تمهيد
يُستدعى السودان، في كثير من النقاشات حول الدولة الحديثة في إفريقيا، بوصفه حالة كاشفة لتعقيدات هذا التشكّل أكثر مما هو مثال ناجز عليه. فالتجربة السودانية لم تنشأ داخل حدود تاريخية أو قومية مكتملة، بل تبلورت عند تقاطع دلالة جغرافية–حضارية قديمة، كانت تشير إلى فضاء إفريقي واسع ومفتوح، مع صياغة سياسية حديثة فرضتها السلطة الاستعمارية ومنطقها الإداري. ومن ثمّ، يصعب مقاربة السودان كدولة حديثة من دون التوقف عند تاريخ اسم “السودان” ذاته، وكيف انتقل من توصيف عام لبلاد تقع جنوب الصحراء إلى كيان سياسي محدد المعالم، تشكّل في ظل الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري، قبل أن يبدأ وعيه القومي في التبلور التدريجي مع الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من تحولات سياسية وفكرية.يهدف هذا الفصل إلى تتبع هذه التحولات، من خلال تحليل التسمية، والحدود، وبنية السلطة قبل الاستعمار، ثم دراسة أثر الحرب العالمية الأولى في نشوء القومية السودانية، ودور الزعامات الدينية في التفاعل مع المشروع الاستعماري، وصولًا إلى وضع التجربة السودانية ضمن الإطار العام للاستعمار الإفريقي.
أولًا: مصطلح السودان من الدلالة الحضارية إلى التحديد السياسي
يرجع أصل مصطلح “السودان” إلى الاستعمال العربي الوسيط، حيث شاع تعبير “بلاد السودان” أو “بلاد السود” في كتابات الجغرافيين والمؤرخين المسلمين، للدلالة على الأقاليم الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وقد امتد هذا المجال جغرافيًا من البحر الأحمر شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، دون أن يحيل إلى وحدة سياسية أو إدارية محددة. بل كان توصيفًا إثنيًا–جغرافيًا، يعكس رؤية ثقافية للعالم، تقوم على التمييز بين المجال الصحراوي–المتوسطي والمجال الإفريقي الجنوبي.
وقد انتقل هذا الاصطلاح، بصيغ مختلفة، إلى الأدبيات الأوروبية، خاصة الاستشراقية والأنثروبولوجية، التي حافظت على استخدامه بوصفه تصنيفًا عامًا لإفريقيا جنوب الصحراء، حتى مع بروز الدولة الحديثة. غير أن التحول الجذري في دلالة المصطلح جاء مع التدخل الاستعماري، حين أصبح “السودان” اسمًا لكيان سياسي بعينه، خاضع لإدارة حديثة وحدود مرسومة.
وفي هذا السياق، ارتبط اسم السودان بالحكم الثنائي الإنجليزي–المصري، الذي تأسس عقب إعادة احتلال البلاد عام 1898. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في التسمية، بل تعبيرًا عن انتقال من تصور حضاري واسع إلى تصور سياسي ضيق، فرضه منطق الدولة الاستعمارية الحديثة، التي أعادت رسم الجغرافيا الإفريقية وفق اعتبارات السيطرة والتنظيم الإداري.
وقد أثار هذا التحديد السياسي التباسًا دلاليًا، تجلى بوضوح عقب استقلال المستعمرات الفرنسية في غرب إفريقيا عام 1960، حين أُطلق اسم “الجمهورية السودانية” على إحدى الدول. وقد دفع ذلك بعض النخب السودانية إلى التساؤل حول شرعية الاسم، واقتراح العودة إلى تسميات تاريخية أقدم، مثل “نوبيا”، في محاولة لاستعادة عمق تاريخي سابق على الإسلام والاستعمار معًا. غير أن هذا الجدل لم يلبث أن خمد مع تبني الدولة الجديدة اسم “مالي”، ليستقر اسم السودان على الكيان الذي تشكل في ظل التجربة الاستعمارية.
لم يعرف السودان، قبل التدخل الاستعماري، حدودًا سياسية ثابتة بالمعنى الأوروبي الحديث. فقد كانت الحدود، في الفترات السابقة، مرنة ومتغيرة، تتحدد بمدى قوة السلطة المركزية وقدرتها على فرض الطاعة. ويتضح ذلك بجلاء خلال فترة الدولة المهدية (1880–1898)، حيث اتسع نطاق النفوذ أو انكمش تبعًا لتوازن القوى العسكرية والسياسية.
أما خلال العهد العثماني–المصري، فقد كان السودان جزءًا من إمبراطورية واسعة امتدت من البحر المتوسط إلى أعماق إفريقيا الاستوائية، دون أن يعني ذلك قيام وحدة إدارية متماسكة. فقد ظل الجنوب، على وجه الخصوص، خارج منظومة الدولة، يُنظر إليه بوصفه مجالًا للغزو والاسترقاق، أكثر منه فضاءً سياسيًا منظمًا. وهو ما يعكس غياب مفهوم الدولة الإقليمية الموحدة، وسيادة منطق المجال المفتوح والحدود المتحركة.
ومن ثم، يمكن القول إن السودان كوحدة سياسية موحدة هو، في جوهره، نتاج استعماري. فقد فرض الحكم الثنائي حدودًا واضحة، ورسّخ مفهوم السيادة الإقليمية، وربط ذلك بإدارة مركزية حديثة. غير أن هذا التوحيد الإداري لم يُواكَب بتوحيد اجتماعي أو ثقافي، مما أفضى إلى هشاشة بنيوية في الكيان الوطني (1).
ثانيًا: الحرب العالمية الأولى وبدايات الوعي القومي السوداني
شكّلت الحرب العالمية الأولى نقطة تحول حاسمة في تاريخ السودان الحديث. فمن جهة، أسهمت في بروز جيل جديد من المتعلمين، الذين تلقوا تعليمهم في المدارس الحكومية، والتحقوا بالعمل في أجهزة الإدارة الاستعمارية، واكتسبوا خبرة بأساليب الحكم الحديثة. ومن جهة أخرى، أثرت التطورات الإقليمية والدولية، مثل الثورة العربية عام 1916، ومبادئ الرئيس الأمريكي ولسون حول حق تقرير المصير، في تشكيل وعي سياسي جديد لدى النخب السودانية.
