مقدمة
يشترك الصومال مع غالبية أشقائه في المنطقة، في العيش وسط حالة من عدم اليقين المخيمة على مرحلة ما بعد توقف الحرب وتراجع حدة المواجهات العسكرية المباشرة. ويفرض هذه الحالة تعذر وصول الأطراف المتحاربة إلى اتفاق مستقر فيما بينها، وتحديداً من جانب إسرائيل التي لا تبدو جزءاً من التفاهمات الجارية بين الطرفين الرئيسيين في الصراع: إيران والولايات المتحدة، على الرغم من أنها كانت طرفاً رائداً في اتخاذ قرار الحرب وتحديد أهدافه الرئيسية منذ البداية. ويبدو المشهد الحالي أشبه بهدنة حربية مؤقتة، تمنح الأطراف المتصارعة فرصة لإعادة ترتيب حساباتها الاستراتيجية للمرحلة المقبلة؛ وفي واقع كهذا، ستنشغل جميع تلك الأطراف بإعادة تشكيل توازناتها الجيوسياسية في الميادين المرشحة للمواجهات القادمة، وفي مقدمتها منطقة القرن الأفريقي.
وتخلف تداعيات هذه الحالة، المتفاعلة مع التنافس القائم سابقاً في منطقة القرن الأفريقي، تهديدات جسيمة تمس استمرار كيان الدولة الصومالية على المدى المنظور؛ ولكنها في الوقت ذاته، تتيح لها فرصاً عديدة لامتلاك مصيرها، واستعادة لحمتها الوطنية المهتزة، وإعادة تموضعها الجغرافي المتميز، وذلك وسط تضارب المصالح الدولية والإقليمية المتشابكة، وتراجع المرجعيات القانونية والنظام الدولي الحاكم للتفاعلات الراهنة. ويعني ذلك أن التطور الحربي القائم في المنطقة يؤثر على الدولة الصومالية من زوايا متعددة، ويضع مصير البلاد بأكمله بين خيارالوقوع في فخ الأزمات المستدامة والتفكك، أو اقتناص لحظة التحول الراهنة واستغلال الموقع الجغرافي الفريد لفرض الوحدة السياسية وتحقيق التنمية الاقتصادية رغم المكائد المحاكة ضد وحدتها السياسية المستهدفة منذ عقود. وتحمل نتائج هذه الحرب مخاطر جيوبوليتيكية حقيقية تواجه الجغرافيا السياسية للصومال في المرحلة المقبلة، نتيجة التحولات الإقليمية المستجدة والتحالفات المتشكلة في السنوات الأخيرة في منطقة القرن الإفريقي، وما سبق ذلك من سباق محموم للبحث عن موطئ قدم في المياه الشمالية للصومال تحديداً.
وربما كان الإغريق على حق عندما قالوا قديماً: «إن الحرب هي أم الأشياء»؛ لأنها تجسد تداخلاً عملياً بين السياسة والقوة والمصالح والعقائد، وتشابكاً بين نظريات العلوم البشرية والطبيعية المختلفة، فضلاً عن كونها امتداداً للسياسة بوسائل عنيفة وفقاً لرؤية كلاوزفيتز. وبعبارة أخرى: «إن الحرب هي والد كل شيء… بينما السلام هو توازن غير مستقر لا يمكن المحافظة عليه إلا بالقوة المقبولة أو القوة المعادلة» وفق مقولة هرقليطس، و«إن البشرية لم تعش في الثلاثة آلاف سنة الأخيرة وما بعدها، سوى 268 سنة بلا حرب» وفق رؤية المؤرخ والفيلسوف الأمريكي ويل ديورانت ( 1885-1981)
الحرب وانكشاف أهمية المضايق
يوفر التاريخ مادة وفيرة تؤكد أن الكثير من الحروب التي اشتعلت على مر الزمن كان هدفها الاستراتيجي هو السيطرة على المضايق والتحكم في الخلجان الحيوية، وخاصة الواقعة في منطقة الشرق الأوسط؛ بدءاً من مضيقي الدردنيل والبسفور وقناة السويس، وباب المندب، وصولاً إلى مضيق هرمز المتنازع عليه حالياً. ومن المعلوم أن قيمة المضايق والخلجان لا تُحسب بالمساحة الأرضية التي تحتلها، بل بأهميتها الجيوسياسية للمصالح الدولية بمستوياتها المختلفة، وتحديداً في مسائل الطاقة وسلاسل التوريد، فضلاً عن الأمن الغذائي بشكل عام. ومن المؤكد أن الحرب المتجمدة في المنطقة قد أثرت على جميع الدول في العالم بدرجات متفاوتة، وأثبتت للجميع أهمية المضايق في الاقتصاد العالمي وتأثيرها على الضروريات الحياتية، سواء للدول المصدّرة أو المستهلكة، كما أنها كشفت عن ترابط مسارات اقتصاد الدول المنتجة بالمستهلكة، وأظهرت هشاشة مكشوفة في هيكلية اقتصاد الدول النامية بمنطقة القرن الأفريقي عموماً والصومال خصوصاً، بعد أن خلقت حالة صعود مستمر في أسعار الطاقة، والغذاء، ومواد البناء، وتكاليف التأمين البحري والشحن بسبب العمليات العسكرية في المنطقة.
تأثيرات الحالة الحربية في الصومال
يُعد الصومال من أكثر الدول تأثراً بهذه الحرب؛ نظراً لموقعه الجغرافي الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وخليج عدن. وتدفع هذه الميزة الاستثنائية بالبلاد إلى حيز الاستقطاب القسري بين قوى خارجية متناقضة الأهداف، وتفرض عليه إعادة تموضع استراتيجي حتمي في محيطه الجغرافي في المرحلة المقبلة. ويمكن تقسيم التأثيرات السلبية على النحو التالي:
-
التأثير الاقتصادي والإنساني
يعتمد الهيكل البنيوي للاقتصاد الصومالي بشكل شبه كامل على الاستيراد الذي يفوق التصدير والإنتاج المحلي؛ ولذلك يتأثر اقتصاد البلاد بأي اضطرابات سياسية مستجدة أو حروب مشتعلة، كونها تجعل تدفق سلاسل التوريد مضطربة وتؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والطاقة، والأدوية. والصومال دولة مستوردة لاحتياجاتها النفطية ومشتقات الوقود وكثير من السلع الأساسية، ويرتبط اقتصادها أساساً بأمن واستقرار الممرات المائية في الخليج العربي والبحر الأحمر وسلامة مضيق هرمز. ويرتبط استقرار سوق الصومال المحلي وأمنه الغذائي والصحي ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الأمني في حدوده الشمالية الشرقية قبل غيرها، مما يعني وجود ارتباط طردي ما بين دويّ الرصاص في مياه هرمز وسعر قطعة الخبز في أنحاء البلاد. وبالتبعية، تتفاعل تلك الأوضاع الحربية مع تبعات دورة الجفاف الأخيرة التي كانت سائدة في البلاد فترة ما قبل الحرب، وتفاقم مظاهر سوء التغذية إلى جانب اتساع نطاق الحاجة للمساعدات الإنسانية الدولية التي تراجعت في السنوات الأخيرة بصورة ملموسة. ويضاف إلى ذلك ما فرضته الحرب من تحول في الاهتمام الدولي تجاه الحالة الصومالية، وإعادة توجيه موارد المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية الكبرى نحو تغطية تكاليف خطط الطوارئ الناتجة عن الحرب، الأمر الذي تسبب في حدوث عجز حاد في تمويل البرامج الإنسانية والخطط التنموية الموجهة للصومال، وسيبطئ إلى حد كبير برامج التعافي الاقتصادي وبناء المؤسسات الوطنية التي بدأت الدولة تفعيلها في السنوات الأخيرة.
-
التأثير السياسي ومخططات التفتيت
تتقاطع في منطقة القرن الأفريقي أجندات دولية وإقليمية شديدة التعقيد، تسعى من خلالها القوى المعادية للصومال إلى تقزيم الخريطة السياسية لصالحها الاستراتيجي. ويقع الصومال بموقعه الجيواستراتيجي المتميز في قلب هذه التجاذبات المتسارعة، حيث تعمل تلك القوى المعادية باستمرار على إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للبلاد بما يتوافق مع مصالحها المختلفة على حساب السيادة الوطنية ووحدة الأراضي. وغالبا ما تتستر تلك القوى المناوئة تحت غطاء الاستثمار في الموانئ الوطنية، والبحث عن منافذ بحرية مستدامة، وإنشاء قواعد بحرية جديدة في المياه الصومالية، أو توسيع نطاق تسهيلات قواعد قائمة لدول حليفة في الدول المجاورة على الامتداد الساحلي الهائل للبلاد، حتى تكون مهيأة للاستخدام الفاعل عند اللزوم وتشبيكها بأخرى تخدم الأجندة نفسها في المنطقة، طبقا للتجربة العملية التي تمّ رصدها في الفترة الأخيرة. ويقود هذا بالضرورة إلى تآكل الجغرافيا السياسية وقضم السيادة الإقليمية للصومال، وتحويل مياهه الإقليمية إلى ساحة مفتوحة غير خاضعة لسلطة مركزية، فضلاً عن توظيف الاضطرابات البحرية الحالية كغطاء وذرائع لتبرير التدخلات العسكرية والأمنية المستمرة ونهب الموارد البحرية والوطنية.
والغريب أن هذه القوى تستبيح السيادة الإقليمية للصومال دون رادع دولي وإقليمي، وتتصرف باستمرار وكأنه لا توجد قوانين دولية تنظم العلاقات السياسية بين الدول وتقيد الحركة تجاه بعضها البعض. ويبدو أن مخاطر تلك الاستراتيجيات لا تقتصر على الضغوط الخارجية، بل تمتد لتستهدف البنية الداخلية للدولة الوطنية من خلال تحويل الجغرافيا السياسية للبلاد إلى “كانتونات” أو دويلات فدرالية عشائرية مقطوعة الأوصال، مما يعني عملياً أن مصلحتها الاستراتيجية تكمن في منع عودة حكومة مركزية قوية في حدود جغرافيتها السياسية، أو قادرة على التصدي للاستباحة المتكررة في الحدود الطبيعية للدولة. ومن اللافت للنظر أن هذا المخطط يستهدف شراء ضمائر الشخصيات الرمزية وإعادة تشكيل الوعي السياسي للنخب الوطنية والسيطرة على المحتوى الإعلامي الصانعة للرأي العام المحلي، وتسخيرها مجتمعة كأدوات وظيفية مخترقة الضمير غابت عنها الروح الوطنية المستقلة، فضلاً عن طمس الهوية السياسية وإضعاف الهوية الوطنية المشتركة مع تقدم الزمن، لتصبح الدولة مجرد حلم يصعب تحقيقه أو ماضٍ تاريخي عابر غير حي في وجدان وضمير المواطن.
وقد يكون استهداف الدور التركي وتشويه صورة العلاقة الثنائية بين أنقرة ومقديشو، مقابل السكوت المخجل عن الانتهاكات المنهجية للسيادة الوطنية من قبل ذلك المعسكر بقيادة إسرائيل، مؤشراً على طبيعة الدور الوظيفي الذي تقوم به كثير من النخب السياسية وأصحاب المنصات الإعلامية، فضلاً عن مباركتها لإجراء الانتخابات غير المتوافق عليها في الولايات المحلية الموالية لها وتمنّعها عن العمل مع الحكومة لبناء قاعدة التوافق في مسار الانتخابات الوطني المختلف عليها. وتعتمد تلك القوى المناوئة للصومال الدولة الموحدة على تكتيكات الحرب الهجينة لإبقاء الصومال في حالة استنزاف وفقر دائم، وتدفعه باتجاه إدامة الحلقة المفرغة من الإرهاب والنزوح والاعتماد على المساعدات الدولية. ولا تتورع تلك الدول عن استخدام الاضطرابات السياسية المتجددة كورقة مساومة ضد القوى الدولية والإقليمية الداعمة لوحدة الصومال واستقراره، وتقديم الدعم المباشر وغير المباشر للنزعات الانفصالية والحركات الاستقطاعية، وغض الطرف عن نشاط الجماعات الإرهابية المسلحة لإطالة أمد إضعاف المؤسسات الوطنية وعرقلة الشراكات التنموية، لضمان بقاء الصومال دائماً في صدارة المؤشرات الدولية السلبية أو في ذيل قوائم الدول الأكثر فقراً والأقل أماناً.
قضية هرجيسا كنموذج لتفكيك الجغرافيا السياسية
تشكّل حالة هرجيسا (أرض الصومال) نموذجاً عملياً لتكاتف تلك القوى نحو تفكيك الجغرافيا السياسية للصومال، والدفع بالقضية نحو مسارات مجهولة العواقب اتخذتها إدارة هرجيسا منذ ديسمبر 2025. ويبدو أن التدخل الإسرائيلي المتسارع في شمال الصومال شوّه حقيقة القضية، ووضع مصداقيتها ومرجعيتها الفكرية تحت طائلة التشكيك والتساؤل. وجاءت الزيارة الأخيرة التي قام بها السيد “عرو” إلى إسرائيل لتميط اللثام عن الكثير من المستور؛ حيث كشفت عن وجود علاقات سابقة وزيارات متبادلة غير معلنة بين الطرفين، فضلاً عن نظرة إسرائيل لهرجيسا باعتبارها “إسرائيل شرق أفريقيا”، ورغبتها في جعلها شريكاً متعاوناً معها في محاربة الإرهاب بالمنطقة. ويبدو أن هذا الاندفاع المتبادل بين “عَرو” و”نتنياهو” يسلب قضية هرجيسا ذلك التفاهم المحلي والتعاطف الدولي والإقليمي اللذين حظيت بهما طيلة العقود الأخيرة ويحيل طبيعة قضاياها من ملفات محلية مفهومة الجذور والمساعي، إلى عصاً غليظة يُراد بها تفكيك الجغرافيا السياسية للصومال إلى وحدات قبلية متشرذمة. كما يهدف هذا التوجه إلى دعم الأجندات الإقليمية لبعض الدول المجاورة الطامعة في أراضيه، ومحاصرة الدول الرئيسية المشاطئة للبحر الأحمر، ناهيك عن تعطيل النفوذ التركي المتنامي في المنطقة، وفصل الصومال عن عمقه الشمالي الطبيعي نهائياً.
وترمي إسرائيل من وراء حضورها في هرجيسا إلى ضمان تواجد ميداني يعزز مستوى علاقتها مع إثيوبيا ويحسّن فرص التنسيق الميداني معها، ويمكن شركاتها المختلفة من استغلال الثروات الطبيعية والمعدنية الزاخرة في المنطقة الشمالية، ويساهم في حربها المخططة ضد الحوثيين، ويؤمّن لها كذلك إمدادها البحري عبر مضيق باب المندب. ومع ذلك، فإن هذا الحضور يقود إلى توترات سياسية أكثر حدة مع الدولة الصومالية ومع الصوماليين في المنطقة ككل، ويضع هرجيسا في مرمى نيران الحوثيين باستمرار، مما يفرض على الإدارة المحلية دفع فاتورة أمنية باهظة الكلفة. علاوة على ذلك، فإنه يؤدي إلى تعميق الانقسامات بين المكونات الأساسية في نسيجها المجتمعي، ويصدّع روابط الاتصال بين الإدارة وغالبية الشارع المناوئ لهذا التوجه، ويفصل الإدارة عن عمقها الإسلامي المحيط بها، ويتعارض بشكل مباشر مع مواثيق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ويحدّ من مسارات التعاون التجاري بينها وبين غالبية الدول العربية القريبة منها.
وتكمن مشكلة هرجيسا في أنها تزيد العبء على نفسها، ولا تعي بمايكفي عواقب تحركها المتهور في محيطها العربي – الإفريقي، آخذةً قضيتها إلى مسار عكسي، ومسوّقةً لمطالبها بسرديات نمطية يصعب التحقق منها عبر الوثائق التاريخية، أو الأحكام المثبتة في القانون الدولي، أو البحوث العلمية المحايدة؛ بدءاً من المبالغة في أعداد السكان والمساحة، والادعاء بأنها كانت دولة مستقلة تماماً قبل الوحدة مع الجنوب عام 1960 وتريد انفصالاً أحادي الجانب عن الصومال الأم، وصولاً إلى الحديث عن وجود صداقات بين شعب إسرائيل وهرجيسا، وهي كلها سرديات تفتقر إلى الدقة والموضوعية، مما جعلها متصادمة مع الوقائع التاريخية والقانونية الضابطة للعلاقات الدولية المتعارف عليها وشريكة لأكثر الدول عداء مع الحقائق والحقوق في المجتمع الدولي، ناهيك عن تشبثها بالمظالم التي وقعت عليها وتغافلها عما اقترفته هي في مدينة لاسعانود، وتبنيها نهجاً متشدداً يخلو من أي حلول عملية قابلة للتحقيق في جولات المفاوضات العشر السابقة مع الصومال، وتمسكها برواية أحادية الجانب ترفض الاستماع إلى ما سواها.
وتعكس رغبة افتتاح ممثلية لها في القدس الغربية وجهاً من وجوه الخصومة مع الحقيقة نفسها؛ لأن هرجيسا تعلم أن هذه المدينة محتلة بالقوة ولها حرمة مقدسة في الإسلام كونها تحوي الحرم القدسي وتضمّ المسجد الأقصى، وخاضعة للوصاية الدولية بإشراف من المملكة الأردنية الهاشمية. وتصنف مدينة القدس ضمن الأراضي (1%) التي استثناها قرار التقسيم (181) الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، وينص القرار على أنها مدينة دينية وتاريخية ذات وضع دولي خاص. وتؤكد القرارات الدولية، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن (237، 252، 298، 478، 479) والقرارات الأخرى الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وهيئاتها المتفرعة بما في ذلك محكمة العدل الدولية، رفض السيادة الإسرائيلية عليها مطلقاً وتعتبر إقامة المستوطنات فيها باطلاً ولاغياً، بل وتدعو إسرائيل للانسحاب منها منذ عام 1967. وانقادت أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لتلك القرارات الدولية تِباعاً، حيث لا توجد في الوقت الحالي سفارة دولة معتبرة هناك باستثناء الولايات المتحدة التي نُقلت سفارتها عام 2018، وليس من بينها أي دولة إسلامية أو أفريقية. وتعني رغبة إدارة هرجيسا في فتح تمثيلية لها هناك موافقتها الطوعية على تهويد مدينة القدس، ونزع المدينة من طابعها الإسلامي، وتحديها للقرارات الدولية التي ترفض السيادة الإسرائيلية عليها، وتجاهلها الواضح للقرارات المؤيدة بأن القدس الشرقية هي عاصمة لدولة فلسطين بموجب قرار الجمعية العامة 43/177 الصادر في 15 ديسمبر 1988، وتغاضيها عما تفعله إسرائيل بفلسطين من جرائم نوعية ممنهجة فاقت عن الوصف والحصر ضد أهل فلسطين، وهو أمر يتناقض مع ضمير سكانها وهويتهم الإسلامية العريقة في التاريخ.
الفرص والاستراتيجية المتاحة
رغم قتامة ملامح المشهد في الصومال، إلا أن تضارب المصالح الدولية والإقليمية فوق الجغرافيا السياسية للبلاد يمنحها فرصاً ذهبية، إذا تحرك أصحاب الرأي والمسؤولية بحكمة وحنكة. وقد تكون أولى تلك الخطوات هي :-
- التعجيل بالتوافق على المسار الانتخابي: وذلك نظراً لصعوبة إحراز أي تقدم ملموس على الجبهة الخارجية في ظل غياب شرعية سياسية صلبة للحكم، والوقوع في شرك مرحلة انتقالية مجهولة المصير، أو نتيجة لعدم التوافق على معالم المسار الانتخابي للمرحلة المقبلة، وخاصة ما بعد المدى الزمني المقرّر في التعديلات الأخيرة.
- الاستغلال الأمثل للموارد الوطنية المختلفة والتوافق الداخلي: ينبغي الاستغلال الأمثل من الموارد الطبيعية للخروج المرحلي من الأزمات المتراكمة، وتثبيت التوافق الداخلي في المسائل الخلافية بين القوى الوطنية المختلفة. ويمثل الشعور بالخطر الوجودي المشترك حافزاً قوياً للصوماليين لإعادة بناء الصف الداخلي، وتجاوز الخلافات المناطقية لمواجهة التهديد الذي يستهدف الجميع ويريد إنهاء الهوية الثقافية الصومالية الموحدة، ويستعدي على الموقف الدولي والإقليمي الداعم على السيادة والوحدة الصومالية
- مقايضة الموقع الاستراتيجي: لا يمكن للصومال الحد من التأثير السلبي للتدخلات الخارجية إلا عن طريق تكثيف المصالحة السياسية بين الشركاء الأساسيين ومقايضة موقعه الاستراتيجي لتحصيل مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية من الأطراف الدولية المتنافسة، بناءً على خط مستقيم أوثابت يتمسك بالثوابت والدستور، مع إبداء المرونة الضرورية في الوسائل والأدوات في مرحلة معينة.
- استثمار الإجماع الإقليمي والدولي: ينبغي أن تتحرك أجهزة الدولة في ظل توافر إجماعٍ دولي وإقليمي غير مسبوق، يتجسّد بوضوح في بيانات الدول والتجمعات الإقليمية المؤثرة (مثل: منظمة التعاون الإسلامي، والجامعة العربية، والقوى الدولية النافذة). وقد تميز هذا التوافق بنبرة تضامنية حازمة ومتطابقة تدعم وحدة الصومال وتندد بالاعتداءات التي استهدفت سيادته ووحدته الترابية؛ لاسيما الانتهاك الإثيوبي عام 2024، والتدخل الإسرائيلي السافر منذ أواخر عام 2025. وتنعكس مفردات هذا التأييد السياسي والتلاحم الأخوي جلياً في رسائل التهاني التي تلقتها البلاد بمناسبة أعياد الاستقلال والوحدة بالتوالي من يوم أمس.
ويجب أن يمنح هذا الإجماع أصحابَ القرار في البلاد محفزاً قوياً للتحرك السريع نحو حلحلة القضايا الداخلية، وتنسيق مواقف الدول الداعمة للسيادة الصومالية نحو اولوية العمل الحكومي وإعادة التقييم على الموقف المرحلي الذي تقف البلاد على أعتابه، وإعادة تموضع الصومال في المنطقة كلاعب محورى لا يمكن التهاون بالمساس بخطوطه الحمراء، ولا يمكن تحقيق الاستقرار الإقليمي بغيابه.
خاتمة
إن التطورات العسكرية الراهنة في المنطقة قد ألقت بظلالها على الصومال من زوايا مختلفة، ومسّت تداعياتُها حياة المواطن وبنية الدولة على أصعدة متعددة. وتضع هذه المتغيرات المتسارعة الصومال اليوم أمام مفترق طرق حاسمة؛ تتأرجح خياراته بين الاستسلام لمخططات التفتيت والتفكيك، أو اقتناص لحظة التحول الراهنة لاستعادة لحمته الوطنية.
ويمكن رصد عمق هذه التداعيات -التي عرضت اقتصاد البلاد لصدمات بالغة- عبر مسارين رئيسيين:
- تحوير بعض النخب السياسية إلى قوى وظيفية مرتهنة للخارج، بدلاً من كونها نُخباً وطنية مستقلة تفصل بين مفهوم الدولة ونظام الحكم؛ وذلك توهُّماً من تلك الأطراف بأن المال والخداع كفيلان بتوجيه القرارات في بلد يعاني أساساً من تراكم الأزمات المركبة.
- تكثيف جهود تحالف مركب يسعى إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للبلاد، وتحويلها إلى كانتونات قبلية مفككة الأوصال، واختزال تاريخ الدولة برمتها في ماضٍ عابر، متخذاً من دعم أجندات الانفصال، وزعزعة الاستقرار، ورعاية الاضطرابات كواجهاتٍ رئيسية له.
وتأسيسًا على ذلك، بات من الضروري وضع استراتيجية وطنية شاملة تركز على تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير البنى التحتية والمرافق التنموية الأساسية، وتوفير المتطلبات اللازمة لرفع معدلات التصدير؛ بهدف إيجاد حلول عملية توازن بين عمليتي الاستيراد والتصدير. وبمعنى آخر: بلورة رؤية سياسية قادرة على التعامل مع تقاطعات المصالح الدولية وتناقضاتها فوق الجغرافيا الصومالية، والصمود في وجه المتغيرات الإقليمية المتلاحقة. ولا توجد أولوية تفوق أهمية عمل الدولة على حماية جغرافيتها السياسية وسيادتها الوطنية في ظل هذه الظروف المتغيرة، وذلك عبر خارطة طريق عملية، معززة بإيمان المواطن بالمؤسسات الوطنية، وتقود إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يُعلي المصلحة الوطنية فوق الولاءات الضيقة، ويحقق مصالحة سياسية بين المركز والولايات ترسخ قاعدة التوزيع المنصف للسلطة والثروة.
وينبغي أن تستند هذه الاستراتيجية إلى التوافق القائم بين القوى الإقليمية الداعمة للصومال (مثل: تركيا، السعودية، مصر، قطر، والجزائر)، وتتطابق مع مواقف الدول الكبرى المؤثرة (مثل: الصين، روسيا، بريطانيا، وإيطاليا)، مع تفعيل الاتصالات الثنائية المباشرة بين الدول، والاستفادة من الأدوار المختلفة التي يمكن أن تضطلع بها الأمانة العامة لمجتمع شرق إفريقيا (EAC) ومنظمة الهيئة الحكومية للتنمية “إيجاد” (IGAD) في هذه المرحلة الفاصلة. كما يتطلب الأمر تنسيق أجندات الدول الداعمة للوحدة عبر ميزان المصالح والمنفعة المتبادلة، وضمان تحويل الدعم الخارجي إلى رافعة للسيادة بدلاً من ترك البلاد ساحة لتصفية الحسابات. وينبغي الإدراك بأن موقع الصومال الجيوسياسي حساس بطبيعته، وأن إدارته تتطلب تحصين الجبهة الداخلية وتوحيد الموقف السياسي؛ إذ من المستحيل بناء جبهة خارجية قوية على أرضية داخلية هشّة. ويجب أن تنطلق هذه الاستراتيجية من عزيمة حقيقية للاستثمار الصحيح في موقع الصومال الجغرافي الفريد بدلاً من أن تظل البلاد ضحية له، وخلق بيئة سياسية جامعة تتجاوز الخلافات الداخلية، مع اليقين بأن التوافق والاستقرار الداخلي هما الجدار الأول والأساسي لحماية السيادة الوطنية، قبل أي أدوات أخرى ضرورية للحفاظ على الثوابت التي تركها الآباء المؤسسون للدولة الصومالية قبل ستة وستين عاماً من اليوم.




