ترجمات

أصبح السودان سوق عنف عابر للحدود: تتطلب الاستجابات الفعّالة استهداف المصادر

  • بقلم معتصم علي ويوناه دايموند
  • 15 يونيو 2026
  • صحيفة جست سيكيورتي

ثيراً ما يُوصف الصراع في السودان بأنه حرب أهلية بين القوات المسلحة السودانية المدعومة من الحكومة وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. إلا أن أهم العوامل التي تُغذي هذا الصراع تتجاوز حدود السودان، بدءاً من الدول الأجنبية ووصولاً إلى شركات الأمن الخاصة، وشبكات التهريب والاتجار بالبشر العابرة للحدود، والتي حوّلت السودان إلى ساحة للعنف. تسعى الجهات الأجنبية لتحقيق مصالحها من الخارج، بينما يتحمل الشعب السوداني تبعات الدمار.

في تقريرها الجديد، تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش نتائج سابقة أيدتها منظمات استقصائية أخرى، من بينها منظمة سنتري ومنظمة كونفليكت إنسايتس، مفادها أن عملية الإمارات العربية المتحدة لتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والمرتزقة الكولومبيين مرتبطة بأعلى مستويات الحكومة الإماراتية. وتشير التقارير إلى أن اهتمام أبو ظبي بالسودان يتضمن طموحات لاستغلال موارد البلاد الطبيعية والوصول إلى ميناء البحر الأحمر.

تُشير تحركات المرتزقة إلى ترابط العديد من خطوط إمداد الأسلحة الإماراتية الراسخة إلى دارفور، كما وثّق ذلك فريق خبراء الأمم المتحدة والمحققون الدوليون وأجهزة الاستخبارات، مما يُظهر مدى رسوخ هذه الشبكات الإجرامية. وطوال فترة النزاع، تلقت قوات الدعم السريع إمدادات مستمرة من الأسلحة من الإمارات، غالباً ما تُنقل جواً بتكتيكات سرية كإخفاء الرادارات أو الإقلاع غير المُسجّل، لا سيما قبيل الهجمات الكبرى والفظائع. في البداية، كانت شحنات الأسلحة الإماراتية تمر عبر تشاد، ولكن مع ازدياد التدقيق الدولي، أُعيد توجيهها تدريجياً وتنويعها عبر دول مجاورة أخرى للسودان. ويرتبط العديد من نقاط العبور هذه أيضاً بتمويل إماراتي، أو يُقال إن مواطنين إماراتيين أنشأوها بالتنسيق مع السلطات الإقليمية.

أثبتت الإمارات العربية المتحدة قدرتها على اعتراض وملاحقة عمليات تهريب الأسلحة غير المشروعة إلى السودان، عندما يقوم بها مواطنون سودانيون وتكون وجهتها القوات المسلحة السودانية. في المقابل، ومنذ بدء النزاع قبل أكثر من ثلاث سنوات، لم تُجرِ الإمارات أي تحقيق في شحنات الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، على الرغم من وجود مئات الرحلات الجوية الموثقة من الأراضي الإماراتية يُشتبه في نقلها أسلحة إلى قوات الدعم السريع في دارفور. وبدلاً من ذلك، أفادت التقارير أن الإمارات استخدمت رموزاً إنسانية للتغطية على شحنات الأسلحة والدعم العسكري المقدم لقوات الدعم السريع، وهي أفعال قد ترقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي (المادة 8 (2) (ب) (7) من نظام روما الأساسي).

إنّ تجميع الأدلة على نشر مرتزقة كولومبيين في دارفور، بما في ذلك عبر شركة أمنية خاصة مرتبطة بالأسرة الحاكمة في أبوظبي، يُظهر، على أقل تقدير، معرفة واضحة من جانب كبار المسؤولين الإماراتيين. وفي دولة تتمتع بسلطة مركزية كالإمارات، يُرجّح أن تكون عملية تهريب الأسلحة والمرتزقة الشاملة التي تدعم قوات الدعم السريع خطة وسياسة مُتعمّدة.

كما ناقشت مقالة أخرى حديثة على موقع “جست سكيورتي”، فإن تورط الإمارات العربية المتحدة في السودان يتعارض مع الصورة العالمية التي تسعى إلى إظهارها. وبدلاً من الاستمرار على النهج المعتاد، ينبغي على الحكومات والجهات الفاعلة الخاصة استخدام جميع الوسائل العامة والقانونية والسياسية المتاحة للضغط على الإمارات لوقف تسهيل العنف في السودان.