وفي هذا السياق، تأسس “نادي الخريجين” في أم درمان عام 1918، ليكون منبرًا للنقاش والتعبير عن الطموحات السياسية والاجتماعية. وقد عكس هذا النادي بداية تشكّل نخبة مدنية حديثة، تختلف في رؤيتها ومطالبها عن الزعامات التقليدية، وتسعى إلى دور أكبر في تقرير مصير البلاد.
غير أن هذا الوعي القومي الناشئ لم يكن موحدًا، بل انقسم بين اتجاهات مختلفة، تراوحت بين المطالبة بالاستقلال الكامل، والدعوة إلى الارتباط بمصر، أو القبول المؤقت بالوصاية البريطانية بوصفها مرحلة انتقالية. أدركت الإدارة البريطانية، خلال الحرب العالمية الأولى، خطورة توظيف الدين في مواجهة سلطتها، خاصة بعد إعلان الدولة العثمانية الحرب، وصدور دعوات إلى الجهاد ضد الحلفاء. ولذلك سعت إلى تحييد المشاعر الإسلامية في السودان، عبر خطاب سياسي–ديني يؤكد احترامها للإسلام، ويحمّل المسؤولية للحكومة التركية لا للدين ذاته.
وفي هذا السياق، أعادت بريطانيا النظر في موقفها من الزعامات الدينية، ولا سيما الأنصار بزعامة السيد عبد الرحمن المهدي. فسمحت له بالعودة إلى جزيرة أبا، وبإعادة بناء نفوذه الاجتماعي والاقتصادي، خاصة من خلال زراعة القطن، مقابل تعاون سياسي غير معلن. غير أن هذا التقارب ظل محكومًا بالحذر والمراقبة الدائمة، كما تظهره تقارير الاستخبارات البريطانية.
وقد أسهم هذا التحالف البراغماتي في تحييد السودان عن أي مواجهة عسكرية مباشرة خلال الحرب، باستثناء دارفور التي أُلحقت بالسودان عام 1916. كما مهّد الطريق لبروز دور سياسي متزايد للزعامات الدينية في مرحلة ما بعد الحرب.
بعد الحرب العالمية الأولى، برز شعار “السودان للسودانيين” بوصفه تعبيرًا عن تطلع قومي جديد. غير أن هذا الشعار أثار جدلًا واسعًا داخل السودان وخارجه. فقد رأت قطاعات من المتعلمين أن الشعار صنيعة بريطانية تهدف إلى فصل السودان عن مصر، وإدامة السيطرة الاستعمارية. في المقابل، تبنّت الزعامات الدينية خطابًا يؤكد خصوصية السودان، ويرى في الوصاية البريطانية مرحلة ضرورية إلى أن ينضج الشعب سياسيًا.
وقد تجسّد هذا الخطاب في مقالات جريدة “حضارة السودان” أو الحضارة (1919–1920)، التي دعت إلى إنهاء الحكم الثنائي، ورفض ضم السودان إلى مصر، مع القبول المؤقت بالإدارة البريطانية بوصفها أقل الخيارات سوءًا. وهو تصور يعكس تداخل المصالح السياسية مع الرؤى الدينية والاجتماعية، في سياق تشكّل الهوية الوطنية (2).
هذا الموقف السياسي السوداني تجاه القوى الخارجية يعيدنا إلى التساؤل الجوهري حول طبيعة العلاقة بين الدول القوية والضعيفة عبر العصور، إذ يعد الاستعمار ظاهرة قديمة قدم المجتمع البشري، فهي كائنة طالما وجدت دول ضعيفة تملك موارد معينة ودول قوية تفتقر إليها وتود الاستيلاء عليها، وإن اختلف الكتاب والمؤرخون في تصوير وتحليل هذه الظاهرة.
فبالرغم من أن المؤرخين اصطلحوا على تسمية المدن اليونانية التي ظهرت خارج شبه الجزيرة اليونانية -كسواحل إيطاليا وجزر المتوسط وساحل أفريقيا الشمالي- بالمستعمرات، إلا أنها في جوهرها لم تكن سوى مهاجر يونانية؛ كون الذين سكنوها قدموا إليها قدوماً سلمياً، ولم يفرضوا سيادتهم على السكان الأصليين أو يستغلوا تلك المواطن لصالح مدنهم الأصلية، بل استأجروها بشروط ارتضاها الطرفان وحرصوا على روابط الود واللغة والثقافة، تماماً كما كان الحال في دولة قرطاجنة بشمال أفريقيا.
وعلى نقيض هذا النموذج السلمي، يبرز الاستعمار بمعناه الصريح في حالة وقوع مصر في قبضة الدولة الرومانية، حيث استغل الرومان الأرض والسكان لصالح روما، فكان تعيين الحكام والقرار العسكري والدفاع خاضعاً بالكامل لمشيئة الرومان الذين استخدموا الجيش للدفاع، كما أصبحت مصر مزرعة للقمح تخدم مصالح الإمبراطورية الرومانية.
وبالمثل، لم يُعد قدوم العرب إلى مصر استعمارًا بمعناه التقليدي، رغم انتشار اللغة العربية والدين الإسلامي ضمن الإمبراطورية الإسلامية، لأن المصريين احتفظوا بحرية إدارة شؤونهم، وامتصوا العناصر الثقافية والحضارية العربية بشكل تكاملي دون استغلال قسري لأرضهم.
أما الولايات البريطانية في أمريكا الشمالية، أستراليا وكندا، فلم تُعد مستعمرات بالمعنى التقليدي، حيث احتفظ السكان البريطانيون بولائهم للملك، ولم تُستغل الأراضي لصالح إنجلترا بشكل مباشر. وأدى سوء فهم العلاقة بين الحكومة البريطانية والمستعمرات لاحقًا إلى محاولات الاستقلال، ما دفع بريطانيا لتعديل سياساتها مع بقية المستعمرات. في المقابل، كان الاستعمار الإسباني في العالم الجديد استعمارًا صريحًا، إذ استغل الإسبان الأرض والموارد المحلية، وجعلوا المهاجرين الإسبان السلطة العليا، كما تولت الجيوش والأساطيل الإسبانية حماية المستعمرات وتحصينها.
