احتضنت العاصمة الكينية نيروبي خلال الفترة من 20 إلى 23 مايو 2026 أعمال النسخة السابعة من قمة القوة الناعمة الإفريقية (Africa Soft Power Summit 2026)، بمشاركة مسؤولين حكوميين، ومستثمرين، ورواد أعمال، وممثلين عن الصناعات الإبداعية والثقافية، إلى جانب شخصيات من الشتات الإفريقي وشركاء دوليين. وجاءت القمة تحت شعار يربط بين رأس المال والإبداع والقيادة، في إطار سعي متزايد لإعادة تموضع الاقتصاد الإبداعي ضمن أولويات التنمية الاقتصادية في القارة.
ولم تقتصر القمة على الفاعلين في القطاع الثقافي والإبداعي، بل شهدت مشاركة واسعة لشخصيات حكومية ودولية وقادة أعمال ومستثمرين وممثلي شركات التكنولوجيا والمؤسسات المالية، إلى جانب فنانين ومنتجين ورواد أعمال من مختلف أنحاء القارة. ومن بين المشاركين مسؤولون من الأمم المتحدة والحكومة الكينية، وقيادات من شركات عالمية وإفريقية مثل غوغل إفريقيا (Google Africa)، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، ومجموعة البورصة النيجيرية، فضلاً عن شخصيات بارزة من قطاعي السينما والموسيقى الإفريقية.
وقد عكس هذا التنوع في الحضور طبيعة القمة نفسها، التي سعت إلى تجاوز المقاربة الثقافية التقليدية للقوة الناعمة، وطرح الاقتصاد الإبداعي باعتباره مجالاً يتقاطع فيه الاستثمار والتكنولوجيا والسياسات العامة مع الثقافة والإبداع في إطار رؤية تنموية أشمل للقارة.
وشهدت القمة سلسلة من الجلسات والنقاشات التي تناولت مستقبل الصناعات الإبداعية الإفريقية، ودور الذكاء الاصطناعي في تطويرها، وآفاق تمويل الشركات والمشروعات الثقافية، إضافة إلى إمكانات توظيف تحويلات الجاليات الإفريقية في الخارج لدعم هذا القطاع. كما ركزت المداولات على كيفية تحويل الزخم الذي حققته الموسيقى والسينما وصناعة المحتوى الإفريقية خلال السنوات الأخيرة إلى قيمة اقتصادية مستدامة، قادرة على خلق الوظائف وجذب الاستثمارات وتعزيز الحضور الإفريقي في الأسواق العالمية.
وخلصت النقاشات بتقديم رسالة محورية مفادها أن الاقتصاد الإبداعي في إفريقيا لم يعد مجرد قطاع واعد أو رصيد رمزي للقوة الناعمة، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره أحد المسارات المحتملة لتنويع الاقتصادات الإفريقية وتعزيز قدرتها التنافسية في الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، تبرز ثلاث قضايا تستحق الوقوف عندها والتعليق عليها، وهي: صعود الاقتصاد الإبداعي كجزء من أجندة التنمية الإفريقية، وإشكالية تحويل التأثير الثقافي إلى عوائد اقتصادية حقيقية داخل القارة، ثم التحديات التمويلية التي ما تزال تعيق انتقال هذا القطاع من مرحلة الإمكانات إلى مرحلة التأثير الاقتصادي الواسع.
أولاً: الاقتصاد الإبداعي وأجندة التنمية الإفريقية
لعل أبرز ما كشفته قمة القوة الناعمة الإفريقية 2026 هو أن الاقتصاد الإبداعي لم يعد يُطرح بوصفه قطاعاً ثقافياً هامشياً أو نشاطاً ترفيهياً مكملاً للاقتصاد، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره أحد محركات النمو والتنويع الاقتصادي في القارة. وقد ظهر ذلك بوضوح في طبيعة المشاركين والنقاشات التي جمعت المستثمرين وصناع القرار ورواد الأعمال إلى جانب الفنانين والمبدعين، في إشارة إلى أن النقاش انتقل من سؤال “كيف ندعم الثقافة؟” إلى سؤال “كيف نجعل الثقافة مصدراً للقيمة الاقتصادية؟”.
ولا يأتي هذا التحول من فراغ؛ فخلال العقد الأخير حققت الصناعات الإبداعية الإفريقية حضوراً عالمياً متزايداً، خاصة في الموسيقى والسينما وصناعة المحتوى الرقمي والأزياء. فقد تحولت الموسيقى النيجيرية، وعلى رأسها نمط “أفروبيتس”، إلى صناعة عالمية تتصدر المنصات الرقمية وتستقطب شركات الإنتاج والاستثمار الدولية. كما واصلت صناعة السينما النيجيرية “نوليوود” ترسيخ مكانتها كواحدة من أكبر الصناعات السينمائية في العالم من حيث حجم الإنتاج، بينما أصبحت دول مثل جنوب إفريقيا وكينيا وغانا مراكز متنامية للإنتاج الإعلامي والرقمي.
غير أن الأهمية الحقيقية للقمة تكمن في أنها ربطت هذه النجاحات الفردية بمشروع تنموي أوسع. فإفريقيا تمتلك أصغر سكان العالم سناً، مع توسع سريع في استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، ما يجعل الاقتصاد الإبداعي من القطاعات القليلة القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب دون الحاجة إلى استثمارات رأسمالية ضخمة كالتي تتطلبها الصناعات الثقيلة. ومن هنا يبدو أن القمة لم تكن احتفاءً بالنجاحات الثقافية بقدر ما كانت محاولة لإدماج هذا القطاع ضمن رؤية اقتصادية جديدة تبحث عن مصادر نمو تتجاوز الاعتماد التقليدي على المواد الخام والموارد الطبيعية.
ثانياً: من التأثير الثقافي إلى القيمة الاقتصادية
لقد أثارت القمة تساؤلا أكثر عمقاً من كونه مجرد نجاح الصناعات الإبداعية، وهو: من يملك العائد الاقتصادي الناتج عن هذا النجاح؟ فالقارة الإفريقية باتت تنتج محتوى ثقافياً يحظى بانتشار عالمي متزايد، لكن الجزء الأكبر من العوائد المالية ما يزال يتدفق نحو منصات وشركات تقع خارج إفريقيا.
وتظهر هذه المعضلة بوضوح في الاقتصاد الرقمي. فالفنان أو صانع المحتوى الإفريقي قد يصل إلى ملايين المتابعين حول العالم عبر منصات البث والتواصل الاجتماعي، لكن البنية التحتية الرقمية، وأنظمة الإعلان، وآليات توزيع العوائد، وحقوق الملكية الفكرية، غالباً ما تكون خاضعة لشركات عالمية تستحوذ على الحصة الأكبر من القيمة المضافة. وبعبارة أخرى، أصبحت إفريقيا أكثر حضوراً في إنتاج المحتوى، لكنها لم تحقق بعد المستوى نفسه من السيطرة على سلاسل القيمة المرتبطة به.
وتبرز هنا تجارب تستحق التأمل. فنيجيريا استطاعت بناء علامة ثقافية عالمية عبر الموسيقى والسينما، لكن كثيراً من عمليات التوزيع والإنتاج والاستثمار ما تزال تتم عبر شركات ومنصات دولية. كما أن نجاح المحتوى الإفريقي على منصات البث العالمية لم يرافقه حتى الآن ظهور عدد كافٍ من المنصات الإفريقية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. لذلك فإن التحدي لم يعد يتعلق بقدرة إفريقيا على الإبداع، بل بقدرتها على الاحتفاظ بجزء أكبر من العائدات الاقتصادية الناتجة عن هذا الإبداع.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تركيز القمة على مفهوم “الملكية” (Ownership) إلى جانب “القوة الناعمة”. فالقوة الناعمة تمنح النفوذ والانتشار، لكن الملكية الاقتصادية هي التي تحول هذا النفوذ إلى وظائف واستثمارات وإيرادات ضريبية ونمو اقتصادي. ولهذا فإن نجاح الاقتصاد الإبداعي الإفريقي في المرحلة المقبلة سيقاس ليس فقط بحجم انتشاره العالمي، بل بقدرته على بناء مؤسسات ومنصات وشركات إفريقية تستفيد من القيمة التي يخلقها هذا الانتشار.
ثالثاً: تمويل الإبداع… الاختبار الأصعب
إذا كانت القمة قد أظهرت توافقاً واسعاً حول أهمية الاقتصاد الإبداعي، فإنها كشفت في الوقت نفسه عن استمرار فجوة تمويلية كبيرة تحد من قدرته على التوسع. فالمشكلة الأساسية ليست في نقص المواهب أو الأفكار، وإنما في محدودية الوصول إلى رأس المال القادر على تحويل هذه الأفكار إلى شركات ومشروعات مستدامة.