ساحة معركة للدول الأجنبية

تُشير أدلةٌ دامغة إلى أن المرتزقة الكولومبيين أصبحوا فاعلين رئيسيين في الصراع السوداني، حيث يتدربون ويقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع. ووفقًا لتقرير هيومن رايتس ووتش ، فقد أُعفي المرتزقة الكولومبيون من إجراءات الهجرة في الإمارات العربية المتحدة، ووُفرت لهم أولوية النقل إلى المنشآت العسكرية الإماراتية، حيث تلقوا تدريبًا مكثفًا على يد مواطنين إماراتيين. بل إن أحد المرتزقة الكولومبيين ذكر اجتماعًا مع مسؤولين إماراتيين رفيعي المستوى، كان فيه “الإماراتيون” هم من يُسيطرون على كل شيء.

يُعدّ استخدام الوكلاء لارتكاب الفظائع في دارفور استراتيجية راسخة لدى جهات نافذة بعيدة كل البعد عن هذه المنطقة الغنية بالذهب، بهدف زعزعة استقرارها وتشريد سكانها واستخراج معادنها بطرق غير مشروعة. وقوات الدعم السريع نفسها جماعة شبه عسكرية انبثقت من ميليشيات الجنجويد الوحشية التي نشرها نظام عمر البشير في دارفور لتفويض أعمال العنف ضد المجتمعات غير العربية. وقد تعمّدت الدولة استخدام المقاتلين غير النظاميين لارتكاب الفظائع، كوسيلة للتنصل من المسؤولية، بينما كافأت هؤلاء المقاتلين بالأراضي والأموال والإفلات من العقاب.

توسّع هذا النموذج ليشمل مناطق خارج حدود السودان مع مرور الوقت. فقد تمّ نشر هؤلاء المقاتلين أنفسهم لاحقاً كمرتزقة في اليمن، حيث قاتلوا في صفوف التحالف السعودي الإماراتي. كما تمّ نشر قوات الدعم السريع في ليبيا لدعم اللواء الليبي خليفة حفتر، بدعم عسكري ومالي من الإمارات. وتنفي الإمارات مزاعم دعمها لقوات الدعم السريع، على الرغم من وجود أدلة دامغة على ذلك.

يُظهر مسار قوات الدعم السريع أنها قوة مدفوعة بالربح، وأن قادتها عملوا ضمن سوق عنف عابر للحدود الوطنية قبل وقت طويل من بدء الصراع الحالي في السودان.

من جانبها، تمتلك القوات المسلحة السودانية سجلاً حافلاً بالفظائع وتعهيد الصراعات والعنف. فعلى مدى عقود، اعتمدت على الحلول العسكرية كرد فعل على المطالب المشروعة للشعب السوداني في المناطق المهمشة. ونتيجة لذلك، أنشأت ميليشيات قبلية، وقوات الدفاع الشعبي، وحرس الحدود، التي انبثقت من ميليشيات الجنجويد ، والتي أصبحت فيما بعد قوات الدعم السريع. واليوم، تعتمد القوات المسلحة السودانية في حربها ضد قوات الدعم السريع على دعم مصري وسعودي ، وجماعات إسلامية ، فضلاً عن إمدادات طائرات مسيرة متطورة من تركيا وإيران ، وغيرها.

أصبح كلا الجانبين الآن منخرطين في نظام بيئي إقليمي للرعاية والمنافسة.

خلال عام 2025، رُصد مرتزقة أجانب في دارفور وهم يقدمون دعماً مباشراً لهجمات قوات الدعم السريع والفظائع المرتكبة في شمال دارفور، بما في ذلك تدريب الأطفال المجندين، وتشغيل الطائرات المسيّرة، وإطلاق قذائف الهاون. ويشير تقرير هيومن رايتس ووتش الجديد أيضاً إلى تورط مرتزقة في عملية الاستيلاء على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والتي خلصت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق إلى أنها تحمل سمات الإبادة الجماعية، حيث رُصد وجود مرتزقة في مواقع المجازر، بما في ذلك الخنادق المحيطة بالمدينة.

وهكذا، أصبح السودان الآن ساحة معركة للقوى الأجنبية، حيث تتجلى المنافسات الإقليمية، والتنافس الخليجي، والتوترات المصرية الإثيوبية، وأمن البحر الأحمر من خلال أجساد المدنيين السودانيين.

لكن التدخل الخارجي في السودان يقوم على اقتصاد استخراجي غير مشروع ضخم يُغذي الصراع، ويزدهر في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث غابت سلطة الدولة لفترة طويلة. بالنسبة لجميع الأطراف المعنية، تُعد هذه الحرب مربحة، إذ تُتيح الوصول إلى الذهب والصمغ العربي وعائدات التهريب، فضلاً عن النفوذ الجيوسياسي.