وبذلك يمكن تعريف الاستعمار بأنه امتداد نفوذ دولة قوية على دولة أو منطقة أخرى، مع استغلال الأرض والسكان لصالح الدولة المسيطرة. ويُميز هذا التعريف بين الاستعمار الرسمي والمنظمات الفردية، فمثلًا استيلاء الصهاينة على فلسطين لم يكن استعمارًا بالمعنى التقليدي، إذ لم يتم بواسطة دولة قائمة، بل جماعة استولت على الأرض وطردت السكان، ويُصنف كاغتصاب وليس استعمارًا. كما يشمل الاستعمار الأراضي التي تدخل في نظام حماية دولة أقوى، مثل تونس ومراكش وغانا في العصور الحديثة، حيث فقدت الدول المحلية شخصيتها الدولية واستُغلت الأرض والسكان لصالح الدولة الحامية. وينطبق هذا أيضًا على الأراضي التي وُضعت تحت وصاية أو انتداب دولي عبر عصبة الأمم أو الأمم المتحدة، رغم الالتزامات الرسمية للدول المنتدبة، إذ غالبًا ما كانت هذه الالتزامات تُتجاهل ويتم استغلال الموارد والأرض دون مساءلة حقيقية.
رغم قرارات الأمم المتحدة منذ ديسمبر 1960 حول منح الاستقلال للمستعمرات وإنهاء الاستعمار، فإن هذه القرارات كانت توصيات فقط، ولم تضمن التنفيذ الفعلي، إذ استمرت الدول في إعادة تشكيل النفوذ والسيطرة تحت مسميات جديدة، مع الحفاظ على استغلال الأرض والشعوب لصالح الدولة المسيطرة. وبذلك، يتضح أن الاستعمار الحديث تجاوز السيطرة العسكرية المباشرة ليشمل النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي المستمر، أحيانًا ضمن نظام الانتداب أو الحماية الدولية، مع استمرار استغلال السكان والموارد.
وعلى ذلك فإن استعمار إفريقيا بوساطة الدول الأوروبية قد بدأ منذ القرن الخامس عشر حين قدمتها أساطيل هذه الحكومات وأقامت فيها الحصون والمراكز التجارية من أجل تجارة الرقيق، التي انتهى أمرها في منتصف القرن التاسع عشر، فإن استغلال الأرض والسكان لم يتوقف، بل بدأ بوساطة الشركات التجارية لفترة قصيرة لا تتجاوز عشرات السنين لتبدأ خطوة جديدة هي دخول الحكومات الأوروبية دخولاً صريحاً، ترتب عليه استغلال أرضها وسكانها لصالح الدولة صاحبة السيادة. (3)
وبالانتقال إلى العصر الحديث، وتحديداً في أثناء الحرب العالمية الأولى، نجد أن مناطق واسعة من أفريقيا السوداء لم تكن قد قبلت كلياً بالسيطرة الاستعمارية، ورغم اعتراف البعض بأن هذه السيادة نجحت في القضاء على الحروب المحلية بين الجنسيات المختلفة -وهو إنجاز يبدو إيجابياً في ظاهره- إلا أن المستعمر لم يكن يعنيه السلم لذاته بقدر ما كان يهدف لفرض “سلمه الخاص” لضمان السيطرة.
إن حروب الفتح والقمع التي خاضها المستعمر بقوة السلاح قد خلفت ضحايا يفوق عددهم بكثير ما نتج عن حروب القادة الأفارقة السابقين في محاولاتهم لبناء ممالكهم، مما يؤكد أن السلم الاستعماري لم يكن إلا شرطاً أساسياً لتأمين مصالح المستعمرين. ومن هنا، يتوجب النظر إلى هذا العصر من زاويتين متكاملتين: الأولى اقتصادية واجتماعية، والثانية سياسية وثقافية. (4)
هذا الميراث الاستعماري الثقيل يمثل المفتاح الأساسي لفهم التحديات المعاصرة؛ إذ يقول “ستيفن مكويليام: Steven” McWilliam * في مقاله بعنوان تاريخ السودان: مواجهة الأضرار التي خلفها الاستعمار. لفهم الحرب الحالية، لا بد من فهم التاريخ السوداني في مرحلة ما بعد الاستعمار، يشهد السودان أزمة حادة منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF) في أبريل 2023. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف الأزمة الإنسانية عن التفاقم، إلى أن بلغت ذروتها مع سقوط مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر 2025. إن الصور والتقارير الواردة من الفاشر مفزعة بكل المقاييس.
إن فهم الأزمات التي عانى منها السودان لعقود طويلة يتطلب مواجهة صريحة بالأضرار التي خلّفها الاستعمار البريطاني. فطبيعة الطبقة الحاكمة في مرحلة ما بعد الاستعمار متجذّرة بعمق في بنية الحكم الاستعماري ذاته.
ففي البداية، كان يُنظر إلى غالبية السكان المستعمَرين باعتبارهم مجرد وحدات عمل، في حين أُتيح لفئة صغيرة فقط أن تراكم رأس المال بوصفها حرفيين حضريين أو تجارًا رحّل. وقد شكّلت هذه الفئة النواة الأولى لبرجوازية وطنية ناشئة. ومع مرور الوقت، ومع تحوّل المستعمرة إلى كيان مربح، لم تعد تُعامل فقط كمصدر للاستغلال، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى سوق بحد ذاتها. ولم يكن ما ينتظره أصحاب المصانع وكبار رجال المال في الدولة الأم من حكوماتهم هو إبادة الشعوب المستعمَرة، بل حماية ما اعتبروه “مصالحهم المشروعة” عبر الاتفاقيات الاقتصادية والتنظيمات القانونية.
