلى شركاء الإمارات التجاريين في الرياضة الدولية – سهولةً أكبر في صدّ طلبات استخدام هذا النفوذ، وتقلّ حاجته للقلق بشأن المخاطر التي قد تلحق بسمعته جراء العلاقات الوثيقة مع الدولة.
بإمكان الحكومات بذل جهود كبيرة لتغيير هذا الوضع، بما في ذلك وقف مبيعات الأسلحة إلى الإمارات نفسها. في حال عدم وجود ذلك، ينبغي فرض عقوبات تُسلط الضوء على الجهات الفاعلة الأكثر نفوذاً بدلاً من السماح لها بالبقاء في الظلام.
ويمكن للمشرعين أيضاً تقديم المساعدة. فقد وجّه النائبان جيم ماكغفرن، الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس، وكريس سميث، الجمهوري عن ولاية نيوجيرسي، رسالةً مؤخراً يحثّان فيها الرابطة الوطنية لكرة السلة على إعادة النظر في شراكتها البارزة مع الإمارات العربية المتحدة. ويُقدّم هذا نموذجاً نادراً ولكنه مُشجّع من الحزبين. ويدعم هذا التواصل ويُعزّز حملات المجتمع المدني الجارية، بما في ذلك حملة ركّزت على نهائيات التصفيات الأخيرة للرابطة الوطنية لكرة السلة، لزيادة الضغط على سمعة الإمارات من خلال مواجهة ممارساتها في “تبييض السمعة عبر الرياضة”.
كما ينبغي لقادة لجنتي الشؤون الخارجية أو المصرفية في الكونغرس، من الحزبين، تفعيل بند في قانون العقوبات الأمريكي لإلزام إدارة ترامب بتقييم وتقديم تقرير حول ما إذا كان مسؤولون أو شركات أو رجال أعمال إماراتيون مُحدّدون مرتبطين بشكل كافٍ بانتهاكات مثل استخدام قوات الدعم السريع للأطفال كجنود، ما يستدعي فرض عقوبات عليهم بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي. لا يقتصر دور أعضاء الكونغرس على طرح السؤال فحسب، بل عليهم أيضاً توضيح آرائهم بوضوح.
يجب أن يتحمل من يواصلون دعم جرائم الحرب في السودان تكاليف باهظة. ولتحقيق ذلك، يتعين على السياسيين والدبلوماسيين إيلاء أولوية قصوى لوقف الأضرار الجسيمة الناجمة عن الدعم الخارجي، بدلاً من التغاضي عنه علناً.