إن هذا التربح هو السبب في فشل الجهود الدبلوماسية التي تنظر إلى هذا الصراع على أنه مجرد صراع ثنائي بين القوات المسلحة السنغافورية وقوات الدعم السريع، بينما تتجاهل أولئك الذين يدعمونه.

توصيات السياسات

لإنهاء الفظائع وكبح جماح العنف ومنع انتشاره إلى جيران السودان، ينبغي على الدبلوماسيين وصناع السياسات والممارسين القانونيين النظر في التوصيات التالية التي تركز على وقف إطلاق النار على المستوى المحلي وتفكيك الشبكات الخارجية التي تمكّن من ارتكاب الفظائع.

أولاً، ينبغي ألا تقتصر العقوبات الموجهة على مرتكبي هذه الجرائم في السودان فحسب، بل يجب أن تستهدف أيضاً كبار المسؤولين الأجانب والشركات المتورطة في غسل الأموال وتهريب الأسلحة إلى الخارج. إن العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لا تفي بالغرض في استهداف هذه الجهات الفاعلة الرئيسية.

ثانيًا، يجب على الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي إعطاء الأولوية لوقف إطلاق النار على المستوى المحلي كشرط أساسي لعملية سلام تتطلب مشاركة المدنيين السودانيين. ونظرًا لعدم رغبة الأطراف المتحاربة وداعميها الأجانب (الذين غالبًا ما يكونون حاضرين على طاولة المفاوضات) في الدخول في وقف إطلاق نار شامل على مستوى البلاد، تتوفر فرص لتنفيذ وقف إطلاق نار محلي في مناطق مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث يرتفع احتمال وقوع فظائع جماعية. وستساعد هذه الخطوات الصغيرة على بناء الثقة بين السكان المحليين وتمهيد الطريق أمام السلام والمصالحة في المستقبل.

ثالثًا، ينبغي للدول أن تسعى جاهدة من أجل الوصول والإشراف الدولي من خلال آلية مراقبة الحظر على العقد الرئيسية داخل خط إمداد قوات الدعم السريع – المطارات ومعسكرات التدريب والقواعد العسكرية ونقاط العبور.

رابعاً، ينبغي للمحكمة الجنائية الدولية ومكاتب المدعين العامين الوطنيين التحقيق مع موردي الأسلحة الأجانب والجهات الفاعلة التي تمكّن الأطراف المتحاربة من ارتكاب فظائع متواصلة، وإصدار أوامر اعتقال بحقهم. وتُوفّر المادة 25 (3) (ج) و(د) من نظام روما الأساسي أساساً واضحاً لمحاكمة الرعايا الأجانب الذين يُساعدون أو يُحرّضون أو يُساندون أو يُساهمون في جرائم الفظائع في دارفور.

أخيرًا، لا ينبغي إعفاء الدول التي تنتهك المعاهدات الدولية علنًا من التدقيق أمام محكمة العدل الدولية. ورغم رفض دعوى السودان ضد الإمارات العربية المتحدة لانتهاكات اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها قبل بدء الإجراءات (لأسباب إجرائية)، إلا أن هناك مسارات بديلة لإعادة فتح الدعوى. فعلى سبيل المثال، يمكن لدولة أو ائتلاف من الدول رفع دعوى لانتهاكات معاهدات أخرى، بما في ذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري أو اتفاقية مناهضة التعذيب، وضد جهات أخرى، من بينها دول مجاورة للسودان.

باختصار، تُجسّد حرب السودان صورة الحرب الحديثة عندما تُوكل الدول والجهات الفاعلة القوية العنف إلى المرتزقة والوكلاء والشبكات العابرة للحدود. إنها حربٌ تحركها دوافع الربح والإفلات من العقاب والجيوسياسة، حيث تقود جهات خارجية فظائع مستمرة، مما يستدعي ردود فعل مُصممة خصيصًا لها. يمكن إيقاف هذه الحرب وما يصاحبها من فظائع، لكن ذلك لن يتحقق إلا بتفكيك الشبكات الإقليمية. وفي ظل محدودية الموارد المتاحة في مجال العدالة والمساءلة الدوليين، ينبغي للسلطات إعطاء الأولوية للتحقيق مع الجهات الخارجية، ليس فقط لتعزيز العدالة، بل أيضًا للعمل على وقف العنف من جذوره.

أفروبوليسي

المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي) مؤسسة مستقلة تقدم دراسات وأبحاثاً حول القضايا الأفريقية لدعم صناع القرار بمعرفة دقيقة وموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى