- أديس استاندرد
- 30 يوليو 2026
بعد ثلاثين عامًا من اعتماد إثيوبيا دستورها الفيدرالي، لا تزال البلاد تواجه صراعات متكررة. وتؤدي هذه المواجهات إلى إزهاق الأرواح، وتشريد المجتمعات، وتقويض الثقة العامة. وبينما يعزو كثيرون هذه المشكلات إلى التنافسات الإثنية أو السياسية، فإن هناك قضية أكثر عمقًا تتمثل في أن الدستور يوزع المسؤوليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات الإقليمية، من دون أن يحدد بوضوح أين تنتهي صلاحية إحدى السلطتين وتبدأ صلاحية الأخرى.
وقد أفرز هذا الغموض ما يمكن وصفه بـ«السيادة المجزأة»، وهي حالة تمارس فيها مستويات مختلفة من الحكم سلطة قسرية في الوقت نفسه، استنادًا إلى صلاحيات قانونية متداخلة وحوافز سياسية متنافسة. وبدلًا من أن تعمل الهياكل الأمنية الفيدرالية والإقليمية بوصفها مؤسسات متكاملة داخل نظام فيدرالي، فقد عملت في بعض الأحيان بصورة متوازية، بل ومتنافسة، الأمر الذي عقد جهود منع العنف والاستجابة الفعالة للأزمات.
جذور المشكلة
تعود جذور هذه المعضلة إلى دستور جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الفيدرالية لعام 1995، الذي يضمن بموجب المادة 39 حق الأمم والقوميات والشعوب في تقرير المصير؛ ويؤسس بموجب المادة 46 البنية الفيدرالية للبلاد؛ ويسند إلى الحكومة الفيدرالية، بموجب المادة 51(6)، مسؤولية الدفاع الوطني والأمن العام الفيدرالي؛ ويمكّن الولايات الإقليمية، بموجب المادة 52(2)(ز)، من إنشاء قوات شرطة والحفاظ على النظام العام.
وكان الهدف من هذه الأحكام الدستورية تحقيق توازن بين الحكم الذاتي الإقليمي والوحدة الوطنية، لكنها تركت سؤالًا أساسيًا دون حسم: أين تنتهي صلاحيات الشرطة الإقليمية وتبدأ مسؤولية الأمن القومي؟
وبصورة منفردة، تبدو هذه الأحكام الدستورية منسجمة. لكنها، مجتمعة، خلقت منطقة رمادية على المستوى التنفيذي، تتجلى في نقطتي ضعف مؤسسيتين.
أولًا، رغم أن المادة 52(2)(ز) تمنح الولايات الإقليمية صلاحية إنشاء قوات شرطة والحفاظ على النظام العام، فإنها لا تحدد بوضوح النطاق المسموح به لهذه القوات. ومع مرور الوقت، وسعت عدة ولايات إقليمية مؤسساتها الشرطية لتشمل «قوات خاصة» مدججة بالسلاح، تجاوزت قدراتها نطاق إنفاذ القانون المدني التقليدي. وعلى الرغم من أن هذه القوات أُنشئت رسميًا لمواجهة التحديات الأمنية المحلية، فإنها اضطلعت بصورة متزايدة بأدوار شبه عسكرية.
ثانيًا، رغم أن المادة 46 تؤسس الهيكل الفيدرالي للبلاد، فإن إثيوبيا افتقرت إلى آليات مؤسسية فعالة ومستقرة لحل النزاعات الحدودية بين الأقاليم قبل تحولها إلى أزمات أمنية. ونتيجة لذلك، انجذبت مؤسسات الشرطة الإقليمية بصورة متزايدة إلى الخلافات السياسية المتعلقة بالأرض والهوية والتمثيل. وبدلًا من أن تعمل فقط بوصفها أجهزة محايدة لإنفاذ القانون، أصبحت في بعض الحالات أطرافًا في الصراعات التي كان يُفترض أن تعمل على احتوائها.
معضلة الأمن الداخلي
لا يؤدي الغموض الدستوري وحده إلى العنف، لكنه يصبح خطرًا عندما يعمل الفاعلون السياسيون داخل نظام تتداخل فيه المسؤوليات الأمنية وتكون الحدود المؤسسية غير واضحة.
وقد أسهم ذلك في إثيوبيا فيما يصفه علماء السياسة بـ«معضلة الأمن الداخلي»: فالإجراءات التي يعتبرها أحد مستويات الحكم ضرورية لحمايته الذاتية، غالبًا ما تفسرها مستويات أخرى باعتبارها استعدادًا للمواجهة.
وكما أشار مهاري تادلي مرو في تحليله المعمق بعنوان «معضلة تيغراي»، فإن تعميق انعدام الثقة بين السلطات الفيدرالية والإقليمية يمكن أن يؤدي إلى دورة ذاتية التعزيز، تصبح فيها الإجراءات الدفاعية موضع تفسير متزايد باعتبارها أعمالًا هجومية، بما يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار السياسي بدلًا من الحد منه.
وأصبحت هذه الديناميكية واضحة بصورة خاصة خلال إعادة تنظيم الحكومة الفيدرالية للقوات الخاصة الإقليمية في أبريل/نيسان 2023. وعلى الرغم من تقديم الإصلاح رسميًا باعتباره جهدًا لبناء هيكل أمني وطني موحد، فقد أثار تنفيذه مقاومة سياسية شديدة، ولا سيما في إقليم أمهرا. وأفادت صحيفة «أديس ستاندرد» بأن السلطات الإقليمية سعت إلى طمأنة أفراد القوات الخاصة بأن العملية كانت «إعادة تنظيم» وليست حلًا لهذه القوات، في الوقت الذي تصاعدت فيه التوترات ووردت تقارير عن مواجهات مسلحة.
وتوضح هذه القضية مشكلة مؤسسية أوسع نطاقًا. ففي نظام فيدرالي ترى فيه الحكومات الإقليمية المؤسسات الأمنية بوصفها ضمانات لاستقلالها الدستوري، يمكن بسهولة تفسير محاولات تركيز السلطة القسرية باعتبارها تعديًا سياسيًا، لا مجرد إصلاح إداري. وفي المقابل، قد تنظر الحكومة الفيدرالية ــ أو الأقاليم المجاورة ــ إلى استمرار توسع الهياكل الأمنية الإقليمية باعتباره تحديًا لاحتكار الدولة الاستخدام المشروع للقوة.
وتؤدي النتيجة إلى دورة من الشك المتبادل، إذ يُنظر إلى الإجراءات المتخذة لأغراض دفاعية باعتبارها أعمالًا هجومية من جانب الآخرين.
كما أن السرعة التي تطورت بها السياسة إلى أزمة سياسية أوسع توضح هذه المعضلة. فقد وثقت تغطية «أديس ستاندرد» للاضطرابات اللاحقة في أمهرا احتجاجات واسعة النطاق، واشتباكات بين القوات الفيدرالية والإقليمية، وتزايد انعدام ثقة الجمهور في عملية الإصلاح. وبدلًا من تعزيز التماسك الوطني، كشف الإصلاح عن الكيفية التي يمكن بها للغموض الدستوري غير المحسوم أن يقوض الثقة بين مستويات الحكم المختلفة.
وتظهر التجربة أيضًا أن المؤسسات الأمنية لا تعمل في فراغ سياسي. فعندما تظل الصلاحيات الدستورية غير واضحة، يمكن للقادة السياسيين الإقليميين الذين يواجهون تحديات تتعلق بالشرعية أن يقدموا الإصلاحات الأمنية باعتبارها تهديدات وجودية للحكم الذاتي الإقليمي.
ويمكن لهذه السرديات أن تحول المؤسسات الشرطية إلى رموز للهوية السياسية بدلًا من كونها حراسًا محايدين للنظام العام. وفي ظل هذه الظروف، تصبح النقاشات المتعلقة بالإصلاح المؤسسي غير منفصلة عن الصراعات الأوسع حول الفيدرالية والتمثيل والسلطة السياسية.
ولا تقتصر النتائج على النخب السياسية. فالمجتمعات التي تنظر إلى المؤسسات الأمنية المحلية باعتبارها منحازة سياسيًا أو إثنيًا قد تفقد الثقة في أجهزة إنفاذ القانون ككل. ومن جانبها، قد تعمل الأقاليم المجاورة على تعزيز هياكلها الأمنية استجابة لذلك، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج دورة انعدام الأمن التي تسعى أصلًا إلى تجنبها.
وهذا هو جوهر معضلة الأمن الداخلي في إثيوبيا: إذ يشجع عدم اليقين المؤسسي على اتخاذ إجراءات دفاعية تؤدي، paradoxically، إلى تعميق انعدام الثقة المتبادل وزيادة مخاطر الصراع.
إصلاح القواعد وليس القوات فقط
أقر قرار الحكومة الفيدرالية بإعادة تنظيم القوات الخاصة الإقليمية بواقع مهم، وهو أن إثيوبيا لا تستطيع الاستمرار في وجود مؤسسات أمنية متعددة ومدججة بالسلاح، تعمل وفق صلاحيات سياسية متداخلة. غير أن تفكيك هذه القوات أو إعادة هيكلتها وحده لا يمكن أن يعالج المشكلات المؤسسية العميقة التي سمحت بظهورها.
وكما أظهرت تغطية «أديس ستاندرد» لإصلاح قطاع الأمن في عام 2023، فإن الجدل المحيط بالسياسة لم يكن مدفوعًا فقط بالخلافات بشأن تنفيذها، وإنما أيضًا بعدم اليقين بشأن التوازن الدستوري بين السلطة الفيدرالية والحكم الذاتي الإقليمي.
وما لم تتم معالجة حالة عدم اليقين هذه، فمن المرجح أن تعود التوترات نفسها إلى الظهور، بغض النظر عن الشكل التنظيمي الذي ستتخذه المؤسسات الأمنية الإقليمية في نهاية المطاف.
ولذلك، يتطلب الحل المستدام تعزيز الإطار الدستوري والمؤسسي الذي ينظم العلاقات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية.
وينبغي أن تكون الأولوية الأولى توضيح العلاقة بين المادة 51، التي تسند مسؤولية الدفاع الوطني والأمن العام الفيدرالي إلى الحكومة الفيدرالية، والمادة 52، التي تمنح الولايات الإقليمية صلاحية الحفاظ على النظام العام من خلال مؤسسات الشرطة التابعة لها.
فالدستور يوزع الصلاحيات بوضوح نسبي، لكنه يقدم إرشادات محدودة بشأن الظروف التي يصبح فيها التدخل الفيدرالي ضروريًا، أو كيفية تنسيق الصلاحيات المتداخلة أثناء الأزمات الأمنية الكبرى. ومن شأن مزيد من الدقة القانونية أن يقلل حالة عدم اليقين لدى كل من السلطات الفيدرالية والإقليمية، وأن يحد من فرص التلاعب السياسي.
التعاون بين الحكومتين
غير أن التوضيح القانوني يجب أن يصاحبه تعزيز للتعاون بين الحكومات. فالتحديات الأمنية التي تتجاوز الحدود الإدارية لا يمكن إدارتها بصورة فعالة من خلال مؤسسات تعمل بصورة منفصلة.
ويمكن لإثيوبيا الاستفادة من إنشاء آلية دائمة للتنسيق الأمني بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، يتم من خلالها تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتحديد المسؤوليات العملياتية بصورة مشتركة، ومعالجة النزاعات الناشئة قبل تحولها إلى مواجهات مسلحة.
وتعد مثل هذه الترتيبات شائعة في النظم الفيدرالية، لأنها تشجع على التنسيق دون تقويض الحكم الذاتي الإقليمي.
المساءلة المؤسسية
ينبغي أن يعمل الإصلاح المؤسسي أيضًا على تعزيز المساءلة العامة. فالشرطة المهنية تستمد شرعيتها ليس من الولاء السياسي، وإنما من التزامها بالمبادئ الدستورية، وإنفاذ القانون بصورة محايدة، وحماية جميع المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الإثني أو السياسي.
ومن شأن إنشاء آلية رقابة مستقلة قادرة على التحقيق في مزاعم استخدام الشرطة لأغراض سياسية أن يساعد في تعزيز المعايير المهنية واستعادة ثقة الجمهور في المؤسسات الأمنية.
بناء عقيدة مهنية مشتركة
ومن الأهمية بمكان أيضًا تطوير عقيدة مهنية مشتركة بين مختلف أجهزة الأمن الإثيوبية. فمن الطبيعي أن يكون ضباط الشرطة الإقليميون على دراية باللغات والمجتمعات المحلية، لكن ولاءهم الأساسي يجب أن يظل للدستور وسيادة القانون، وليس للمصالح السياسية الإقليمية.
ومن شأن اعتماد معايير تدريب موحدة، ومبادئ عمليات مشتركة، وتنظيم تدريبات دورية مشتركة، أن يساعد على ترسيخ ثقافة التعاون بدلًا من التنافس المؤسسي.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الإصلاحات باعتبارها محاولات لإضعاف الفيدرالية. فعلى العكس، تعتمد النظم الفيدرالية الناجحة على حدود دستورية واضحة، وثقة متبادلة بين مستويات الحكم، ومؤسسات أمنية تخدم المواطنين بدلًا من الدوائر السياسية.
ومن شأن تعزيز هذه الأسس أن يجعل النظام الفيدرالي الإثيوبي أكثر قدرة على الصمود، لا أقل.
خاتمة
تكشف الأزمات الأمنية المتكررة في إثيوبيا في نهاية المطاف أن التصميم الدستوري لا يقل أهمية عن القيادة السياسية. فلا يمكن أن يستند السلام فقط إلى اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة أو العمليات الأمنية الدورية، وإنما يحتاج إلى مؤسسات تحدد الصلاحيات بوضوح، وتشجع التعاون، وتحظى بثقة الجمهور عبر الحدود الإقليمية والإثنية.
وما لم تتم معالجة هذه القضايا الهيكلية، فقد تستمر حلقات العنف في التكرار حتى مع تغير الحكومات وأفراد الأجهزة الأمنية والفاعلين السياسيين.
وبدلًا من النظر إلى التحديات الأمنية في إثيوبيا من منظور الإثنية أو التنافس السياسي وحدهما، ينبغي لصانعي السياسات أيضًا مواجهة البنية الدستورية التي تشكل حوافز أولئك الذين يمتلكون أدوات القوة القسرية.
ولم يعد السؤال المركزي هو ما إذا كانت إثيوبيا بحاجة إلى إصلاح أمني، بل ما إذا كان هذا الإصلاح سيعالج الجذور المؤسسية للصراع أم سيكتفي بمعالجة أعراضه الأكثر وضوحًا.