وقد تمثّلت القيمة الأولى لاستعمار السودان في الأرض وقوة العمل. وقد اختار البريطانيون زراعة القطن بوصفه موردًا إضافيًا يغذّي صناعة النسيج في بريطانيا. وغالبًا ما ترافق هذا التحول في القوة الاقتصادية حالة من الخوف المتصاعد لدى المستوطنين من “مناخ العنف”، الأمر الذي يؤدي عادة إلى تبنّي إجراءات رجعية إضافية مثل تكثيف الوجود الشرطي واعتقال قادة الحركات الوطنية، كما حدث مع جومو كينياتا Jomo Kenyatta *في كينيا أو نيلسون مانديلا Nelson Mandela** في جنوب أفريقيا. غير أن هذا النمط لم يظهر في السودان بالدرجة نفسها.
فقد بدأت الحكومة البريطانية في إعداد السودان للحكم الذاتي قبل اندلاع أي تمردات كبرى، بخلاف ما جرى في كينيا. ويمكن تفسير هذا الاختلاف بعدة أسباب: أولها أن عدد المستوطنين البيض في السودان كان أقل بكثير مقارنة بكينيا وجنوب أفريقيا، مما جعل فكرة الانتقال أقل تهديدًا وجوديًا. وثانيها أن الحركة الوطنية السودانية تأثرت بشدة بالثورة المصرية عام 1952 التي أطاحت بالملك فاروق وقلّصت النفوذ البريطاني في مصر، وهو ما دفع الحكومة المصرية الجديدة إلى ممارسة ضغط سياسي مكثف لإجبار بريطانيا على القبول باستقلال السودان.
أما السبب الثالث فيعود إلى أن السيطرة على السودان لم تكن قائمة أساسًا على القيمة الزراعية للأرض، بل على أهميته الاستراتيجية، خصوصًا ما يتعلق بالتحكم في نهر النيل.
وبالعودة إلى البرجوازية الوطنية الناشئة في السودان، نجد أن العديد من القبائل العربية في الشمال كانت تعمل في التجارة المتنقلة، وهو ما منحها أفضلية واضحة مقارنة بالقبائل ذات الأصول الإفريقية في الجنوب، التي كانت أكثر استقرارًا. وقد أدى ذلك إلى ارتباط الجماعات العربية اقتصاديًا بالمستوطنين بشكل مباشر، الأمر الذي جعلها الفئة التي تلقّت التدريب على شؤون الحكم من قبل البريطانيين قبيل الانتقال، وهو ما أفضى إلى تشكيل أول حكومة سودانية ضمّت في معظمها أفرادًا من أصول عربية شمالية.
يشير فرانز فانون Frantz Fanon” إلى وجود اختلاف جوهري بين البرجوازية في الدولة الأم وتلك التي تنشأ في المستعمرة؛ فالأولى تمتلك رسوخًا اقتصاديًا ورأس مال متجذرًا ونظم حماية قانونية واقتصادية متينة، بينما تفتقر البرجوازية الوطنية الناشئة في المستعمرات إلى هذا الاستقرار. ولذلك تميل هذه البرجوازية إلى إعادة إنتاج هياكل وأدوات السلطة الاستعمارية للحفاظ على نفوذها وتوسيعه على حساب بقية المجتمع. وغالبًا ما تبقى هذه النخب عالقة داخل دائرة التأثير الاقتصادي والسياسي للقوة الاستعمارية السابقة، مما يُبقي الدولة الجديدة في حالة تبعية بنيوية. وقد جعل هذا الهشاش السودان عرضة لضغوط خارجية أخرى، لا تقتصر على القوة الإمبريالية السابقة وحدها. وتقبل كثير من الحكومات الحديثة الاستقلال تلقي الدعم والتدريب العسكري من مستعمِريها السابقين، كما حدث في السودان، حيث جرى تسليح الجيش السوداني وتدريبه على يد البريطانيين حتى قطع السودان العلاقات عام 1967 بسبب الدور البريطاني في حرب الأيام الستة.
وقد منح هذا النوع من العلاقات المستعمر السابق قدرًا هائلًا من السيطرة بأقل كلفة، إذ جمع بين النفوذ العسكري عبر المستشارين والنفوذ الاقتصادي عبر الاتفاقيات التجارية.
لم يكن الجنوبيون راضين عن هيمنة الحكومة الشمالية فور الاستقلال، وهو ما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الأولى التي استمرت حتى توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972.وخلال تلك الفترة، واجهت الحكومة اضطرابات وانقلابات متتالية. ففي عام 1958، وبعد ثلاث سنوات فقط من تأسيس الدولة، نفّذ رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري انقلابًا ذاتيًا غير دموي بالتعاون مع قائد الجيش الفريق إبراهيم عبود، الذي تولّى السلطة. ويُرجّح أن ذلك جاء نتيجة الضغوط الاقتصادية المستمرة ومخاوف الأزهري من خسارة الانتخابات بما يهدد مصالحه الخاصة.
غير أن عبود لم يكن راغبًا أو قادرًا على إعادة الحكم المدني أو معالجة الأوضاع المعيشية، فأُطيح به عام 1964. وتوالت بعد ذلك حكومات ضعيفة فشلت في إحداث تغيير حقيقي، مما مهّد الطريق لانقلاب جعفر نميري عام 1969 وبدء أول حكم ديكتاتوري طويل الأمد. حقق نميري نجاحًا نسبيًا في بداياته بتوقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972 التي أنهت الحرب الأهلية الأولى وأدخلت البلاد في عقد من السلام النسبي. إلا أن هذا السلام انهار عام 1983 مع فرض قوانين الشريعة المعروفة بقوانين سبتمبر، في محاولة لتعزيز تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين أو نتيجة لتحولاته الدينية الشخصية. وأدى ذلك إلى تجدد الحرب الأهلية وتشكيل الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وتزامنت هذه التطورات مع موجات جفاف قاسية في منتصف الثمانينيات وتطبيق سياسات صندوق النقد الدولي، مما فجّر احتجاجات واسعة أطاحت بنميري عام 1985. إلا أن الحكومات الانتقالية والمدنية اللاحقة فشلت في إنهاء الحرب أو احتواء الفساد والانقسام، رغم اكتشاف النفط ودخول قوى دولية جديدة مثل الصين. فقد استغل عمر البشير هذا الفشل ليستولي على السلطة عام 1989. وخلال العقد التالي، اتُهم نظامه بتهميش الأقاليم الغربية والجنوبية لصالح العاصمة والشمال، مما أدى إلى نشوء حركات مسلحة مثل حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، خاصة بعد نشر “الكتاب الأسود” الذي كشف اختلال التمثيل السياسي لصالح أقلية شمالية. وبدعم إقليمي من دول مثل إريتريا وليبيا وتشاد، تصاعد الصراع في دارفور. وفي هذا السياق، سمح البشير بنمو ميليشيا الجنجويد، التي تحولت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع، لتكون قوة موازية للجيش النظامي.
فخلال الفترة بين 2003 و2005، ارتُكبت جرائم واسعة النطاق في دارفور، قُتل خلالها ما يُقدّر بـ 300 ألف شخص، وانتشرت أعمال الاغتصاب والنزوح والتجويع، واستُهدفت مجموعات إثنية غير عربية مثل الفور والزغاوة والمساليت.
ورغم توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، استمر العنف في دارفور، وتضخمت قوة الدعم السريع. وبعد انفصال جنوب السودان عام 2011، أُعيد تشكيل هذه القوات رسميًا عام 2013، وشاركت لاحقًا في حرب اليمن بتمويل خليجي، ما عزز قوتها الاقتصادية والعسكرية. ويقودنا ذلك إلى احتجاجات 2018 التي انتهت بسقوط نظام البشير (5).
وفي مقال الصراع الحالي في السودان: التداعيات على المناطق الحدودية وتأثير الفاعلين الإقليميين والدوليين الرئيسيين، يري الباحث والصحفي اللتشيلي رايموندو غريغوار، أنه منذ بداية الأزمة العنيفة الأخيرة، التي بدأت في أبريل 2023، يعاني السودان من تبعات الصراع المسلح، الذي يزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
يعد السودان جزء من منطقة تربطها بالدول الأخرى علاقات تاريخية، ومنذ الاستقلال، استمر هذا الاتجاه. لذلك، أي صراع في السودان يمتد فورًا إلى الدول المجاورة والعكس صحيح. يستشهد كيبيدي (2017) بأليكس دي وال، موضحًا أنه لا توجد حروب داخلية في القرن الإفريقي، لأن الدول المجاورة في “متورطة في كافة النزاعات”.
وفي واقع الأمر، كما يقول دونيلي (2022)، “قد ينتقل النزاع بين دولتين إقليميتين إلى الدول المجاورة بسبب الروابط الاجتماعية والاقتصادية والتحالفات السياسية، مما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الإقليم بأسره. وعلاوة على ذلك، يمكن وصف هذا الإقليم بأنه “نظام صراع” (هيلي، 2008؛ كبدي، 2017)، حيث تكون النزاعات التي تبدو معزولة جزءًا من “نمط صراع إقليمي أوسع” (هولمكويست وإيدا، 2023). ووفقًا لكبدي (2017)، “تتميز الاقاليم بانتشار وطول أمد صراعاتها المتعددة”، بينما لاحظ توبينا (2011) أن ديناميات الصراع في الإقليم مرتبطة بالعلاقات العرقية والصراعات العابرة للحدود.
إضافة إلى ذلك، تواجه الدول الحدودية تحديات أمنية وحالات من عدم الاستقرار السياسي (هولمكويست وإيدا، 2023)، مما يؤدي إلى ترابط أمني في الإقليم (هيلي، 2008). كما ينبغي التذكير بأن التنافسات التاريخية وانعدام الثقة من السمات الرئيسة للعلاقات بين دول القرن الإفريقي (هولمكويست وإيدا، 2023)، وأن “التدخل المتبادل” في الشؤون الداخلية يعد نمطًا شائعًا في العلاقات البينية لهذه الدول (كبدي، 2017). وفي هذا السياق، قد يؤدي الصراع في السودان إلى زعزعة عامة لاستقرار المناطق الحدودية والدول المجاورة (روزاليند، 2024).
الأزمة الإنسانية
قبل اندلاع الصراع، بلغت الاحتياجات الإنسانية في السودان مستويات غير مسبوقة، حيث كان 15.8 مليون شخص — أي نحو ثلث السكان — بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وفقًا لنظرة عامة للاحتياجات الإنسانية لعام 2023 (أوتشا، 2023). ويمثل ذلك زيادة قدرها 1.5 مليون شخص مقارنة بعام 2022، وهو أعلى رقم منذ عام 2011. غير أن أرقام عام 2024 تظهر تفاقم الوضع، إذ أفاد أحدث تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الصادر في 15 أبريل (أوتشا، 2024)، بأن 24.8 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة في السودان، منهم 14 مليون طفل.
ومن المهم التأكيد على أنه قبل الوضع الحالي كان السودان يستضيف بالفعل 1.13 مليون لاجئ، وكان لديه 3.7 ملايين نازح داخليًا (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 2023)، يُضاف إليهم 6.5 ملايين نازح جديد.
وفيما يتعلق باللاجئين، أشار تقرير أوتشا المذكور إلى أن عدد النازحين داخل السودان وخارجه بلغ 8.6 ملايين شخص (16% من السكان)، منهم 4 ملايين طفل، وبذلك أصبح السودان أكبر أزمة نزوح في العالم. كما يجدر التأكيد على أن 54% من النازحين الجدد (منذ 15 أبريل 2023) قدموا من الخرطوم إلى مناطق تشهد هي الأخرى أعمال عنف، مما أدى إلى نزوح كثيرين للمرة الثانية.
أما بالنسبة لوضع اللاجئين، فقد ذكر التقرير نفسه أن 1.96 مليون شخص غادروا البلاد، منهم 1.76 مليون (900 ألف طفل) عبروا الحدود ولجأوا إلى دول مجاورة منذ 15 أبريل 2023. وقد أثر ذلك في جيران السودان، ولا سيما تشاد (592,763 لاجئًا وطالب لجوء سودانيًا)، ومصر (447,574)، وجنوب السودان (135,854). كما تستضيف إثيوبيا (33,402)، وجمهورية إفريقيا الوسطى (23,286)، وكينيا (11,227) آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين، وإن بأعداد أقل (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 2024). وتُعد حالة جنوب السودان لافتة، إذ استقبل 506,219 عائدًا منذ 15 أبريل 2023. ويُحتمل أن تتفاقم الأوضاع في دول الجوار، نظرًا لوجود ملايين النازحين في مناطق سودانية حدودية مع دول أخرى.
وأخيرًا، يوجد في السودان 663,361 لاجئًا وطالب لجوء من جنوب السودان، إضافة إلى جاليات كبيرة من الإريتريين (147,579) والإثيوبيين (69,790).
وللاطلاع على صورة أوضح للوضع الإنساني، يُرجى الرجوع إلى الجدول (1).
الجدول 1: المؤشرات الإنسانية الرئيسية: القرن الأفريقي والدول المجاورة
| الدولة | اللاجئون وطالبو اللجوء (حتى 31 مارس 2024) | النازحون داخليًا (IDP) (حتى 31 مارس 2024) | نقص الغذاء (بالملايين)ᵃ (حتى 19 أبريل 2024) | المحتاجون إلى مساعدات إنسانية (بالملايين)ᵇ (2024)ᶜ |
| الدولة | اللاجئون وطالبو اللجوء (حتى 31 مارس 2024) | النازحون داخلياً (IDP) حتى 31 مارس 2024 | نقص الغذاء (بالملايين) (أ) | المساعدات الإنسانية (بالملايين) (ب) | |
| السودان | 917,435 | 9,052,822 | 18 (د) | 24.8 | |
| إثيوبيا | 1,059,232 | 3,459,881 | 15.8 (هـ) | 28.6 | |
| إريتريا | 118 | غير متوفر | غير متوفر | غير متوفر | |
| جنوب السودان | 453,902 | 2,027,331 | 3.2 | 9 | |
| جيبوتي | 31,528 | 6,100 | 0.3 | 0.072 (و) | |
| كينيا | 767,294 | 41,874 | 13.6 | 6.4 | |
| الصومال | 38,867 | 2,778,453 | 15.6 | 6.9 | |
| مصر | 569,764 | 3,200 | 24.8 | غير متوفر | |
| تشاد | 1,237,254 | 215,928 | 9.3 | 6 | |
| أوغندا | 1,660,524 | 42,800 | 8.3 | 2.4 (ز) | |
| جمهورية أفريقيا الوسطى | 68,164 | 521,857 | 1.8 | 6.1 | |
| ليبيا | 62,527 | 125,802 | 1.2 | 0.823 | |
المصادر: مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC، 2020، 2024)، المنظمة الدولية للهجرة (IOM، 2023( منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF، 2024، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR، 2024)، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA، 2024) وبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة (WFP، 2024
أ. تستخدم خارطة الجوع التابعة لبرنامج الأغذية العالمي “درجة استهلاك الغذاء” (FCS) لتصنيف الدول إلى ثلاث فئات: استهلاك غذائي ضعيف، استهلاك غذائي حدّي، واستهلاك غذائي مقبول. تُعتبر الفئتان الأوليان “استهلاكاً غذائياً غير كافٍ”. لمزيد من المعلومات، يرجى زيارة قسم “المصطلحات” في موقع خارطة الجوع.
ب. الأشخاص الذين لا يستطيعون توفير الاحتياجات الأساسية لأنفسهم أو لعائلاتهم مثل الغذاء والمأوى والوصول إلى المياه والصحة والتعليم، من بين أمور أخرى. يمكن تصنيفهم كأشخاص يعانون من احتياج شديد، ويجب أن يتلقوا إغاثة عاجلة ويعيشون في مناطق متأثرة بالأزمات (النزاعات المسلحة، الكوارث الطبيعية، وعدم الاستقرار السياسي، إلخ).
ج. المصدر: مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). في حين أن البيانات الخاصة بتشاد وجنوب السودان والصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى تعود لعام 2024، إلا أن المعلومات الخاصة بإثيوبيا وكينيا ليبيا والسودان ليس لها تاريخ رسمي، ولكن يُفترض أنها من عام 2024.
د. نظراً لعدم توفر معلومات عن السودان في خارطة الجوع، تم استخدام المعلومات الرسمية الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي، والتي أفادت بأن 18 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
هـ. نظراً لعدم توفر معلومات عن إثيوبيا في خارطة الجوع، تم استخدام المعلومات الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي ذكرت أن 15.8 مليون شخص سيواجهون الجوع وبحاجة لمساعدات غذائية خلال عام 2024.
و. المصدر: اليونيسف (UNICEF). يُفترض أن البيانات تعود لعام 2024.
ز. المصدر: اليونيسف (UNICEF). يُفترض أن البيانات تعود لعام 2024.
العنف
في 14 أبريل 2024، نشر مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاع المسلح (ACLED) تقريرًا أفاد بمقتل أكثر من 15,500 شخص منذ بداية الصراع المسلح (محمود. أ والطيب. ن، 2024). كما سجل المشروع أكثر من 5,500 حدث عنف سياسي في البلاد. ومع ذلك، فإن عدد القتلى أعلى من ذلك بكثير، إذ أكد تقرير صادر عن فريق خبراء تابع للأمم المتحدة أن ما بين 10,000 و15,000 شخص قُتلوا في مدينة الجنينة وحدها (رويترز، 2024)، وهي مدينة تقع في إقليم دارفور الغربي. ووفقًا لتقرير ACLED، سُجل 32% من وفيات المدنيين في إقليم دارفور.
وقعت في دارفور هجمات تستند إلى الانتماء العرقي، حيث تستهدف قوات الدعم السريع الجماعات العرقية غير العربية. في الواقع، قُتل 1300 على يد قوات الدعم السريع (علي، 2024). وقد أكدت هذا الاتجاه كل من الأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش، التي نشرت تقارير تؤكد عمليات القتل العرقي في دارفور (هيومن رايتس ووتش، 2023؛ الأمم المتحدة، 2024). وفيما يتعلق بتداعيات الصراع المسلح الداخلي، تشير بيانات ACLED إلى زيادة حادة في حوادث العنف منذ أبريل 2023. ففي عام 2019 سُجلت 1,291 حادثة عنف، وارتفع العدد إلى 1,494 في عام 2020، ثم انخفض في عامي 2021 و2022 إلى 932 و888 على التوالي. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2023، كانت الأرقام أقل من السنوات السابقة، لكن منذ أبريل تغيّر الوضع جذريًا، حيث سُجل بنهاية العام 4,328 حادثة عنف. ويظهر النمط نفسه في التحليل التفصيلي، إذ شهدت أعمال العنف ضد المدنيين والمعارك والانفجارات/العنف عن بُعد أرقامًا مرتفعة على نحو غير معتاد.
وفي السياق ذاته، من المفيد النظر إلى الاتجاهات في مناطق أو أقاليم الدول المجاورة التي تشترك في حدود مع السودان (انظر الجدول 2). فقد تصدرت إثيوبيا القائمة بـ21 حادثة منذ أبريل 2023 (13 اعتداءً على مدنيين و8 معارك)، تلتها جمهورية إفريقيا الوسطى (16)، وتشاد (10)، وجنوب السودان (5)، وليبيا (2)، ومصر (1)، وإريتريا (0). وكما يتضح، يختلف نمط العنف في السودان عن ذلك المسجل في دول الجوار.
وأخيرًا، كما في نزاعات أخرى في القرن الإفريقي والمناطق القريبة (الساحل، والمغرب العربي، وشرق إفريقيا)، تُعد تجارة الأسلحة غير المشروعة مشكلة قائمة، وكذلك حركة الجماعات المسلحة والميليشيات والتنظيمات المتمردة. ما دامت تدفقات اللاجئين والديناميات العابرة للحدود تحت السيطرة، فمن غير المرجح أن تكون لاعبًا نشطًا في الصراع السوداني. وحتى الآن، تتبنى موقفًا محايدًا.
مقترحات محادثات السلام
يجب أن يكون الحوار مفتوحًا لتلقّي جميع أنواع المقترحات، وألّا يعتمد حصريًا على ما يُسمّى بـ«الحلول الإفريقية». وينبغي أن تبتعد عملية الوساطة عن القوى الخارجية التي تمتلك مصالح واسعة في المنطقة، ولذلك فإن الوسطاء القادمين من دول لا تملك مصالح مباشرة في الإقليم يجب الترحيب بهم.
ينبغي أن تتركّز جهود المحادثات على دفع كلٍّ من عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) للجلوس إلى طاولة الحوار واستئناف الالتزام الذي تم الاتفاق عليه في ديسمبر 2023 تحت مظلة الإيغاد (IGAD). كما يجب تحليل ما إذا كان من المناسب أن تستند وساطة جديدة إلى المبادرات السابقة (الولايات المتحدة–السعودية، الإيغاد، ومصر) أم لا. والأهم هو أن تندمج المقترحات المختلفة، قدر الإمكان، في مبادرة واحدة.
أي حل سلمي يجب أن يتبنّى رؤية طويلة الأمد، أي أن يكون مقترحًا شاملًا يضم جميع الأطراف المعنية — بما في ذلك الحركات المتمردة أو الميليشيات التي تلتزم بالمشاركة في حل سياسي تفاوضي — وأن يأخذ بعين الاعتبار جميع المتغيرات المرتبطة بالصراع، مثل الإطار السياسي، الوضع الإنساني، وقف إطلاق النار، والدبلوماسية. إن الحلول أحادية الرؤية محكوم عليها بالفشل.
كما يجب أن يتضمن الحل صوت المواطنين (المجتمع المدني)، والقادة المحليين، والنخب الوطنية والإقليمية. وينبغي تجنّب منطق الانتقام. ولتحقيق انتقال ناجح، يجب إشراك جميع الأطراف في الحكومة الجديدة والبنية الديمقراطية، حتى تلك الجماعات التي لم توقّع على الاتفاق الإطاري. على المدى القصير، ينبغي أن يكون الهدف الأساسي هو تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد، إضافةً إلى تنفيذ عملية انتقالية متينة تقود، خلال فترة لا تتجاوز عامين، إلى دستور جديد وانتخابات رئاسية وتشريعية. يجب أن يكون وقف إطلاق النار أساس محادثات السلام. ومع ذلك، فإن وقف إطلاق النار قد انتُهك مرارًا في السابق، أو فشلت محادثاته. ومعظم هذه المحاولات جرت خلال الشهرين الأولين من الصراع.
ويري الكاتب ان: – في تاريخ السودان، لم تنشأ سوى حكومتين ديمقراطيتين مدنيتين من حركتين شعبيتين. 2- علاوة على ذلك، كان حميدتي أول مسؤول رفيع المستوى يُفرض عليه عقوبات من قبل الولايات المتحدة (الباغر ن. والخالدي ج.، 2023). 3- في حين أن الإمارات العربية المتحدة تتبنى سياسة مباشرة، بل وعدوانية، ضد الإسلاميين، فإن للمملكة العربية السعودية صلة تاريخية بالوهابية والجمعيات أو الجماعات الإسلامية. 4- بين 15 أبريل و26 يونيو 2023، تم الإعلان عن 11 وقفًا لإطلاق النار أو انتهاكها في التواريخ التالية (6) …
وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 لم تعد مجرد صراع داخلي بين طرفين عسكريين، بل تحولت إلى أزمة وطنية مفتوحة ذات امتدادات إقليمية ودولية واسعة. فقد بدأ القتال في العاصمة الخرطوم بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قبل أن يمتد سريعًا إلى مناطق أخرى من البلاد، خاصة دارفور في الغرب وكردفان في الجنوب، في سياق يعكس هشاشة البنية السياسية للدولة السودانية وقدرة الصراع على إعادة إنتاج نفسه خارج المركز.
وتوضح المجموعة أن السودان يحتل موقعًا جيوسياسيًا بالغ الحساسية، إذ يشكل نقطة اتصال بين الساحل الإفريقي، وشمال إفريقيا، والقرن الإفريقي، والبحر الأحمر، وهو ما يجعل أي اضطراب داخلي فيه ذا انعكاسات تتجاوز حدوده الوطنية، وتؤثر مباشرة في محيطه الإقليمي. كما تشير إلى أن الحرب الحالية لم تقتصر على الأطراف المتحاربة الرئيسة، بل جذبت تدخلات أطراف خارجية متعددة، في ظل استمرار حركات تمرد قديمة في الأطراف المهمشة من البلاد، ما يعكس تداخل المحلي بالإقليمي والدولي في بنية الصراع السوداني.
وتؤكد المجموعة أن الهدف من تحليلاتها وأبحاثها هو الإسهام في تخفيف حدة النزاع ودعم مسارات الحل السياسي، عبر فهم ديناميات الحرب وتفاعلاتها المعقدة. كما يبرز من خلال توصيفها أن الأزمة السودانية ليست حدثًا طارئًا، بل امتداد تاريخي لصراعات السلطة والتهميش في السودان، أعادت الحرب الراهنة إنتاجها بصورة أكثر عنفًا واتساعًا.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الأزمة الحالية بوصفها تجسيدًا لتحول الصراع من مجرد تنازع على السلطة في المركز إلى تفكك بنيوي شامل يشمل الأطراف والمجتمع والدولة معًا، بما يعزز من احتمالات استمرار عدم الاستقرار وتوسع دوائر العنف(7).
الخاتمة:
يتضح أن الأزمة السودانية الراهنة ليست مجرد انفجار عارض لصراع على السلطة، بل هي تجلٍّ بنيوي لخلل تاريخي عميق صاحب نشأة الدولة الحديثة في إفريقيا. إن القراءة المتأنية لتطور الاستعمار الأوروبي—منذ تجارة الرقيق وصولاً إلى الإدارة الحكومية المباشرة—تكشف أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري عابر، بل كان “مشروعاً هندسياً” أعاد صياغة المجتمعات وفقاً لمنطق الاستغلال الاقتصادي والنفوذ الثقافي.
أولاً: مأزق الدولة وما بعد الاستعمار لقد ورث السودان، كغيره من دول القارة، هيكلاً إدارياً وحدوداً سياسية لم تكن نتاج تطور داخلي طبيعي، بل كانت ثمرة “للسلام الاستعماري” الذي قمع التناقضات المحلية بدلاً من حلها. هذا التفاعل المعقد بين الإرث المحلي ومنطق الدولة الحديثة أنتج هوية وطنية متنازعة وبنية سلطة هشة، حيث ظلت الدولة الوطنية عاجزة عن تجاوز “الخطيئة الأولى” المتمثلة في التبعية للنفوذ الأجنبي، سواء عبر الوصاية الدولية أو عبر أشكال الاستعمار الحديث المستتر خلف اتفاقيات الحماية والنفوذ الاقتصادي.
ثانياً: الصراع بوصفه ظاهرة عابرة للحدود إن زعزعة الاستقرار في السودان اليوم، وامتداد أبعادها العرقية والسياسية إلى دول الجوار، تؤكد أن الدولة الاستعمارية في القرن الإفريقي صُممت لتكون متشابكة المصالح والأزمات في آن واحد. فالتنافس بين القوى التقليدية والصاعدة (الولايات المتحدة، روسيا، الإمارات، السعودية، تركيا) يعيد إنتاج مشهد “التكالب على إفريقيا” بصيغة القرن الحادي والعشرين، حيث يصبح التدخل الخارجي عائقاً أمام الحلول السلمية، محولاً الأراضي الوطنية إلى ساحات لتصفية حسابات إقليمية ودولية (إثيوبيا-الصومال، روسيا-أوكرانيا).
ثالثاً: نحو رؤية جديدة للحل إن الخروج من نفق الأزمة السودانية يتطلب تجاوز القراءات المحلية الضيقة والاعتراف بأن الصراع “عابر للحدود” في أسبابه وتداعياته. إن أي حل مستدام يجب أن يرتكز على:
- تفكيك البنية الاستعمارية: التي لا تزال تحكم العقلية السياسية والتبعية الاقتصادية.
- المعالجة الإقليمية الشاملة: ربط استقرار السودان باستقرار القرن الإفريقي ومنطقة الساحل، مع مراعاة قضايا سد النهضة ومثلث الفشقة كجزء من سياق واحد.
- استعادة السيادة الوطنية: من براثن القوى الدولية التي تستغل ضعف الرقابة الأممية (كما في لجان الوصاية) لتمرير أجنداتها الخاصة.
وأخيرا وليس اخرا يبقى السودان نموذجاً صارخاً لضحايا “الحداثة السياسية القسرية”؛ حيث لا يزال الشعب يدفع ثمن التحولات التي بدأت منذ القرن الخامس عشر. إن فهمنا لهذا التاريخ ليس مجرد استعراض للماضي، بل هو ضرورة حتمية لبناء مستقبل يتحرر فيه السودان من إرث “الاغتصاب الاستعماري” وينتقل نحو دولة وطنية حقيقية تقوم على المواطنة لا على التوازنات العرقية أو التبعية للخارج.
المراجع
1- عبد الرحيم، مدثر، (1971) الامبريالية والقومية في السودان: دراسة للتطور الدستوري والسياسي (1899-1956). دار النهار للنشر- بيروت، ص11، 12.
2-المرجع السابق، ص90:85
3-رياض، زاهر. (1965). استعمار إفريقية. الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، ص8:5
4-كي-زيربو، جوزيف. (1994). تاريخ أفريقيا السوداء: القسم الثاني (ترجمة: يوسف شلب الشام). منشورات وزارة الثقافة، سوريا، دمشق، ص753،752
5-Steven McWilliam, Sudan’s History: Reckoning with the Damage of Colonialism, Counterfire, 19 November 2025.
6-Raimundo Gregoire, “Sudan’s Current Conflict: Implications for the Bordering Regions and Influence of the Key Regional/International Actors,” The Journal of Social Encounters, Vol. 8, No. 2, 2024.
https://digitalcommons.csbsju.edu/social_encounters/vol8/iss2/8/
7- https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/sudan