وتواجه معظم المشروعات الإبداعية الإفريقية تحديات خاصة تجعل الحصول على التمويل أكثر صعوبة مقارنة بالقطاعات التقليدية. فالأصول الرئيسية في هذه المشروعات غالباً ما تكون غير ملموسة، مثل الأفكار والعلامات التجارية والملكية الفكرية، وهو ما يجعل المؤسسات المالية التقليدية أكثر تحفظاً في تمويلها. كما أن كثيراً من المستثمرين ما زالوا ينظرون إلى الصناعات الإبداعية باعتبارها مرتفعة المخاطر وغير مستقرة العوائد.
ومع ذلك، فإن بعض التجارب الإفريقية تشير إلى وجود فرص حقيقية لتجاوز هذه العقبة. فقد بدأت عدة صناديق استثمارية ومؤسسات تمويل تنموي في توجيه اهتمام أكبر نحو الصناعات الثقافية والإبداعية، كما تتزايد المبادرات الهادفة إلى دعم الشركات الناشئة العاملة في مجالات الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى. كذلك برزت خلال القمة أهمية الجاليات الإفريقية في الخارج، ليس فقط كمصدر للتحويلات المالية، بل كشريك محتمل في الاستثمار وبناء الشبكات والأسواق.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب أكثر من مجرد توفير التمويل. فالمطلوب أيضاً تطوير الأطر التنظيمية، وتعزيز حماية الملكية الفكرية، وبناء مؤسسات متخصصة في تمويل الصناعات الإبداعية، وتوفير بيانات أكثر دقة عن حجم القطاع وأدائه. فالتجارب الدولية الناجحة، سواء في كوريا الجنوبية أو الهند أو البرازيل، لم تعتمد على الموهبة وحدها، بل على سياسات عامة ومؤسسات مالية ساعدت في تحويل الإبداع إلى صناعة متكاملة.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي الذي كشفت عنه القمة لا يتمثل في إثبات أهمية الاقتصاد الإبداعي، بل في بناء المنظومة المالية والمؤسسية القادرة على دعمه. فبدون هذه المنظومة سيظل القطاع يمتلك تأثيراً ثقافياً متزايداً، لكنه سيجد صعوبة في تحقيق التحول الاقتصادي الذي تطمح إليه القارة.
الخلاصة
وفي المحصلة، لم تكشف قمة القوة الناعمة الإفريقية 2026 في نيروبي عن صعود الاقتصاد الإبداعي الإفريقي فحسب؛ بل عكست أيضاً تحولاً أوسع في طريقة تفكير النخب الإفريقية والدولية بشأن مستقبل التنمية في القارة. فالحضور اللافت لمسؤولين حكوميين ومؤسسات مالية ومستثمرين وشركات تكنولوجيا إلى جانب المبدعين والفنانين أكد أن النقاش لم يعد يدور حول الثقافة بوصفها مجالاً رمزياً أو ترفيهياً، وإنما باعتبارها قطاعاً اقتصادياً قادراً على جذب رأس المال، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية لإفريقيا في الاقتصاد العالمي.
وقد أظهرت القمة أن القارة تمتلك بالفعل مقومات مهمة للانطلاق، من قاعدة شبابية واسعة، ورصيد ثقافي متنوع، وحضور متزايد في الأسواق العالمية للموسيقى والسينما والمحتوى الرقمي. غير أن تحويل هذه المقومات إلى قوة اقتصادية مستدامة سيظل رهيناً بقدرة الدول الإفريقية على دمج الاقتصاد الإبداعي ضمن استراتيجياتها التنموية، وتعزيز ملكية الأفارقة لسلاسل القيمة المرتبطة بمنتجاتهم الثقافية، وتطوير منظومات تمويل ومؤسسات قادرة على مواكبة طبيعة الأصول الإبداعية والرقمية.
وعليه، فإن الرسالة الأبرز التي خرجت بها القمة تتمثل في أن مستقبل القوة الناعمة الإفريقية لن يُقاس فقط بمدى انتشار الثقافة الإفريقية عالمياً، بل بقدرة القارة على تحويل هذا الانتشار إلى نفوذ اقتصادي ملموس وقيمة مضافة تبقى داخل إفريقيا. وإذا نجحت الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية في بناء هذه الحلقة المفقودة، فقد يصبح الاقتصاد الإبداعي أحد أكثر القطاعات قدرة على دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز مكانة إفريقيا في النظام الاقتصادي العالمي خلال العقود المقبلة.
المصدر:




